الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

يَدْخُل فِيهَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ مَا لَيْسَ فِيهِ إِتْلاَفٌ، كَجَلْدِ السَّارِقِ، وَيَدْخُل فِيهَا الْحُكْمُ فِي الْمُخَاصَمَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَدَعَاوَى التُّهَمِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا كِتَابٌ وَشُهُودٌ. . أَمَّا فِي بِلاَدٍ أُخْرَى كَبِلاَدِ الْمَغْرِبِ فَلَيْسَ لِوَالِيهَا حُكْمٌ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ. وَأَسَاسُ ذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ الْوِلاَيَاتِ وَخُصُوصَهَا، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلاَيَةِ يُتَلَقَّى مِنَ الأَْلْفَاظِ وَالأَْحْوَال وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، وَلِهَذَا قَدْ يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْحَرْبِ فِي بَعْضِ الأَْمْكِنَةِ وَالأَْزْمِنَةِ مَا يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ آخَرَ وَبِالْعَكْسِ.

وَقَدْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ. (١)

ز - وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ:

٤١ - الْحِسْبَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هِيَ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، وَهِيَ مِنَ الْخُطَطِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلاَةِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَالْجِهَادِ. .

وَوِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ نَوْعَانِ: وِلاَيَةٌ أَصْلِيَّةٌ مُسْتَحْدَثَةٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَهِيَ الْوِلاَيَةُ الَّتِي اقْتَضَاهَا التَّكْلِيفُ بِهَا لِتَثْبُتَ لِكُل مَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ. وَوِلاَيَةٌ مُسْتَمَدَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي يَسْتَمِدُّهَا مَنْ عُهِدَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَل

_________

(١) الحسبة لابن تيمية ص ١٥،١٦، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨ ٦٨،٦٩، وانظر الطرق الحكمية ص ٢٠١.

الْخَلِيفَةِ أَوِ الأَْمِيرِ، وَهُوَ الْمُحْتَسِبُ. (١) (ر. حِسْبَة ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا

ح - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ عَلَى الْجِهَادِ:

٤٢ - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ عَلَى الْجِهَادِ مُخْتَصَّةٌ بِقَتْل الْمُشْرِكِينَ. وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ.

(أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى سِيَاسَةِ الْجَيْشِ وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الإِْمَارَةِ الْخَاصَّةِ.

(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) أَنْ يُفَوَّضَ إِلَى الأَْمِيرِ فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِهَا مِنْ قَسْمِ الْغَنَائِمِ وَعَقْدِ الصُّلْحِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الإِْمَارَةِ الْعَامَّةِ.

وَهَذِهِ الإِْمَارَةُ إِذَا عُقِدَتْ عَلَى غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَكُنْ لأَِمِيرِهَا أَنْ يَغْزُوَ غَيْرَهَا، سَوَاءٌ غَنِمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يَغْنَمْ. وَإِذَا عُقِدَتْ عُمُومًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ لَزِمَهُ مُعَاوَدَةُ الْغَزْوِ فِي كُل وَقْتٍ يَقْدِرُ فِيهِ، وَلاَ يَفْتُرُ عَنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ إِلاَّ قَدْرَ الاِسْتِرَاحَةِ، وَأَقَل مَا يُجْزِئُهُ أَنْ لاَ يُعَطِّل عَامًا مِنْ جِهَادٍ.

وَلِهَذَا الأَْمِيرِ إِذَا فُوِّضَتْ إِلَيْهِ الإِْمَارَةُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِهِمْ، وَيُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ وَلاَ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مَا كَانَ سَائِرًا إِلَى ثَغْرِهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٧٢، ولأبي يعلى ص ٢٨٦، ٨٦، والشهب اللامعة لابن رضوان ص ٣٢٧، والطرق الحكمية لابن القيم ص ١٩٩.

الثَّغْرِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ، جَازَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ جَمِيعِ أَهْلِهِ مِنْ مُقَاتِلَةٍ وَرَعِيَّةٍ. وَإِنْ كَانَتْ إِمَارَتُهُ خَاصَّةً أُجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْخُصُوصِ. (١)

(ر: جِهَاد ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا

ط - الْوِلاَيَةُ عَلَى حُرُوبِ الْمَصَالِحِ:

٤٣ - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ عَلَى حُرُوبِ الْمَصَالِحِ مُخْتَصَّةٌ بِقَتْل غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَتَشْمَل قِتَال أَهْل الرِّدَّةِ، وَقِتَال أَهْل الْبَغْيِ، وَقِتَال الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. (٢)

(ر. رِدَّة ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا، بَغْي ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا، حِرَابَة ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا.

