الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
كَفَالَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكَل:
٩ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكَل بَعْدَ الْبُلُوغِ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الْبِنْتِ الْبِكْرِ، (١) حَسَبَ تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (حَضَانَة ف ١٩) .
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ بَيَّنُوا بِأَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكَل كَالأُْنْثَى فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ إِلاَّ فِي مَسَائِل، وَلَمْ يَذْكُرُوا مَسْأَلَةَ كَفَالَةِ الْخُنْثَى الْمُشْكَل وَحَضَانَتِهِ ضِمْنَ هَذِهِ الْمَسَائِل الْمُسْتَثْنَاةِ. (٢)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ كَفَالَةَ الأُْمِّ عَنِ الْخُنْثَى الْمُشْكَل لاَ تَسْقُطُ مَا دَامَ مُشْكَلًا. (٣)
انْتِهَاءُ وِلاَيَةِ الْكَفَالَةِ:
تَنْتَهِي وِلاَيَةُ الْكَفَالَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْغُلاَمِ وَالْجَارِيَةِ لاِكْتِفَائِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ كَمَال التَّمْيِيزِ وَالْقُوَّةِ (٤) وَيَخْتَلِفُ وَقْتُ زَوَال الْكَفَالَةِ، إِذَا كَانَ مَنْ تَحْتَ الْكَفَالَةِ أُنْثَى أَوْ ذَكَرًا، عَاقِلًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ.
وَالتَّفْصِيل فِي (حَضَانَة ف ١٩) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ ٤٦٠، مطالب أولي النهى ٥ ٦٧١.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٢٣ ط دار الكتب العلمية، وانظر بدائع الصنائع ٧ ٣٢٩.
(٣) حاشية الدسوقي ٢ ٥٢٦.
(٤) الحاوي للماوردي ١٥ ١٠٣.
١٠ - وَهُنَاكَ حَالاَتٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ، وَيَجْعَلُونَ الْغُلاَمَ فِيهَا تَحْتَ الْكَفَالَةِ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا، مِنْهَا:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْغُلاَمُ مَأْمُونًا عَلَى نَفْسِهِ فَلأَِبِيهِ ضَمُّهُ لِدَفْعِ فِتْنَةٍ أَوْ عَارٍ وَتَأْدِيبُهُ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ.
قَال الزَّيْلَعِيُّ: الْغُلاَمُ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا فَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا مَخُوفًا عَلَيْهِ. (١)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ لِلأَْبِ أَنْ يَضُمَّ إِلَى نَفْسِهِ ابْنَهُ الْبَالِغَ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ سَفَهًا. (٢)
وَنَقَل صَاحِبُ الْعُدَّةِ الشَّافِعِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ أَنَّ الْغُلاَمَ الْبَالِغَ الرَّشِيدَ إِنْ كَانَ أَمَرَدَ أَوْ خِيفَ مِنَ انْفِرَادِهِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ مُفَارَقَةِ الأَْبَوَيْنِ. (٣)
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى مِثْل ذَلِكَ. (٤)
ثَالِثًا: وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ
١١ - الأَْصْل أَنَّ وِلاَيَةَ التَّزْوِيجِ هِيَ وِلاَيَةُ نَظَرٍ. (٥) وَثُبُوتُ وِلاَيَةِ النَّظَرِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ النَّظَرِ أَمْرٌ مَعْقُولٌ مَشْرُوعٌ، لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الإِْعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ، وَمِنْ بَابِ الإِْحْسَانِ، وَمِنْ بَابِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ ٦٤١.
(٢) الذخيرة ٤ ٢٢٢.
(٣) مغني المحتاج ٣ ٤٥٩.
(٤) مطالب أولي النهى ٥ ٦٧١.
(٥) بدائع الصنائع ٢ ٢٣٧.
إِعَانَةِ الضَّعِيفِ وَإِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ، وَكُل ذَلِكَ حَسَنٌ عَقْلًا وَشَرْعًا. (١)
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي أَنْوَاعِ وِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ، وَسَبَبِ ثُبُوتِ كُل نَوْعٍ، وَشَرْطِ ثُبُوتِ كُل نَوْعٍ، يُنْظَرُ فِي (نِكَاح ف ٦٦ وَمَا بَعْدَهَا وِلاَيَة) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ ١٥٢.
وَلَدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَلَدُ فِي اللُّغَةِ: بِفَتْحَتَيْنِ: الْمَوْلُودُ. يُقَال لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَوْلاَدٍ وَوِلْدَةٍ وَإِلْدَةٍ وَؤُلْدٍ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِبْنُ:
٢ - عَرَّفَ الْجُرْجَانِيُّ الاِبْنَ بِأَنَّهُ: حَيَوَانٌ ذَكَرٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ نُطْفَةِ شَخْصٍ آخَرَ مِنْ نَوْعِهِ.
وَقَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: وَسُمِّيَ ابْنًا لِكَوْنِهِ بِنَاءً لِلأَْبِ، فَإِنَّ الأَْبَ هُوَ الَّذِي بَنَاهُ وَجَعَلَهُ اللَّهُ بَنَّاءَ فِي إِيجَادِهِ، وَيُقَال لِكُل مَا يَحْصُل مِنْ جِهَةِ شَيْءٍ أَوْ مِنْ تَرْبِيَتِهِ أَوْ بِتَفَقُّدِهِ أَوْ كَثْرَةِ خِدْمَتِهِ لَهُ أَوْ قِيَامِهِ بِأَمْرِهِ هُوَ ابْنُهُ، نَحْوَ فُلاَنِ ابْنِ حَرْبٍ، وَابْنِ السَّبِيل
_________
(١) المصباح المنير، والمعجم الوجيز، وتاج العروس والمعجم الوسيط.
وَابْنِ اللَّيْل وَابْنِ الْعِلْمِ. (١)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الاِبْنِ وَالْوَلَدِ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، لأَِنَّ الاِبْنَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ، أَمَّا الْوَلَدُ فَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى.
ب - الْبِنْتُ:
٣ - الْبِنْتُ وَالاِبْنَةُ مُؤَنَّثُ ابْنٍ، (٢) وَأُرِيدَ بِهِ الْفُرُوعُ مِنَ الأُْنْثَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَْخِ وَبَنَاتُ الأُْخْتِ﴾) (٣) بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْوَلَدِ: أَنَّ الْبِنْتَ تُطْلَقُ عَلَى الأُْنْثَى، أَمَّا الْوَلَدُ فَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى.
ج - الْحَفِيدُ:
٤ - الْحَفِيدُ فِي اللُّغَةِ: يُطْلَقُ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَعَلَى الأَْعْوَانِ وَالْخَدَمِ وَالأَْخْتَانِ وَالأَْصْهَارِ. (٤)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْحَفِيدُ هُوَ: وَلَدُ الْوَلَدِ. (٥)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ الْحَفِيدِ هِيَ الْعُمُومُ
_________
(١) المفردات في غريب القرآن.
(٢) المصباح المنير، وقواعد الفقه للبركتي، والكليات للكفوي.
(٣) سورة النساء ٢٣.
(٤) لسان العرب، ومختار الصحاح.
(٥) مطالب أولي النهى ٤ ٣٦٢.
وَالْخُصُوصُ، فَكُل حَفِيدٍ وَلَدٌ، وَلَيْسَ كُل وَلَدٍ حَفِيدًا.
د - السِّبْطُ:
٥ - السِّبْطُ هُوَ: وَلَدُ الاِبْنِ وَالاِبْنَةِ، قَال الْعَسْكَرِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل السِّبْطُ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ السِّبْطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وَلَدِ الْبِنْتِ، وَأَمَّا وَلَدُ الاِبْنِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَفِيدِ عِنْدَهُمْ. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنَ الْحَفِيدِ وَالسِّبْطِ عَلَى وَلَدِ الاِبْنِ وَوَلَدِ الْبِنْتِ. (٣)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالسِّبْطِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ.
هـ - الذُّرِّيَّةُ:
٦ - الذُّرِّيَّةُ فِي اللُّغَةِ قِيل: نَسْل الثَّقَلَيْنِ، وَقِيل: هِيَ وَلَدُ الرَّجُل، وَقِيل: مِنْ أَسْمَاءِ الأَْضْدَادِ تَجِيءُ تَارَةً بِمَعْنَى الأَْبْنَاءِ (٤) قَال تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ: (﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾) (٥) وَتَجِيءُ تَارَةً
_________
(١) المعجم الوسيط، والقاموس، والفروق في اللغة لأبي هلال ص ٢٧٧.
