الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
وَالْخَيْرِيَّةُ فِي الْعَقَارِ: فِي الشِّرَاءِ التَّضْعِيفُ، وَفِي الْبَيْعِ التَّنْصِيفُ، وَفِي غَيْرِ الْعَقَارِ أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ مِنَ الصَّغِيرِ، وَيَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَصِيِّ الْقَاضِي أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَال الْيَتِيمِ، وَلاَ أَنْ يَبِيعَ مَال نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ مُطْلَقًا. (١)
٦١ - أَمَّا أَكْل الْوَلِيِّ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ إِذَا عَمِل أُجْرَةَ مِثْل عَمَلِهِ إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا اسْتِحْسَانًا، وَإِلاَّ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾) (٢) أَمَّا إِذَا كَانَ فَقِيرًا فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾) (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَسْتَحِقُّ الْوَلِيُّ فِي مَال مَحْجُورِهِ نَفَقَةً وَلاَ أُجْرَةً، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَشُغِل
_________
(١) جامع أحكام الصغار ٢ ٢٦١،٢٦٢،٢٦٧،٣١١، والبدائع٥ ١٣٦.
(٢) سورة النساء ٦.
(٣) سورة النساء ٦.
بِسَبَبِهِ عَنِ الاِكْتِسَابِ أَخَذَ أَقَل الأَْمْرَيْنِ مِنَ الأُْجْرَةِ وَالنَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى (﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾) (١) .
وَلأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَال مَنْ لاَ تُمْكِنُ مُوَافَقَتُهُ، فَجَازَ لَهُ الأَْخْذُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَعَامِل الصَّدَقَاتِ. وَكَالأَْكْل غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُؤَنِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ، أَمَّا هُوَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ وِلاَيَتِهِ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ الأَْكْل لِحَاجَةٍ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ: الأَْقَل مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ كِفَايَتُهُ، أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِذَا فَرَضَ الْحَاكِمُ لَهُ شَيْئًا. أَمَّا الْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ فَلاَ يَأْكُلاَنِ شَيْئًا مِنْهُ لاِسْتِغْنَائِهِمَا بِمَا لَهُمَا فِي بَيْتِ الْمَال.
وَمَنَعَ الْجَصَّاصُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْوَلِيَّ مِنَ الأَْكْل مِنْ مَال الْيَتِيمِ مَطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾) (٢) وَحَمَل الأَْكْل بِالْمَعْرُوفِ الْوَارِدَ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فِي الآْيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى أَكْلِهِ مِنْ مَال نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ لِئَلاَّ يَحْتَاجَ إِلَى مَال الْيَتِيمِ.
_________
(١) سورة النساء ٦.
(٢) سورة النساء ٩.
(١)
٦٢ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْمُجِيزُونَ لِلْوَلِيِّ الْفَقِيرِ الأَْكْل مِنْ مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ هَل يَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَل مَا أَكَل عِنْدَ يَسَارِهِ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، لأَِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ بَدَلِهِ مُطْلَقًا، كَالأَْجِيرِ وَالْمُضَارِبِ وَكَالرِّزْقِ الَّذِي يَأْكُلُهُ الإِْمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
وَقَال أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ: يَضْمَنُ عِوَضَهُ فِي ذِمَّتِهِ، لأَِنَّهُ مَالٌ لِغَيْرِهِ أُجِيزَ لَهُ أَكْلُهُ لِلْحَاجَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مَال غَيْرِهِ فِي مَخْمَصَةٍ. (٢)
٦٣ - وَهَل يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ قَضَاءُ دَيْنِهِ بِمَال الْمَحْجُورِ؟ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَضَى الْوَصِيُّ دَيْنَ نَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ لاَ يَجُوزُ، وَالأَْبُ لَوْ فَعَل ذَلِكَ جَازَ، لأَنَّ الأَْبَ لَوْ بَاعَ مَال الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ جَازَ، وَالْوَصِيُّ لاَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ مِنْ نَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ
_________
(١) المهذب ١ ٣٣٧، ومغني المحتاج ٢ ١٧٦، ونهاية المحتاج ٤ ٧٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١ ٣٢٥، ٣٢٦، وأحكام القرآن للجصاص ٢ ٣٦١، وم (١٤٨٦) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، والاختيار ٥ ٦٩ - ٧٠، ورد المحتار مع حاشية ابن عابدين ٥ ٤٥٥ - ٤٥٦.