ي - وِلاَيَةُ السِّعَايَةِ وَجِبَايَةِ الصَّدَقَةِ

٤٤ - يُعْهَدُ لِمُتَوَلِّيهَا إِنْشَاءُ الْحُكْمِ فِي الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ خَاصَّةً، فَإِنْ حَكَمَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ. (٣) قَال الْقَاضِي ابْنُ رِضْوَانَ الْمَالِقِيُّ: وَلاَ يَكُونُ مَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ إِلاَّ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّدَقَاتِ وَمَقَادِيرِهَا وَنِصَابِهَا

_________

(١) تبصرة الحكام لابن فرحون ١ ١٥، ومعين الحكام للطرابلسي ص ١٣، والولايات ص ٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٥،٥٤،٥٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٩، ٥١،٥٤،٥٧.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) التبصرة ١ ١٤، ومعين الحكام ص ١٢، والولايات ص ٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١١٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١١٥، وتخريج الدلالات السمعية ص ٥٣٨.

وَصِفَاتِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا، وَمِمَّنْ تُؤْخَذُ، وَكَيْفَ تُؤْخَذُ، حَلِيمًا غَيْرَ عَانِفٍ، مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ. (١)

(ر: زَكَاة ف ١٤١ وَمَا بَعْدَهَا، وَسِعَايَة ف ٤، وَجِبَايَة ف ٧ - ١٥.

ثَانِيًا: الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ

٤٥ - تُطْلَقُ الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ عَلَى ثَلاَثَةِ ضُرُوبٍ مِنَ السُّلْطَةِ، وَهِيَ:

أ - النِّيَابَةُ الْجَبْرِيَّةُ الَّتِي يُفَوِّضُ فِيهَا الشَّرْعُ أَوِ الْقَضَاءُ شَخَصًا كَبِيرًا رَاشِدًا بِأَنْ يَتَصَرَّفَ لِمَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.

وَبِمُقْتَضَاهَا يُعْتَبَرُ الْوَلِيُّ هُوَ الْمُمَثِّل الشَّرْعِيُّ لِذَلِكَ الْقَاصِرِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الَّتِي تَقْبَل النِّيَابَةَ مِنْ عُقُودٍ وَأَفْعَالٍ وَمُخَاصَمَاتٍ فِي الْحُقُوقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةً عَلَيْهِ جَبْرًا إِذَا كَانَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشَرَائِطِهَا الشَّرْعِيَّةِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ لِلْقَاصِرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَاشِدًا الْحَقُّ فِي نَقْضِ شَيْءٍ مِنْهَا. (٢) َهَذِهِ الْوِلاَيَةُ تَتَضَمَّنُ سُلْطَةً ذَاتَ فَرْعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: سُلْطَةٌ عَلَى شُؤُونِ الْقَاصِرِ الْمُتَعَلِّقَةِ

_________

(١) الشهب اللامعة للسياسة النافعة ص٣٣٢.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٤ والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٨٦.

بِشَخْصِهِ وَنَفْسِهِ، كَالتَّزْوِيجِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّطْبِيبِ. وَتُسَمَّى: الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ.

وَالثَّانِي: سُلْطَةٌ عَلَى شُؤُونِهِ الْمَالِيَّةِ مِنْ عُقُودٍ وَتَصَرُّفَاتٍ وَحِفْظٍ وَإِنْفَاقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتُسَمَّى الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال.

ب - وِلاَيَةُ الْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ. وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ نَقْصِ أَهْلِيَّةٍ وَلاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِالنَّفْسِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ وِلاَيَةٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ، يُفَوَّضُ صَاحِبُهَا بِحِفْظِ الْمَال الْمَوْقُوفِ وَالْعَمَل عَلَى إِبْقَائِهِ صَالِحًا نَامِيًا بِحَسَبِ شَرْطِ الْوَاقِفِ.

جـ - السُّلْطَةُ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّرْعُ بِيَدِ أَهْل الْقَتِيل فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ أَوْ مُطْلَقًا، وِفْقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، (١) وَقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْل. (٢) َيْرَ أَنَّ الضَّرْبَ الأَْوَّل هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فِي لُغَةِ الْفُقَهَاءِ.

انْتِقَال الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ:

٤٦ - الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ لِلأَْهْل وَالأَْوْلِيَاءِ وَالأَْوْصِيَاءِ وَالنُّظَّارِ تَنْتَقِل إِلَى السُّلْطَانِ

_________

(١) سورة الإسراء ٣٣.

