الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
مَاتَ الثَّانِي أَيْضًا فَهِيَ لِلثَّالِثِ، فَإِنْ مَاتَ الإِْمَامُ وَبَقِيَ الثَّلاَثَةُ أَحْيَاءً وَانْتَصَبَ الأَْوَّل لِلْخِلاَفَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إِلَى غَيْرِ الأَْخِيرَيْنِ، لأَِنَّهَا لَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا.
أَمَّا إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَعْهَدْ إِلَى أَحَدٍ فَلَيْسَ لأَِهْل الْبَيْعَةِ أَنْ يُبَايِعُوا غَيْرَ الثَّانِي. وَيُقَدَّمُ عَهْدُ الإِْمَامِ الأَْوَّل عَلَى اخْتِيَارِهِمْ. (١) وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الاِسْتِخْلاَفِ مُوَافَقَةُ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ فِي حَيَاةِ الإِْمَامِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، بَل إِذَا ظَهَرَ لَهُ وَاحِدٌ جَازَ بَيْعَتُهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ غَيْرِهِ، وَلاَ مُشَارِكَةِ أَحَدٍ. وَإِنْ جَعَل الإِْمَامُ الأَْمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمْعٍ حَكَّمَهُ فَكَاسْتِخْلاَفٍ، وَلاَ يَضُرُّ كَوْنُ الْمُسْتَخْلَفِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَيَرْتَضُونَ أَحَدَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الإِْمَامِ فَيُعَيِّنُونَهُ لِلْخِلاَفَةِ. (٢) كَمَا جَعَل عُمَرُ ﵁ الأَْمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ: عَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَطَلْحَةَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ ﵃ جَمِيعًا. (٣) أَمَّا قَبْل مَوْتِ الإِْمَامِ فَلَيْسَ لأَِهْل الشُّورَى أَنْ
_________
(١) مغني المحتاج ٤ ١٣١، وشرح روض الطالب ٤ ١٠٩.
(٢) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧ ٣٩١.
(٣) أثر عمر: أخرجه البخاري في قصة مقتل عمر بن الخطاب ﵁ (فتح الباري ٧ ٥٩ - ٦٣) .
يُعَيِّنُوا وَلِيًّا لِلْعَهْدِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ. فَإِنْ خَافُوا تَفَرُّقَ الأَْمْرِ وَانْتِشَارَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَسْتَأْذِنُونَهُ، وَلَوِ امْتَنَعَ أَهْل الشُّورَى مِنَ الاِخْتِيَارِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ. (١)
الْوِصَايَةُ بِالْخِلاَفَةِ:
٥ - لِلإِْمَامِ أَنْ يُوصِيَ بِالْخِلاَفَةِ لِمَنْ رَآهُ صَالِحًا لَهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهُ الاِسْتِخْلاَفُ. لَكِنْ فِي حَالَةِ الْوِصَايَةِ يَكُونُ قَبُول الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي. وَقِيل: لاَ تَجُوزُ الْوِصَايَةُ بِهَا لأَِنَّهُ يَخْرُجُ بِالْمَوْتِ عَنِ الْوِلاَيَةِ، وَيَتَعَيَّنُ مَنِ اخْتَارَهُ لِلْخِلاَفَةِ بِالاِسْتِخْلاَفِ أَوِ الْوَصِيَّةِ مَعَ الْقَبُول فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُعَيِّنَ غَيْرَهُ. (٢)
اسْتِعْفَاءُ الْخَلِيفَةِ أَوِ الْمُوصَى لَهُ:
٦ - إِنِ اسْتَعْفَى الْمُسْتَخْلَفُ أَوِ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُول لَمْ يَنْعَزِل حَتَّى يُعْفَى وَيُوجَدَ غَيْرُهُ. فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ جَازَ اسْتِعْفَاؤُهُ وَإِعْفَاؤُهُ، وَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَإِلاَّ امْتَنَعَ وَبَقِيَ الْعَهْدُ لاَزِمًا. (٣)
_________
(١) أسنى المطالب ٤ ١٠٩، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٧ ٣٩١، ومغني المحتاج ٤ ١٣١.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) المراجع السابقة.
