الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

الْقَاضِي، وَالْوَكِيل الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنْ مُوَكِّلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

مَنْ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلاَيَةُ؟

٥٣ - تَثْبُتُ الْوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ شَرْعًا فِي غَيْرِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ وَالسَّفِيهُ وَذُو الْغَفْلَةِ، وَتَسْتَمِرُّ مَا دَامَ الْوَصْفُ الْمُوجِبُ لَهَا قَائِمًا، فَإِنْ زَال انْقَطَعَتْ.

وَلِلتَّفْصِيل (ر: حَجَرَ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا.

فَأَمَّا الصَّغِيرُ: فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. فَإِذَا مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَهُوَ يَتِيمٌ أَيْضًا، وَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ زَال عَنْهُ وَصْفُ الصِّغَرِ وَالْيُتْمِ مَعًا.

وَالصَّغِيرُ نَوْعَانِ: مُمَيِّزٌ، وَغَيْرُ مُمَيِّزٍ.

فَالْمُمَيِّزُ هُوَ الَّذِي يَعْقِل مَعْنَى الْعَقْدِ وَيَقْصِدُهُ، وَيَسْتَطِيعُ إِلَى حَدٍّ مَا أَنْ يَعْرِفَ الضَّارَّ مِنَ النَّافِعِ، وَالْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ.

وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَصِل إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ الَّذِي يُدْرِكُ فِيهِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. (ر: تَمْيِيز ف ١، صِغَر ف ١، ٦، ١٩، ٢٢، حَجْر ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا

وَأَمَّا الْمَجْنُونُ: فَهُوَ مَنْ زَال عَقْلُهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال عَلَى نَهْجِهِ إِلاَّ نَادِرًا.

فَإِنِ اسْتَوْعَبَ جُنُونُهُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ فَهُوَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُطْبِقًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، لاِنْعِدَامِ صَلاَحِيَتِهِ لِلأَْدَاءِ، فَهُوَ كَالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ. وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ تَارَةً وَيُفِيقُ أُخْرَى فَهُوَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُتَقَطِّعًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ حَال جُنُونِهِ بَاطِلَةٌ، وَحَال إِفَاقَتِهِ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ.

(ر: جُنُون ف ١، و٧، وَحَجْر ف ٩

وَأَمَّا الْمَعْتُوهُ: فَهُوَ مَنْ كَانَ قَلِيل الْفَهْمِ، مُخْتَلِطَ الْكَلاَمِ، فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، لَكِنَّهُ لاَ يَضْرِبُ وَلاَ يَشْتُمُ كَمَا يَفْعَل الْمَجْنُونُ. وَقَدْ يَكُونُ بِحَالَةٍ لاَ يَعْقِل فِيهَا أَلْفَاظَ التَّصَرُّفَاتِ وَآثَارَهَا، فَيَكُونُ كَالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، أَوْ يَكُونُ بِحَالَةٍ يَعْقِل فِيهَا أَلْفَاظَ التَّصَرُّفَاتِ وَآثَارَهَا، فَيَكُونُ كَالصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ.

(ر: عَتَه ف ٥، وَحَجْر ف ١٠

وَأَمَّا السَّفِيهُ: فَهُوَ مَنْ يُسْرِفُ فِي إِنْفَاقِ مَالِهِ، وَيُضَيِّعُهُ عَلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْل أَوِ الشَّرْعِ فِيمَا لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ، وَبَاعِثُهُ خِفَّةٌ تَعْتَرِي الإِْنْسَانَ مِنَ الْفَرَحِ وَالْغَضَبِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَى الإِْنْفَاقِ مِنْ غَيْرِ مُلاَحَظَةِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالدِّينِيِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.