(٢) القليوبي ٣ ٢٤٢.
(٣) الإنصاف ٧ ٨٣، ومطالب أولي النهى ٤ ٣٦٢.
(٤) الكليات ٢ ٣٦١، ومعجم متن اللغة.
(٥) سورة الصافات ٧٧.
بِمَعْنَى الآْبَاءِ وَالأَْجْدَادِ (١) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ . (٢)
وَقِيل: إِنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ، حَمَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بُطُونِ النِّسَاءِ تَشْبِيهًا بِالْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، قَالَهُ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. (٣)
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ: أَنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَبْنَاءِ الشَّخْصِ وَبَنَاتِهِ وَأَوْلاَدِهِمْ. وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَدْخُل أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ فِي الذُّرِّيَّةِ. (٤)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الذُّرِّيَّةِ وَالْوَلَدِ أَنَّ الذُّرِّيَّةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَلَدِ.
والنَّسْل:
٧ - النَّسْل: الْوَلَدُ، وَتَنَاسَلُوا: وَلَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ فِي الأَْصْل عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ مُطْلَقًا، نَسَل الشَّيْءُ نُسُولًا: انْفَصَل عَنْ غَيْرِهِ وَسَقَطَ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسْل وَالْوَلَدِ أَنَّ النَّسْل أَعَمُّ مِنَ
_________
(١) تفسير القرطبي ١٥ ٣٤.
(٢) سورة يس ٤٣.
(٣) تفسير القرطبي ١٥ ٣٤.
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ ٤٣٣، ومغني المحتاج ٢ ٣٨٨، والإنصاف ٧ ٧٩، والمغني ٥ ٦١٥، وحاشية الدسوقي ٤ ٩٢.
الْوَلَدِ. (١)
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَلَدِ:
تَنْقَسِمُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَلَدِ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِوَلَدِ الآْدَمِيِّ، وَأَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِوَلَدِ الْحَيَوَانِ.
أَوَّلًا: الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوَلَدِ الآْدَمِيِّ:
تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ فِي الدِّينِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ على أَنَّ الْوَلَدَ يَتَّبِعُ خَيْرَ الأَْبَوَيْنِ دِينًا. (٢)
فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُسْلِمًا، فَالْوَلَدُ عَلَى دِينِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ صَارَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا بِإِسْلاَمِهِ، لأَِنَّ فِي جَعْلِهِ تَبَعًا لَهُ نَظَرًا لَهُ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا، وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا، فَالْوَلَدُ كِتَابِيٌّ، لأَنَّ فِيهِ نَوْعَ نَظَرٍ لَهُ، إِذِ الْمَجُوسِيَّةُ شَرٌّ، (٣) كَمَا اشْتَرَطُوا لِتَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ لِخَيْرِ الأَْبَوَيْنِ دِينًا اتِّحَادَ الدَّارِ حَقِيقَةً أَوْ
_________
(١) المعجم الوجيز، والكليات للكفوي، ومختار الصحاح، وطلبة الطلبة للنسفي ص ٢٣١ " ط دار النفائس ".
(٢) الهداية وفتح القدير ٢ ٥٠٦، وابن عابدين ٢ ٣٩٤، ٣٩٥، والخرشي ٨ ٦٦، ومسائل الإمام أحمد لابن هانئ ١ ٢١٨، ٢١٩، ٢ ٩٩،١٠٠، ومواهب الجليل ٦ ٢٨٤،٢٨٥، وحاشية الشرقاوي على التحرير ٢ ٥٤٠،٥٤١.
(٣) الهداية وفتح القدير ٢ ٥٠٦.
حُكْمًا، بِأَنْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي دَارِنَا وَالأَْبُ فِي دَارِ الْكُفْرِ، بِخِلاَفِ الْعَكْسِ بِأَنْ كَانَ الأَْبُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالصَّغِيرُ فِي دَارِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ لاَ يَتْبَعُهُ. (١)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّة ف ٤٦، وَاخْتِلاَفُ الدِّينِ ف ٧ - ٨، وَتَبَعِيَّة ف ٣) .