اسْتِخْلاَفُ الْغَائِبِ:
٧ - يَصِحُّ اسْتِخْلاَفُ غَائِبٍ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ وَيُسْتَقْدَمُ بَعْدَ مَوْتِ الإِْمَامِ، فَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ وَتَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِتَأَخُّرِ النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ عَقَدَ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ الْخِلاَفَةَ لِنَائِبٍ عَنْهُ، فَيُبَايِعُونَهُ بِالنِّيَابَةِ لاَ الْخِلاَفَةِ، وَيَنْعَزِل بِقُدُومِهِ. وَلِلإِْمَامِ تَبْدِيل وَلِيِّ عَهْدٍ غَيْرِهِ لأَِنَّ الْخِلاَفَةَ لَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ صَارَ أَمْلَكَ لَهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَبْدِيل وَلِيِّ عَهْدِهِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بِلاَ سَبَبٍ لأَِنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا لَهُ، بَل لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ نَقْل الْخِلاَفَةِ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَلَيْسَ لَهُ عَزْل نَفْسِهِ اسْتِقْلاَلًا، وَإِنَّمَا يَنْعَزِل بِالتَّرَاضِي مِنْهُ وَمِنَ الإِْمَامِ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَإِنْ تَعَيَّنَ فَلاَ يَنْعَزِل بِذَلِكَ. (١)
_________
(١) شرح روض الطالب ٤ ١٠٩ - ١١٠.
الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال
التَّعْرِيفُ:
١ - سَبَقَ تَعْرِيفُ الْوِلاَيَةِ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ، فِي مُصْطَلَحِ (الْوِلاَيَةِ) .
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الْمَال عِنْدَهُمْ هِيَ: قُدْرَةُ الشَّخْصِ شَرْعًا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ أَوْ مَال الْغَيْرِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ:
٢ - الْمُرَادُ بِالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: قُدْرَةُ الشَّخْصِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الشُّئُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَخْصِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَنَفْسِهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال وَالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ أَنَّ كِلْتَيْهِمَا تَشْتَرِكَانِ فِي تَنْفِيذِ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ.
سَبَبُ الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال:
٣ - يَقُول الْكَاسَانِيُّ: سَبَبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ ٣٢١.
الْوِلاَيَةِ فِي التَّحْقِيقِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: الأُْبُوَّةُ، وَالثَّانِي: الْقَضَاءُ، لأَِنَّ الْجَدَّ مِنْ قِبَل الأَْبِ أَبٌ لَكِنْ بِوَاسِطَةٍ، وَوَصِيُّ الأَْبِ وَالْجَدِّ اسْتَفَادَ الْوِلاَيَةَ مِنْهُمَا فَكَانَ ذَلِكَ وِلاَيَةَ الأُْبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَوَصِيُّ الْقَاضِي يَسْتَفِيدُ الْوِلاَيَةَ مِنَ الْقَاضِي فَكَانَ ذَلِكَ وِلاَيَةَ الْقَضَاءِ. (١)
وَلِلتَّفْصِيل فِي مَنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْوِلاَيَةِ، وَتَرْتِيبِ الأَْوْلِيَاءِ، وَتَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْضُوعِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (وِلاَيَة، وَوِصَايَة، وَإِيصَاء ف ٩ ١٦، وَنِيَابَة)
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ ١٥٢.
وِلاَيَةٌ عَلَى النَّفْسِ
التَّعْرِيفُ:
١ - سَبَقَ تَعْرِيفُ الْوِلاَيَةِ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ.
(ر: وِلاَيَة ف ١) أَمَّا الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ فَيُرَادُ بِهَا سُلْطَةُ الإِْشْرَافِ عَلَى الشُّئُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَخْصِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَنَفْسِهِ. (١)
أَنْوَاعُ الْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ:
٢ - تَتَنَوَّعُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:
أ - وِلاَيَةُ الْحَضَانَةِ.
ب - الْكَفَالَةُ.
ج - وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ.
وَنَتَنَاوَل هَذِهِ الأَْنْوَاعَ الثَّلاَثَةَ فِيمَا يَلِي.
أَوَّلًا: وِلاَيَةُ الْحَضَانَةِ:
٣ - الْحَضَانَةُ فِي الشَّرْعِ: هِيَ حِفْظُ الْوَلَدِ فِي
_________
(١) التعريفات للجرجاني، القواعد للبركتي، مغني المحتاج ٣ ٤٥٢.