(ر: سَفَه ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا، وَحَجْر ف ١١، ١٤

وَأَمَّا ذُو الْغَفْلَةِ: فَهُوَ مَنْ لاَ يَهْتَدِي إِلَى التَّصَرُّفَاتِ الْمُوَفَّقَةِ أَوِ الرَّابِحَةِ، فَيَغِبْنُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِسَلاَمَةِ قَلْبِهِ، فَهُوَ لاَ يَتَّبِعُ هَوَاهُ، وَلاَ يَقْصِدُ الْفَسَادَ كَالسَّفِيهِ. وَحُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ حُكْمُ السَّفِيهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ ٩٤٦ مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: وَالَّذِينَ لاَ يَزَالُونَ يَغْفُلُونَ فِي أَخْذِهِمْ وَعَطَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ تِجَارَتِهِمْ وَتَمَتُّعِهِمْ بِحَسَبِ بَلاَهَتِهِمْ وَخُلُوِّ قُلُوبِهِمْ يُعَدُّونَ مِنَ السُّفَهَاءِ.

(ر. غَفْلَة ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا، وَحَجْر ف ١٥.

مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ:

٥٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَوْلَى الأَْوْلِيَاءِ الأَْبُ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، ثُمَّ وَصِيُّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، ثُمَّ وَصِيُّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ الْقَاضِي، ثُمَّ مَنْ نَصَّبَهُ الْقَاضِي وَهُوَ وَصِيُّ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْوِلاَيَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الصِّغَارِ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لَهُمْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالنَّظَرِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَشَفَقَةُ الأَْبِ فَوْقَ شَفَقَةِ الْكُل، وَشَفَقَةُ وَصِيِّهِ فَوْقَ شَفَقَةِ الْجَدِّ، لأَِنَّهُ مَرْضِيُّ الأَْبِ وَمُخْتَارُهُ فَكَانَ خَلَفَ الأَْبِ فِي الشَّفَقَةِ، وَخَلَفُ الشَّيْءِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، كَأَنَّهُ هُوَ وَشَفَقَةُ

الْجَدِّ فَوْقَ شَفَقَةِ الْقَاضِي، لأَِنَّ شَفَقَتَهُ تَنْشَأُ عَنِ الْقَرَابَةِ وَالْقَاضِي أَجْنَبِيٌّ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ شَفَقَةَ الْقَرِيبِ عَلَى قَرِيبِهِ فَوْقَ شَفَقَةِ الأَْجْنَبِيِّ، وَكَذَا شَفَقَةُ وَصِّيهِ لأَِنَّهُ مَرْضِيُّ الْجَدِّ وَخَلَفُهُ، فَكَانَ شَفَقَتُهُ مِثْل شَفَقَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مَا جُعِل لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَتِ الْوِلاَيَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ضَرُورَةً، لأَِنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ الْعِلَّةِ.

وَلَيْسَ لِمَنْ سِوَى هَؤُلاَءِ مِنَ الأُْمِّ وَالأَْخِ وَالْعَمِّ وَغَيْرِهِمْ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ، لأَِنَّ الأَْخَ وَالْعَمَّ قَاصِرَا الشَّفَقَةِ، وَفِي التَّصَرُّفَاتِ تَجْرِي جِنَايَاتٌ لاَ يَهْتَمُّ لَهَا إِلاَّ ذُو الشَّفَقَةِ الْوَافِرَةِ، وَالأُْمُّ وَإِنْ كَانَتْ لَهَا وُفُورُ الشَّفَقَةِ لَكِنْ لَيْسَ لَهَا كَمَال الرَّأْيِ لِقُصُورِ عَقْل النِّسَاءِ عَادَةً فَلاَ تَثْبُتُ لَهُنَّ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال، وَلاَ لِوَصِيِّهِنَّ لأَِنَّ الْوَصِيَّ خَلَفَ الْمُوصِي قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَلاَ يَثْبُتُ لَهُ إِلاَّ قَدْرُ مَا كَانَ لِلْمُوصِي، وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَالْحِفْظُ لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ هَؤُلاَءِ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ لِلأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ ثُمَّ وَصِيِّ الْوَصِيِّ وَإِنْ بَعُدَ، ثُمَّ لِلْحَاكِمِ أَوْ وَصِيَّهِ، وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْجَدِّ وَلاَ لِلأَْخِ وَلاَ لِلْعَمِّ إِلاَّ بِإِيصَاءٍ مِنَ الأَْبِ. (٢)

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ ١٥٥.