(٢) حديث: " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين. . . " أخرجه الترمذي (٤ ٢١ - ط الحلبي) من حديث أبي شريح الكعبي. وقال: حديث حسن صحيح.

بِمُقْتَضَى وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ. (١)

فَيُمَارِسُهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَحَدِ نُوَّابِهِ مِنْ وُلاَةٍ وَقُضَاةٍ وَنَحْوِهِمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ. قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لأَِنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَارَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ نُوَّابَهُ بِمَثَابَتِهِ. (٢)

مَنْزِلَةُ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ مِنَ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:

٤٧ - الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ عِنْدَ وُجُودِهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، لأَِنَّهَا أَقْوَى مِنْهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ أَقْوَى مِنَ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ. (٣)

فَمَثَلًا: مُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَوَصِيُّ الْيَتِيمِ وَوَلِيُّ الصَّغِيرِ وِلاَيَتُهُمْ خَاصَّةٌ، وَوِلاَيَةُ الْقَاضِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ عَامَّةٌ، وَأَعَمُّ مِنْهَا وِلاَيَةُ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَوِلاَيَةُ الْمُتَوَلِّي وَالْوَصِيِّ أَقْوَى مِنْ وِلاَيَةِ الْقَاضِي، وَوِلاَيَةُ الْقَاضِي أَقْوَى مِنْ وِلاَيَةِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ كُل مَا كَانَ أَقَل

_________

(١) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له " أخرجه الترمذي (٣ ٣٩٩ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال: قال: حديث حسن.

(٢) فتاوى العز بن عبد السلام ص ١٥٢.

(٣) المادة ٥٩ من المجلة العدلية، والقواعد للزركشي ٣ ٣٤٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٨٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٤، وشرح الخرشي على خليل ٣ ١٨١.

اشْتِرَاكًا كَانَ أَقْوَى تَأْثِيرًا وَامْتِلاَكًا. فَكُلَّمَا كَانَتِ الْوِلاَيَةُ الْمُرْتَبِطَةُ بِشَيْءٍ أَخَصَّ مِمَّا فَوْقَهَا بِسَبَبِ ارْتِبَاطِهَا بِهِ وَحْدَهُ، كَانَتْ أَقْوَى تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ مِمَّا فَوْقَهَا فِي الْعُمُومِ، فَتَكُونُ الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ كَأَنَّهَا انْفَكَّتْ عَمَّا خُصِّصَتْ لَهُ الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا إِلاَّ الإِْشْرَافُ، إِذِ الْقُوَّةُ بِحَسَبِ الْخُصُوصِيَّةِ لاَ الرُّتْبَةِ. (١) وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَلِهَذَا لاَ يَتَصَرَّفُ الْقَاضِي مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ وَأَهْلِيَّتِهِ. (٢)

٤٨ - وَقَدْ فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الأَْصْل الْمَسَائِل التَّالِيَةَ:

أ - أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ مُتَوَلٍّ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ قِبَلِهِ، حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِيجَارٍ أَوِ اسْتِئْجَارٍ أَوْ جِبَايَةٍ لاَ يَنْفُذُ، إِذْ لاَ تَدْخُل وِلاَيَةُ السُّلْطَانِ عَلَى وِلاَيَةِ الْمُتَوَلِّي فِي الْوَقْفِ.

ب - لاَ يَمْلِكُ الْقَاضِي التَّصَرُّفَ فِي مَال الْيَتِيمِ مَعَ وُجُودِ وَصِيِّ الأَْبِ أَوْ وَصِيِّ الْجَدِّ أَوْ وَصِيِّ الْقَاضِي نَفْسِهِ.

ج - لاَ يَمْلِكُ الْقَاضِي تَزْوِيجَ الْيَتِيمِ أَوِ الْيَتِيمَةِ

_________

(١) شرح المجلة للأتاسي ١ ١٤٧.

(٢) القواعد للزركشي ٣ ٣٤٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٤.

إِلاَّ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ أَوْ عَضْلِهِ.

د - لِلْوَلِيِّ الْخَاصِّ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ وَمَجَّانًا، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ الْعَفْوُ مَجَّانًا.

هـ - لَوْ زَوَّجَ الإِْمَامُ الْمَرْأَةَ لِغَيْبَةِ الْوَلِيِّ، وَزَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْغَائِبُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، قُدِّمَ الْوَلِيُّ.

وإِذَا أَجَّرَ الْقَاضِي حَانُوتَ الْوَقْفِ مِنْ زَيْدٍ، وَأَجَّرَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ بَكْرٍ، فَإِنَّ إِجَارَةَ الْمُتَوَلِّي هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ.