مَبِيتِهِ وَذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَلِبَاسِهِ وَتَنْظِيفِ جِسْمِهِ وَمَوْضِعِهِ. (١)
وَالْحَضَانَةُ وَاجِبَةٌ شَرْعًا، لأَِنَّ الْمَحْضُونَ قَدْ يَهْلِكُ أَوْ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنِ الْهَلاَكِ.
وَانْظُرْ تَفْصِيل جَمِيعِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَضَانَةِ فِي مُصْطَلَحِ (حَضَانَة ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا: وِلاَيَةُ الْكَفَالَةِ:
٤ - إِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ الْحَضَانَةِ بِاسْتِغْنَاءِ الصَّغِيرِ أَوِ الصَّغِيرَةِ عَنِ الْحَاضِنَةِ، فَإِنَّ مَرْحَلَةً أُخْرَى تَلِي مَرْحَلَةَ الْحَضَانَةِ، وَهَذِهِ الْمَرْحَلَةُ سَمَّاهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ " الْكَفَالَةَ ". قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الْحَضَانَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحِضْنِ فَإِنَّ الْحَاضِنَةَ تَرُدُّ إِلَيْهِ الْمَحْضُونَ، وَتَنْتَهِي فِي الصَّغِيرِ بِالتَّمْيِيزِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ إِلَى الْبُلُوغِ فَتُسَمَّى كَفَالَةً. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَال غَيْرُهُ تُسَمَّى " حَضَانَةً " أَيْضًا، وَقَال بَعْضُهُمْ: " وِلاَيَةَ الرِّجَال ". (٢)
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ ٥٢٦، المهذب للشيرازي ٢ ١٧٠ ط دار المعرفة، المغني ٧ ٦١٢، مطالب أولي النهى ٥ ٦٦٥.
(٢) مغني المحتاج ٣ ٤٥٢، وانظر نهاية المحتاج ٧ ٢١٤، حاشية العدوي على الخرشي ٤ ٢٠٧، الحاوي الكبير للماوردي ١٥ ١٠١، مطالب أولي النهى ٥ ٦٦٩، البدائع ٤ ٤٣.
٥ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بِدَايَةِ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ الْمَحْضُونُ سَبْعَ سِنِينَ عَاقِلًا خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ مِنْ أَهْل الْحَضَانَةِ، فَيَكُونُ مَعَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ سَبْعَ سِنِينَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ أُمِّهِ يَأْخُذُهُ الأَْبُ، عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ حَضَانَةَ النِّسَاءِ تَسْتَمِرُّ إِلَى بُلُوغِ الذَّكَرِ، أَمَّا الأُْنْثَى فَتَسْتَمِرُّ حَضَانَتُهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَيَدْخُل عَلَيْهَا زَوْجُهَا.
وَالتَّفْصِيل فِي (حَضَانَة ف ٩، ١٠، ١٤، ١٩) .
شُرُوطُ ثُبُوتِ وِلاَيَةِ الْكَفَالَةِ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الْحَضَانَةِ لِلرِّجَال مَا يَلِي:
أ - الْعُصُوبَةُ:
يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الْحَضَانَةِ لِلرِّجَال الْعُصُوبَةُ، فَلاَ تَثْبُتُ إِلاَّ لِلْعُصْبَةِ مِنَ الرِّجَال، وَيَتَقَدَّمُ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ: الأَْبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلاَ، ثُمَّ الأَْخُ لأَِبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ الأَْخُ لأَِبٍ، ثُمَّ ابْنُ الأَْخِ لأَِبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ ابْنُ الأَْخِ لأَِبٍ، ثُمَّ الْعَمُّ لأَِبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ الْعَمُّ لأَِبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لأَِبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لأَِبٍ إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ غُلاَمًا، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَلاَ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنْهَا، لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا فَلاَ
يُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَإِنَّهُ عَصَبَةٌ وَأَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، ثُمَّ عَمُّ الأَْبِ لأَِبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ عَمُّ الأَْبِ لأَِبٍ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ لأَِبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ لأَِبٍ.