(٢) المنتقى للباجي ٦ ١٠٦،١٠٧، والشرح الصغير ٢ ٣٨٩ - ٣٩١.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْوِلاَيَةُ لِلأَْبِ ثُمَّ لِلْجَدِّ، ثُمَّ لِمَنْ يُوصِي إِلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، ثُمَّ لِلْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ لِخَبَرِ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ، (١) وَلاَ تَلِي الأُْمُّ فِي الأَْصَحِّ كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ تَلِي بَعْدَ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَتُقَدَّمُ عَلَى وَصِّيهِمَا لِكَمَال شَفَقَتِهَا، وَلاَ وِلاَيَةَ لِسَائِرِ الْعَصَبَاتِ كَالأَْخِ وَالْعَمِّ.

وَإِذَا فُقِدَ الأَْوْلِيَاءُ تَصَرَّفَ صُلَحَاءُ بَلَدِ الْمَحْجُورِ فِي مَالِهِ كَالْقَاضِي (٢) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَالْوِلاَيَةُ تَكُونُ لِلأَْبِ لِكَمَال شَفَقَتِهِ، ثُمَّ لُوَصِيِّهِ لأَِنَّهُ نَائِبُ الأَْبِ، أَشْبَهَ وَكِيلَهُ فِي الْحَيَاةِ، ثُمَّ بَعْدَ الأَْبِ وَوَصِيِّهِ فَالْوِلاَيَةُ لِلْحَاكِمِ لاِنْقِطَاعِ الْوِلاَيَةِ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ، فَتَكُونُ لِلْحَاكِمِ كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ، فَإِنْ عُدِمَ حَاكِمٌ أَهْلٌ فَأَمِينٌ يَقُومُ مَقَامَ الْحَاكِمِ. وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْجَدِّ وَالأُْمِّ وَبَاقِي الْعَصَبَاتِ. (٣)

مَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَمَا لاَ يَجُوزُ:

٥٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ

_________

(١) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له " تقدم تخريجه فقرة (٤٤) .

(٢) مغني المحتاج ٢ ١٧٣، وتحفة المحتاج ٥ ١٧٩، وكفاية الأخيار ١ ١٦٦.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩١، وكشاف القناع ٣ ٣٣٤.

لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَال الْمَحْجُورِ إِلاَّ عَلَى النَّظَرِ وَالاِحْتِيَاطِ، وَبِمَا فِيهِ حَظٌّ لَهُ وَاغْتِبَاطٌ (١) لِحَدِيثِ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. (٢)

وَقَدْ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ:

٥٦ - إِنَّ مَا لاَ حَظَّ لِلْمَحْجُورِ فِيهِ كَالْهِبَةِ بِغَيْرِ الْعِوَضِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ فِي الْمُعَاوَضَةِ لاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا تَبَرَّعَ بِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ حَابَى بِهِ أَوْ مَا زَادَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ أَوْ دَفَعَهُ لِغَيْرِ أَمِينٍ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ ضَرَرًا مَحْضًا. (٣)

أَمَّا الْهِبَةُ بِعِوَضٍ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ بِهَا، لأَِنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَاءً، بِدَلِيل أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَقِفُ عَلَى الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُعَاوَضَهً فِي الاِنْتِهَاءِ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ فَلَمْ تَنْعَقِدْ هِبَتُهُ.

_________

(١) المهذب ١ ٣٣٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٢، والقوانين الفقهية ص ٣٢٧، وانظر م (١٤٧٩) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، والمبدع ٤ ٣٣٧، والبدائع ٥ ١٥٣.

(٢) حديث: " لا ضرر ولا ضرار " أخرجه مالك في الموطأ (٢ ٧٤٥ - ط الحلبي) من حديث يحيى المازني مرسلًا، وذكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحلم (ص ٢٨٦ - ٢٨٧) شواهد يتقوى بها) وحسنه النووي.