وَالْحَاصِل: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَتِ الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ فِي شَيْءٍ، فَلاَ تَأْثِيرَ لِلْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ فِيهِ، وَأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ الْعَامِّ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ غَيْرُ نَافِذٍ. (١)

٤٩ - غَيْرَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ عِنْدَ الاِقْتِضَاءِ حَقَّ التَّدَخُّل فِي الشُّؤُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ، كَمَا إِذَا لَحَظَ خِيَانَةً أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ تَضْيِيعًا، لأَِنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ حَقٌّ

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ومعه حاشية ابن عابدين عليه نزهة النواظر ص ١٨٦ وما بعدها، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٤، وشرح المجلة للأتاسي ١ ١٤٧ وما بعدها، ودرر الحكام ١ ٥٢،٥٣، والحموي على الأشباه والنظائر ١ ١٩١، والخرشي ٣ ١٨١، والقوانين الفقهية ص ٢٠٤، والمغني ٩ ٣٦٠.

الإِْشْرَافِ الْعَامِّ عَلَى سَائِرِ الْوِلاَيَاتِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الأَْوْصِيَاءَ وَالنُّظَّارَ وَالْمُتَوَلِّينَ، وَيَعْزِل الْخَائِنَ مِنْهُمْ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ الْمُوصِي أَوِ الْوَاقِفُ عَدَمَ مُدَاخَلَتِهِ. (١)

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْقَاعِدَةِ مَا ذَكَرُوا:

- مِنْ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لاَ يَمْلِكُ الْعَزْل وَالنَّصْبَ لأَِرْبَابِ الْجِهَاتِ بِدُونِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَمْلِكُهُ الْقَاضِي بِدُونِ شَرْطٍ.

- وَأَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ إِقْرَاضَ مَال الصَّغِيرِ دُونَ الأَْبِ وَالْوَصِيِّ. (٢)

وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَا إِذَا زَوَّجَ السُّلْطَانُ الْبَالِغَةَ مَعَ وُجُودِ وَلِيِّهَا، وَقَال بِنَفَاذِ النِّكَاحِ وَعَدَمِ رَدِّهِ. (٣)

الشُّرُوطُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ

٥٠ - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِتَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ شُرُوطًا اتَّفَقُوا فِي بَعْضِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ.

وَالتَّفْصِيل فِي (نِكَاح ف ٦٦٧٤، وَإِيصَاء ف ١١، وَمُتَوَلِّي ف ٦، وَقِصَاص ف ٢٩ وَوَقَفَ

_________

(١) جامع أحكام الصغار للأستروشني ٤ ١٤٠.

(٢) جامع أحكام الصغار ٢ ٢٧٤، ٤ ١١١، ١٥٨.

(٣) المقدمات الممهدات ١ ٤٧٣.

أَنْوَاعُ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ

٥١ - الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ نَوْعَانِ: وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَال: وَهِيَ سُلْطَةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَوِلاَيَةٌ عَلَى النَّفْسِ: وَهِيَ سُلْطَةُ التَّزْوِيجِ وَالتَّرْبِيَةِ.

وَالْكَلاَمُ عَلَيْهِمَا فِي الْفَرْعَيْنِ التَّالِيَيْنِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال

٥٢ - الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال نَوْعَانِ: قَاصِرَةٌ، وَمُتَعَدِّيَةٌ.

فَالْقَاصِرَةُ: هِيَ سُلْطَةُ الْمَرْءِ عَلَى مَال نَفْسِهِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ لِكُل مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ الْكَامِلَةُ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِل الرَّشِيدُ مِنَ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَال نَفْسِهِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ السَّائِغَةِ شَرْعًا.

وَالْوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ: هِيَ سُلْطَةُ الْمَرْءِ عَلَى مَال غَيْرِهِ. وَهِيَ قِسْمَانِ:

أ - سُلْطَةٌ أَصْلِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِإِثْبَاتِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مُثْبِتٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَلاَ يَمْلِكُ صَاحِبُهَا عَزْل نَفْسِهِ مِنْهَا، لأَِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُ بِإِرَادَتِهِ، وَتَنْحَصِرُ فِي وِلاَيَةِ الأَْبِ وَالْجَدِّ عَلَى مَال وَلَدِهِمَا الْقَاصِرِ.

ب - وَسُلْطَةٌ نِيَابِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي يَسْتَمِدُّهَا صَاحِبُهَا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ، كَالْوَصِيِّ الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنَ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ أَوِ