(٢) المراجع السابقة.
يَكُونَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ. (١)
٦٤ - وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَى الْوَلِيِّ الإِْنْفَاقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مُوَلِّيهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾) (٢) .
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: فَإِنْ قَتَّرَ أَثِمَ، وَإِنْ أَسْرَفَ أَثِمَ وَضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ. (٣)
تَنْمِيَةُ الْوَلِيِّ مَال الْيَتِيم
٦٥ - تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ لِحُكْمِ تَثْمِيرِ مَال الْيَتِيمِ وَتَنْمِيَتِهِ مِنْ قِبَل الْوَلِيِّ عَلَى مَالِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ وَيُنَمِّيَهُ لَهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ أَصْلُحُ لِلْيَتِيمِ، إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي إِبْقَاءِ أَمْوَالِهِ بِدُونِ اسْتِثْمَارٍ، أَمَّا أَنْ يَتَسَلَّفَهَا وَيَتَّجِرَ فِيهَا لِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ أَنَّهَا
_________
(١) جامع أحكام الصغار ٢ ٢٧٤، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ٣ ٥٢١.
(٢) سورة الفرقان ٦٧.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٢، والمهذب ١ ٣٣٧، وجامع أحكام الصغار ٤ ١٤٧، وم (١٤٨٤) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وكشاف القناع ٣ ٤٣٥، ومغني المحتاج ٢ ١٧٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١ ٣٢٤، وتفسير القرطبي ٥ ٤٠.
مُقَيَّدَةٌ بِمَصْلَحَتِهِ، وَعَلَى مِحْوَرِ هَذَا الأَْصْل تَدُورُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ.
قَال مَالِكٌ: لاَ بَأْسَ بِالتِّجَارَةِ فِي أَمْوَال الْيَتَامَى لَهُمْ، إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مَأْذُونًا، فَلاَ أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا. (١) وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: ابْتَغَوْا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى، لاَ تَأْكُلْهَا الصَّدَقَةُ. (٢)
قَال الْبَاجِيُّ: فَهَذَا إِذْنٌ مِنْهُ فِي إِدَارَتِهَا وَتَنْمِيَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاظِرَ لِلْيَتِيمِ إِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الأَْبِ لَهُ، فَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ يُنَمِّيَ مَالَهُ وَيُثْمِرَهُ لَهُ، وَلاَ يُثْمِرَهُ لِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ لاَ يَنْظُرُ لِلْيَتِيمِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَل فِيهِ لِلْيَتِيمِ، وَإِلاَّ فَلْيَدْفَعْهُ إِلَى ثِقَةٍ يَعْمَل فِيهِ. (٣)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: كَمَا أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ لِغَيْرِهِ مُضَارَبَةً، وَلَهُ أَنْ يَعْمَل بِهِ مُضَارَبَةً أَيْضًا بِحِصَّةٍ شَائِعَةٍ مِنَ الرِّبْحِ. فَإِنْ جَعَل مَالَهُ مُضَارَبَةً عِنْدَ نَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الاِبْتِدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ يَحِل
_________
(١) الموطأ ١ ٢٥١، والمنتقى للباجي ٢ ١١١، وجامع أحكام الصغار ٢ ٣٠٥،٣، ٩٥ـ٩٧، وشرح المنتهى ٢ ٢٩٢.
(٢) أثر عمر: " ابتغوا في. . . " رواه البيهقي، والسنن الكبرى (٤ ١٠٧ - ط - ط دائرة العثمانية)، وصحح إسناده.