وَلَوْ كَانَ لَهَا ثَلاَثَةُ أُخُوَةٍ كُلُّهُمْ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ كَانُوا كُلُّهُمْ لأَِبٍ وَأُمٍّ أَوْ لأَِبٍ أَوْ ثَلاَثَةِ أَعْمَامٍ كُلُّهُمْ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَفْضَلُهُمْ صَلاَحًا وَوَرَعًا أَوْلَى، فَإِنْ كَانُوا فِي ذَلِكَ سَوَاءً فَأَكْبُرُهُمْ سِنًّا أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَارِيَةِ مِنْ عَصَبَاتِهَا غَيْرَ ابْنِ الْعَمِّ اخْتَارَ لَهَا الْقَاضِيَ أَفْضَل الْمَوَاضِعِ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَيْهِ فَيُرَاعَى الأَْصْلَحُ، فَإِنْ رَآهُ أَصْلَحَ ضَمَّهَا إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَيَضَعُهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَمِينَةٍ.
وَكُل ذَكَرٍ مِنْ قِبَل النِّسَاءِ فَلاَ حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ مِثْل الأَْخِ لأُِمٍّ، وَالْخَال، وَأَبُو الأُْمِّ، لاِنْعِدَامِ الْعُصُوبَةِ.
وَقَال مُحَمَّدٌ إِنْ كَانَ لِلْجَارِيَةِ ابْنُ عَمٍّ وَخَالٍ وَكِلاَهُمَا لاَ بَأْسَ بِهِ فِي دِينِهِ جَعَلَهَا الْقَاضِي عِنْدَ الْخَال، لأَِنَّهُ مَحْرَمٌ وَابْنُ الْعَمِّ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ فَكَانَ الْمَحْرَمُ أَوْلَى، وَالأَْخُ مِنَ الأَْبِ أَحَقُّ مِنَ الْخَال لأَِنَّهُ عَصَبَةٌ وَهُوَ أَيْضًا أَقْرَبُ لأَِنَّهُ مِنْ أَوْلاَدِ الأَْبِ وَالْخَال مِنْ أَوْلاَدِ الْجَدِّ.
وَذَكَرَ الْحَسَنُ ابْنُ زِيَادٍ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُرَابَةٌ مِنْ قِبَل النِّسَاءِ فَالْعَمُّ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْخَال وَأَبِي
الأُْمِّ، لأَِنَّهُ عَصَبَتُهُ، وَالأَْخُ لأَِبٍ أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الأَْخِ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ أَشْفَقُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الأُْمَّ أَوْلَى مِنَ الْخَال وَالأَْخِ لأُِمٍّ، لأَِنَّ لَهَا أَوْلاَدًا وَهِيَ أَشْفَقُ مِمَّنْ لاَ وِلاَدَ لَهُ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ.
ب - الأَْمَانَةُ:
٧ - إِذَا كَانَ الصَّغِيرُ جَارِيَةً يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ عَصَبَتُهَا مِمَّنْ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لاَ يُؤْتَمَنُ لِفِسْقِهِ وَلِخِيَانَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، لأَِنَّ فِي كَفَالَتِهِ لَهَا ضَرَرًا عَلَيْهَا، وَهَذِهِ وِلاَيَةُ نَظَرٍ، فَلاَ تَثْبُتُ مَعَ الضَّرَرِ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الأُْخُوَّةُ وَالأَْعْمَامُ غَيْرَ مَأْمُونِينَ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا لاَ تُسَلَّمُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْظُرُ الْقَاضِي امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثِقَةً عَدْلَةً أَمِينَةً فَيُسَلِّمُهَا إِلَيْهَا إِلَى أَنْ تَبْلُغَ فَتُتْرُكُ حَيْثُ شَاءَتْ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا.
ج - اتِّحَادُ الدِّينِ:
٨ - يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الدِّينِ بَيْنَ الْحَاضِنِ وَالْمَحْضُونِ، فَلاَ حَقَّ لِلْعَصَبَةِ فِي الصَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِهِ، كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ وَقَال: هَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيَاسُهُ، لأَِنَّ هَذَا الْحَقَّ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ لِلْعَصَبَةِ، وَاخْتِلاَفُ الدِّينِ يَمْنَعُ التَّعْصِيبَ، وَقَدْ قَالُوا فِي الأَْخَوَيْنِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالآْخَرُ يَهُودِيًّا وَالصَّبِيُّ يَهُودِيٌّ أَنَّ الْيَهُودِيَّ أَوْلَى بِهِ لأَِنَّهُ عَصَبَةٌ لاَ الْمُسْلِمُ. (١)
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ ٤٣.