رِدَّةُ الصَّبِيِّ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ رِدَّةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.
فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَقَوْلٌ لأَِحْمَدَ إِلَى أَنَّ رِدَّةَ الصَّبِيِّ لاَ تَصِحُّ. لأَِنَّ أَقْوَال الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَكَمٌ كَالطَّلاَقِ وَالإِْقْرَارِ وَالْعُقُودِ، وَلأَِنَّ الإِْسْلاَمَ فِيهِ نَفْعُهُ، وَالْكُفْرَ فِيهِ ضَرَرُهُ، وَيَجُوزُ تَصَرُّفُهُ النَّافِعُ دُونَ الضَّارِّ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ: يُحْكَمُ بِرِدَّةِ الصَّبِيِّ، لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَال الْعَقْل دُونَ الْبُلُوغِ بِدَلِيل أَنَّ مَنْ بَلَغَ غَيْرَ عَاقِلٍ لَمْ يَصِحَّ إِسْلاَمُهُ، وَالْعَقْل يُوجَدُ مِنَ الصَّغِيرِ كَمَا يُوجَدُ مِنَ الْكَبِيرِ، وَلأَِنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الإِْسْلاَمِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ مَعَ الإِْقْرَارِ، لأَِنَّ الإِْقْرَارَ طَائِعًا دَلِيل الاِعْتِقَادِ، وَالْحَقَائِقَ لاَ تُرَدُّ، وَإِذَا صَارَ مُسْلِمًا، فَإِذَا ارْتَدَّ
_________
(١) ابن عابدين ٢ ٣٩٤، ٣٩٥.
تَصِحُّ كَالْبَالِغِ، وَلأَِنَّ الإِْسْلاَمَ عَقْدٌ وَالرِّدَّةُ حَلُّهُ، وَكُل مَنْ مَلَكَ عَقْدًا مَلَكَ حَلَّهُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلأَِنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ الاِعْتِقَادُ تُصُوِّرَ مِنْهُ تَبْدِيلُهُ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ الاِعْتِرَافُ دَل عَلَى تَبْدِيل الاِعْتِقَادِ كَالْمُسْلِمِ. (١)
وَإِذَا ثَبَتَتْ رِدَّةُ الصَّبِيِّ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الرِّدَّةِ، فَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُوَرَّثُ، وَتَبِينُ امْرَأَتُهُ، وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ لَوْ مَاتَ مُرْتَدًا، وَيُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ لأَِنَّا لَمَّا حَكَمْنَا بِإِسْلاَمِهِ لاَ يُتْرَكُ عَلَى الْكُفْرِ كَالْبَالِغِ، وَلأَِنَّ بِالْجَبْرِ يَنْدَفِعُ عَنْهُ مَضَرَّةُ حِرْمَانِ الإِْرْثِ وَبَيْنُونَةِ الزَّوْجَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا لاَ يُقْتَل لأَِنَّ كُل مَنْ لاَ يُبَاحُ قَتْلُهُ بِالْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ لاَ يُبَاحُ بِالرِّدَّةِ، لأَِنَّ إِبَاحَةَ الْقَتْل بِنَاءً عَلَى أَهْلِيَّةِ الْحِرَابِ، وَلأَِنَّ الْقَتْل عُقُوبَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلأَِنَّ الْقَتْل لاَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْل الصَّبِيِّ كَالْقِصَاصِ، وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ لاَ يَعْقِل لاَ يَصِحُّ إِسْلاَمُهُ وَلاَ ارْتِدَادُهُ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ وَالْكُفْرَ يَتْبَعَانِ الْعَقْل.
وَوَرَدَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صَبِيٍّ أَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ كَبُرَ كَافِرًا وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ الإِْقْرَارُ بِالإِْسْلاَمِ بَعْدَمَا بَلَغَ قَال: لاَ يُقْتَل وَيُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَإِنَّمَا يُقْتَل مَنْ
_________
(١) المبسوط ١٠ ١٢٢، والاختيار ٤ ١٤٨، وابن عابدين ٤ ٢٥٧، والمغني ٨ ٥٥١، والإنصاف ١٠ ٣٢٩، وجواهر الإكليل ١ ٢١،١١٦، ومغني المحتاج ٤ ١٣٧.