(٣) المنتقى ٢ ١١٠.
لَهُ الرِّبْحُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُصَدِّقُهُ فِي ذَلِكَ. وَكَذَا إِذَا شَارَكَهُ وَرَأْسُ مَالِهِ أَقَل مِنْ مَال الصَّغِيرِ، فَإِنْ أَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ يَحُل لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُصَدِّقُهُ، وَيَجْعَل الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا الاِتِّجَارُ بِمَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (٢)، وَلأَِنَّهُ أَحَظُّ لَهُ، وَيَكُونُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ رِبْحُهُ كُلُّهُ، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ إِلاَّ بِعَقْدٍ. وَلاَ يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ. غَيْرَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ دَفْعَ مَالِهِ إِلَى أَمِينٍ يَتَّجِرُ بِهِ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا " كَانَتْ تُعْطِي أَمْوَال الْيَتَامَى الَّذِينَ فِي حِجْرِهَا مَنْ يَتَّجِرُ لَهُمْ فِيهَا "، (٣) وَلِنِيَابَةِ الْوَلِيِّ عَنْ مَحْجُورِهِ فِي كُل مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَهَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِبْقَاءِ مَالِهِ، وَحِينَئِذٍ
_________
(١) المبسوط للسرخسي ٢٢ ١٨، ١٨٦، ١٨٧، وأحكام القرآن للجصاص ٢ ١٣، ٣٦٢، وجامع أحكام الصغار ٣ ٩٦ - ٩٨، وحاشية ابن عابدين ٥ ٤٥٥.
(٢) حديث: " ألا من ولي يتيما له مال. . . . " أخرجه الترمذي (٣ ٢٤ - ط الحلبي) ثم قال: في إسناده مقال. ثم ذكر تضعيف أحد رواته.
(٣) أثر عائشة في الاتجار بأموال اليتامى رواه مالك في الموطأ ١ ٢٥١ بلاغًا.
فَلِلْعَامِل مَا شُورِطَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّبْحِ. (١)
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَال الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً لِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِذَلِكَ لِغَيْرِهِ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُهُ. (٢)
الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَنْمِيَةُ مَال الصَّبِيِّ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا إِنْ أَمْكَنَ، وَلاَ تَلْزَمُهُ الْمُبَالَغَةُ. (٣)
الْقَوْل الثَّالِثُ لِلْجَصَّاصِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ: وَهُوَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَاسْتَدَل الْجَصَّاصُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ . (٤) قَال ﵀: فَدَل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِالتِّجَارَةِ، لأَِنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُل عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ النَّدْبُ وَالإِْرْشَادُ.
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَيُسْتَحَبُّ التِّجَارَةُ بِمَال الْيَتِيمِ لِقَوْل عُمَرَ وَغَيْرِهِ " اتَّجِرُوا بِأَمْوَال الْيَتَامَى، كَيْلاَ تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ " (٥)
_________
(١) كشاف القناع ٣ ٤٣٧، والمبدع ٤ ٣٣٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٢.
(٢) المبدع ٤ ٣٣٨.
(٣) فتاوى العز بن عبد السلام ص ١٢٢.
(٤) سورة البقرة ٢٢٠.
(٥) أحكام القرآن للجصاص ٢ ١٣، ١٤، وفتاوى السبكي ١ ٣٢٦، ومعيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي ص ٦٤، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ١٣٨.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ
٦٦ الولاية عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: سُلْطَةٌ عَلَى شُؤُونِ الْقَاصِرِ وَنَحْوِهِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِشَخْصِهِ وَنَفْسِهِ، كَالتَّزْوِيجِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّطْبِيبِ وَالتَّشْغِيل وَنَحْوِ ذَلِكَ، تَقْتَضِي تَنْفِيذَ الْقَوْل عَلَيْهِ شَاءَ أَمْ أَبَى. (١)
وَعَلَى ذَلِكَ قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ أَسْبَابَ الْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ ثَلاَثَةٌ: الصِّغَرُ، وَالْجُنُونُ وَيَلْحَقُ بِهِ الْعَتَهُ وَالأُْنُوثَةُ.