(٣) المهذب ١ ٣٣٥، وشرح المنتهى ٢ ٢٩٢، والقوانين الفقهية ص ٣٢٦، وانظر م (١٤٧٩) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وجامع أحكام الصغار ٢ ٣٠٥، ومغني المحتاج ٢ ١٧٤.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لَهُ أَنْ يَهَبَ بَعِوَضٍ، لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةُ الْمَال بِالْمَال فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ. (١)

٥٧ - لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا الاِتِّجَارُ بِمَال الْمَحْجُورِ، وَلَهُ دَفْعُهُ لِغَيْرِهِ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَذَا بَيْعُهُ نَسِيئَةً لِمَصْلَحَتِهِ، وَإِيدَاعُهُ عِنْدَ أَمِينٍ ثِقَةٍ عِنْدَ قِيَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. وَلَهُ شِرَاءُ عَقَارٍ لَهُ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِأَقَل لاِسْتِغْلاَلِهِ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، كَمَا أَنَّ لَهُ بَيْعَ عَقَارِهِ وَمَنْقُولِهِ وَإِجَارَتَهُ لِلْغَيْرِ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ بِمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُوَكِّل الْغَيْرَ بِذَلِكَ. (٢)

٥٨ - أَمَّا إِقْرَاضُ مَالِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِقْرَاضُهُ لِلْغَيْرِ وَلاَ اقْتِرَاضُهُ لِنَفْسِهِ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَهُ، لأَِنَّ الْقَرْضَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِلْحَال، بِخِلاَفِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُقْرِضُ مَال الْيَتِيمِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الإِْقْرَاضَ مِنَ الْقَاضِي مِنْ بَابِ حِفْظِ الدَّيْنِ، لأَِنَّ تَوَى الدَّيْنِ بِالإِْفْلاَسِ أَوْ بِالإِْنْكَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَخْتَارُ أَمْلَى النَّاسِ وَأَوْثَقَهُمْ، وَلَهُ وِلاَيَةُ التَّفَحُّصِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ،

_________

(١) البدائع ٥ ١٥٣.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٢، والمهذب ١ ٣٣٥، والقوانين الفقهية ص ٣٢٦، ٣٢٧، وانظر م (١٤٨٣) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وجامع أحكام الصغار ٢ ٣٠٧، والمنتقى للباجي ٢ ١١١.

فَيَخْتَارُ مَنْ لاَ يَتَحَقَّقُ إِفْلاَسُهُ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا، وَكَذَا الْقَاضِي يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَلاَ يَتَحَقَّقُ الْتَوَى بِالإِْنْكَارِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْقَاضِي هَذِهِ الْوِلاَيَةُ، فَبَقِيَ الإِْقْرَاضُ مِنَ الْوَلِيِّ إِزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَهُ عِوَضٌ لِلْحَال فَكَانَ ضَرَرًا فَلاَ يَمْلِكُهُ. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ إِقْرَاضُ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ خَافَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ، أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ إِقْرَاضُهُ مِنْ ثِقَةٍ مَلِيءٍ، لأَِنَّ غَيْرَ الثِّقَةِ يَجْحَدُ، وَغَيْرَ الْمَلِيءِ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُ الْبَدَل مِنْهُ.

فَإِنْ أَقْرَضَ وَرَأَى أَخْذَ الرَّهْنِ عَلَيْهِ أَخَذَ، وَإِنْ رَأَى تَرْكَ الرَّهْنِ لَمْ يَأْخُذْ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِْيدَاعِ وَالإِْقْرَاضِ فَالإِْقْرَاضُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْقَرْضَ مَضْمُونٌ بِالْبَدَل، وَالْوَدِيعَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَكَانَ الْقَرْضُ أَحْوَطَ.