السَّبَبُ الأَْوَّل الصِّغَرُ:
مِحْوَرُ الْوِلاَيَةِ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ يَدُورُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْقِيَامُ عَلَى شُؤُونِهِ بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّطْبِيبِ وَالتَّشْغِيل وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثَانِيهُمَا: وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ.
الأَْمْرُ الأَْوَّل: وِلاَيَةُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّأْدِيبِ
٦٧ - إِنَّ مَنْشَأَ الْوِلاَيَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الصِّغَارِ وَتَأْدِيبِهِمْ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا مَسْؤُولِيَّةُ الأَْبَوَيْنِ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِمْ وَرِعَايَةِ حَالِهِمْ
_________
(١) التعريفات للجرجالي ١٣٢، والتوقيف للمناوي ص ٧٣٤، وأنيس الفقهاء للقونوي ١٤٨.
فِي شُؤُونِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، (١) وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (٢) . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: أَلاَّ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. . . وَالرَّجُل رَاعٍ عَلَى أَهْل بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ. (٣)
قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ عَلَى الأَْبِ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ وَتَعْلِيمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَظَائِفِ الدِّينِ، وَهَذَا التَّعْلِيمُ وَاجِبٌ عَلَى الأَْبِ وَسَائِرِ الأَْوْلِيَاءِ قَبْل بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ. (٤)
فَالطِّفْل كَمَا قَال الْغَزَالِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُل نَقْشٍ وَصُورَةٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُل نَقْشٍ، وَقَابِلٌ لِكُل مَا يُمَال بِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ، وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، يُشَارِكُهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُل مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِل إِهْمَال الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الْوِزْرُ فِي رَقَبَةِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ وَالْوَالِي لَهُ. (٥)
_________
(١) سورة التحريم ٦.
(٢) حديث: " إن لولدك عليك حقا " أخرجه مسلم (٢ ٨١٤ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " ألا كلكم راع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ ١١١ - ط السلفية) وسلم (٣ ١٤٥٩ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٨ ٤٤.
(٥) إحياء علوم الدين ٣ ٦٢، وانظر المدخل لابن الحاج ٤ ٢٩٥.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا نَحَل وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَل مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ، (١) وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵁: أَدِّبِ ابْنَكَ فَإِنَّكَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ: مَاذَا أَدَّبْتَهُ، وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ. (٢) بَل ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَسْأَل الْوَالِدَ عَنْ وَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْل أَنْ يَسْأَل الْوَلَدَ عَنْ وَالِدِهِ. (٣)
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ وَالاِعْتِبَارِ أَنَّهُ مَا أَفْسَدَ الأَْبْنَاءَ مِثْل إِهْمَال الآْبَاءِ فِي تَأْدِيبِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يُصْلِحُ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتَهُمْ، وَتَفْرِيطِهِمْ فِي حَمْلِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَزَجْرِهِمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى شَهَوَاتِهِمْ، يَحْسَبُ الْوَالِدُ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ بِذَلِكَ وَقَدْ أَهَانَهُ، وَأَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَقَدْ ظَلَمَهُ وَحَرَمَهُ، فَفَاتَهُ انْتِفَاعُهُ بِوَلَدِهِ، وَفَوَّتَ عَلَيْهِ حَظَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. (٤)
وَقَدْ أَكَّدَ ثُبُوتَ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا
_________
(١) حديث: " ما نحل والد ولدًا من نحل. . . " أخرجه الترمذي (٤ ٣٣٨ - ط الحلبي)، وقال: هذا حديث غريب، وهذا عندي حديث مرسل.
(٢) تحفة المودود لابن القيم ص ١٣٧.
(٣) تحفة المودود ص ١٣٩.
(٤) تحفة المودود ص ١٤٧.