وَقَالُوا: أَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ إِقْرَاضُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَخِلاَفًا لِلسُّبْكِيِّ بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ وَأَمَانَتِهِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي مَالِهِ إِنْ سَلِمَ مِنْهَا مَال الْمَحْجُورِ، وَالإِْشْهَادِ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ رَهْنًا إِنْ رَأَى ذَلِكَ. (٢)

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ ١٥٣،١٥٤، وجامع أحكام الصغار ٤ ١٠٤، وم (٨٠١) من (٨٠١) من مرشد الحيران، ورد المحتار ٤ ٣٤٠، والمنتقى للباجي ٢ ١١١.

(٢) المهذب ١ ٣٣٦، ونهاية المحتاج، وحاشية الشبراملسي عليه ٤ ٢١٩، ٢١٩، وتحفة المحتاج، وحاشية الشرواني عليه ٥ ٤١.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لَهُ قَرْضُهُ وَلَوْ بِلاَ رَهْنٍ لِمَصْلَحَةٍ، بِأَنْ أَقْرَضَهُ لِمَلِيءٍ يَأْمَنُ جُحُودَهُ، خَوْفًا عَلَى الْمَال لِسَفَرٍ وَنَحْوِهِ. وَالأَْوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا إِنْ أَمْكَنَهُ احْتِيَاطًا. (١)

٥٩ - كَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُطَالِبَ بِحُقُوقِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ، فَيَدَّعِي بِهَا وَيُقِيمُ الْبَيِّنَاتِ، وَيَحْلِفُ الْخَصْمُ إِنْ أَنْكَرَهَا، وَيُصَالِحُ بِدَفْعِ بَعْضِ مَا عَلَى الْمَحْجُورِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ إِذَا كَانَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَيَقْبِضُ بَعْضَ مَا لِلْمَحْجُورِ إِنْ لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ. (٢)

٦٠ - أَمَّا شِرَاءُ الْوَلِيِّ مَال الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ أَوْ بَيْعُ مَالِهِ لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْوَلَدِ. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلأَْبِ وَالْجَدِّ فَقَطْ بَيْعُ مَال الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ وَبَيْعُ مَالِهِ لِلصَّغِيرِ، لأَِنَّهُمَا لاَ يُتَّهَمَانِ فِي ذَلِكَ لِكَمَال شَفَقَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي طَلَبِ الْحَظِّ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُجْعَل ذَلِكَ إِلَيْهِ. (٤)

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٣، وانظر م (١٤٨٣) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٣، ٢٩٦، م (١٤٨٠) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.

(٣) القوانين الفقهية ص ٣٢٦.

(٤) المهذب ١ ٣٣٧، والأشباه والنظائر لابن السبكي ١ ٢٥٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨١، وقواعد الأحكام للعز ١ ٦٧.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ مِنْ مَال الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِ لِنَفْسِهِ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ، إِلاَّ الأَْبُ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَلِي طَرَفَيِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ يَلِي بِنَفْسِهِ، وَالتُّهْمَةُ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، إِذْ مِنْ طَبْعِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَالْمَيْل إِلَيْهِ، وَتَرْكُ حَظِّ نَفْسِهِ لِحَظِّهِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ. (١)

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلأَْبِ شِرَاءُ مَال وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ وَبَيْعُ مَالِهِ لِوَلَدِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى مَال وَلَدِهِ فَلاَ يَبْرَأُ عَنِ الثَّمَنِ حَتَّى يُنَصِّبَ الْقَاضِي لِوَلَدِهِ وَصِيًّا يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ أَبِيهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهُ لِلصَّغِيرِ، دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ عَنِ الأَْبِ. وَإِنْ بَاعَ مَال نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ، فَلاَ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ حَقِيقَةً، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ بِأَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَلَمْ يَحْضُرْ لِتَسَلُّمِهِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَهْلِكُ عَلَى الأَْبِ لاَ عَلَى الْوَلَدِ. وَيَجُوزُ لِوَصِيِّ الأَْبِ أَنْ يَبِيعَ مَال نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مَال الْيَتِيمِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَجُوزُ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهُ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ، فَلاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ.

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ ٢٩٢، وبدائع الصنائع ٥ ١٣٦.