الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

رَسُول اللَّهِ ﷺ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ. (١)

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عَادِلًا، أَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ جَائِرًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ.

وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف ١٢، ٢١، طَاعَة ف٧، أُولُو الأَْمْرِ ف٥.

ب - نَصِيحَتُهُ:

٣١ - وَذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ بِالْحَقِّ، وَإِعْلاَمِهِ بِمَا غَفَل عَنْهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ إِنَّ نُصْحَ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. (٢)

وَقَدْ وَرَدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ. (٣)

قَال النَّوَوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ. (٤)

_________

(١) حديث: " السمع والطاعة على المرء المسلم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ ١٢١ - ١٢٢) .

(٢) النووي على صحيح مسلم ٢ ٣٨.

(٣) حديث: " الدين النصيحة. . . " أخرجه مسلم (١ ٧٤ - ط الحلبي) من حديث تميم الداري.

(٤) شرح النووي على مسلم ٢ ٣٨.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثًا، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيل وَقَال وَإِضَاعَةَ الْمَال وَكَثْرَةَ السُّؤَال. (١)

وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ النَّصِيحَةَ لَمَّا كَانَتْ إِحْسَانًا يَصْدُرُ عَنْ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ، وَيُقْصَدُ بِهِ صَلاَحُ الْمَنْصُوحِ، لَزِمَ أَنْ تَقَعَ بِالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ وَاللِّينِ وَالْحُسْنَى، لاَ بِالذَّمِّ وَالْهَتْكِ وَالْقَدْحِ وَالتَّعْيِيرِ، (٢) وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلاَ يُبْدِ لَهُ عَلاَنِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ، فَإِنْ قَبِل مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلاَّ كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ. (٣)

ج - جَعْل رِزْقِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال:

٣٢ - نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ لِمُتَقَلِّدِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، بِحَيْثُ يُرَتَّبُ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ مَكَانَتِهِ وَحَاجَتِهِ، وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى عَامِل الصَّدَقَةِ الَّذِي

_________

(١) حديث: " إن الله رضي لكم ثلاثا. . . " أخرجه أحمد (٢ ٣٦٧ - ط الميمنية) .

(٢) النووي على مسلم ٢ ٣٨.

(٣) حديث: " من أراد أن ينصح لسلطان بأمر. . . " أخرجه أحمد (٣ ٤٠٤ - ط الميمنية)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ ٢٢٩ - ط القدسي) رجاله ثقات.

نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الرِّزْقَ - مَعَ غِنَاهُ - مِنْ مَال الزَّكَاةِ لِقِيَامِهِ عَلَى مَصَالِحِهَا، كَذَلِكَ أَهْل الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ يَسْتَحِقُّونَ رِزْقَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ لِتَفَرُّغِهِمْ بِالْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَاحْتِبَاسِهِمْ بِحَقِّ الْعَامَّةِ.

فَلَوْ لَمْ يُفْرَضْ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لَتَعَطَّلَتِ الْمَصَالِحُ وَضَاعَتِ الْحُقُوقُ لاِنْشِغَالِهِمْ عَنْهَا بِالسَّعْيِ فِي الاِكْتِسَابِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ لأَِخْذِهِمُ الرِّشْوَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمَال الْحَرَامِ. فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى ذَلِكَ بِكِفَايَتِهِمْ وَمَنْ يَعُولُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَال. (١)

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا. (٢)

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَال: لَقَدْ عَلِمَ

_________

(١) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ٢ ١١، روضة القضاة ١ ٨٥، وروضة الطالبين ١١ ١٣٧، والمهذب ٢ ٢٩٠، والمبسوط ١٦ ١٠٢، وشرح منتهى الإرادات ٣ ٤٦٢، وتحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال ص ١٤٩، والسياسة الشرعية ص ٧٤، وأحكام القرآن للجصاص ٢ ٣٦٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١ ٣٢٦.

(٢) حديث: " من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة. . . " أخرجه أبو داود (٣ ٣٥٤ - ط حمص) والحاكم (١ ٤٠٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم.

قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُل آل أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. (١)

أَنْوَاعُ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ

٣٣ - تَنَوَّعَتْ صُوَرُ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ وَأَشْكَالُهَا وَاخْتِصَاصَاتُهَا فِي الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ بِحَسْبَ اخْتِلاَفِ الأَْقَالِيمِ وَالأَْمْصَارِ وَالأَْعْصَارِ وَالأَْعْرَافِ السَّائِدَةِ، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: عُمُومُ الْوِلاَيَاتِ وَخُصُوصُهَا، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلاَيَةِ يُتَلَقَّى مِنَ الأَْلْفَاظِ وَالأَْحْوَال وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ مَا يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ، وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ الْحِسْبَةُ وَوِلاَيَةُ الْمَال. . . . . (٢)

وَعَلَى ذَلِكَ بَلَغَ تَعْدَادُ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ وَمَاصَدْقَاتُهَا فِي تَقْسِيمَاتِ الْفُقَهَاءِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ نَوْعًا نَعْرِضُهَا فِيمَا يَلِي:

أـ

_________

(١) أثر عائشة: لما استخلف أبو بكر. . أخرجه البخاري (الفتح ٤ ٣٠٣ - ط السلفية) .

(٢) الحسبة لابن تيمية ص ١٥ وما بعدها، وانظر الطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٠١.

الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى:

٣٤ - وَهِيَ الرِّئَاسَةُ الْعُظْمَى فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا خِلاَفَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ " كُبْرَى " تَمْيِيزًا لَهَا عَنِ الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى، وَهِيَ إِمَامَةُ الصَّلاَةِ. وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَال ابْنُ خَلْدُونٍ: حَمْل الْكَافَّةِ عَلَى مُقْتَضَى النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ فِي مَصَالِحِهِمُ الأُْخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهَا، إِذْ أَحْوَال الدُّنْيَا تَرْجِعُ كُلُّهَا عِنْدَ الشَّارِعِ إِلَى اعْتِبَارِهَا بِمَصَالِحِ الآْخِرَةِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفَةٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ. (١)

(ر: الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا)

ب - وِلاَيَةُ الْوِزَارَةِ:

٣٥ - وِلاَيَةُ الْوِزَارَةِ هِيَ وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ يُخَوِّلُهَا الإِْمَامُ لِشَخْصٍ مَوْثُوقٍ بِدِينِهِ وَعَقْلِهِ وَعِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ وَنُصْحِهِ، لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِ الدَّوْلَةِ.

قَال ابْنُ خَلْدُونَ: وَاسْمُهَا يَدُل عَلَى مُطْلَقِ الإِْعَانَةِ، فَإِنَّ الْوِزَارَةَ مَأْخُوذَةٌ إِمَّا مِنَ الْمُؤَازَرَةِ، وَهِيَ الْمُعَاوَنَةُ، أَوْ مِنَ الْوِزْرِ وَهُوَ الثِّقْل.

وَقَدْ قَسَّمَهَا الْفُقَهَاءُ إِلَى قِسْمَيْنِ: وِزَارَةُ

_________

(١) مقدمة ابن خلدون ٢ ٥٧٨، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٥.

تَفْوِيضٍ، وَوِزَرَاةُ تَنْفِيذٍ.

فَالأُْولَى: هِيَ الَّتِي يُفَوِّضُ الإِْمَامُ إِلَى الْوَزِيرِ فِيهَا تَدْبِيرَ الأُْمُورِ بِرَأْيِهِ وَإِمْضَاءَهَا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَكُونُ الْوَزِيرُ فِيهَا مُجَرَّدَ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالرَّعِيَّةِ، فَيُبَلِّغُ وَيُنَفِّذُ مَا دَبَّرَهُ الإِْمَامُ وَحَكَمَ بِهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا حَدَثَ مِنَ الأُْمُورِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ مُخَوَّلًا سُلْطَةَ التَّدْبِيرِ وَالْحُكْمِ. (١)

(ر: وِزَارَة ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا

ج - وِلاَيَةُ الْقَضَاءِ:

٣٦ - حَقِيقَةُ الْقَضَاءِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ الإِْلْزَامِ بِهِ، وَفَصْل الْخُصُومَاتِ. (٢)

وَيَتَفَرَّعُ مِنْ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ وِلاَيَةٌ جُزْئِيَّةٌ كَمُتَوَلِّي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فِي الأَْنْكِحَةِ فَقَطْ، وَالْمُتَوَلِّي لِلنَّظَرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْيْتَامِ فَقَطْ، فَيُفَوَّضُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّقْضُ وَالإِْبْرَامُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الأَْوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ شُعْبَةٌ مِنْ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ، وَلاَ يَنْفُذُ لَهُ حُكْمٌ

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٩، ٣١، ومقدمة ابن خلدون ٢ ٦٦٥، وغياث الأمم ص ١١٣، والولايات للونشريسي ص ٣، تبصرة الحكام ١ ١٥.

(٢) تبصرة الحكام ١ ٨، ومعين الحكام ص ٧، وشرح منتهى الإرادات ٣ ٤٥٦، ٤٥٩.

فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. (١)

(ر: قَضَاء ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا

د - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ:

٣٧ - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ هِيَ قَوْدُ الْمُتَظَالِمِينَ إِلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعِينَ عَنِ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ. وَمِنْ شَرْطِ النَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ جَلِيل الْقَدْرِ، نَافِذَ الأَْمْرِ، عَظِيمَ الْهَيْبَةِ، ظَاهِرَ الْعِفَّةِ، قَلِيل الطَّمَعِ، كَثِيرَ الْوَرَعِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي نَظَرِهِ إِلَى سَطْوَةِ الْحُمَاةِ، وَتَثَبُّتِ الْقُضَاةُ، فَاحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ صِفَتَيِ الْفَرِيقَيْنِ. فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الأُْمُورَ الْعَامَّةَ كَالْوُزَرَاءِ وَالأُْمَرَاءِ، لَمْ يَحْتَجِ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى تَقْلِيدٍ، وَكَانَ لَهُ بِعُمُومِ وِلاَيَتِهِ النَّظَرُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُفَوَّضْ إِلَيْهِمْ عُمُومُ الأَْمْرِ احْتَاجَ إِلَى تَقْلِيدٍ وَتَوْلِيَةٍ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ. (٢)

(ر. مَظَالِم ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا

هـ - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ:

٣٨ - تَنْقَسِمُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِلَى

_________

(١) تبصرة الحكام ١ ١٤، ومعين الحكام ص ١٢.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧، ولأبي يعلى ص ٧٣. انظر مظالم ف٥ وما بعدها.

قِسْمَيْنِ: إِمَارَةُ اسْتِكْفَاءٍ، وَإِمَارَةُ اسْتِيلاَءٍ.

فَأَمَّا إِمَارَةُ الاِسْتِكْفَاءِ: فَهِيَ الَّتِي تَنْعَقِدُ عَنِ اخْتِيَارِ الإِْمَامِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ: أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ إِمَارَةَ بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ وِلاَيَةً عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَنَظَرًا فِي الْمَعْهُودِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ. وَالْخَاصَّةُ: هِيَ مَا كَانَ الأَْمِيرُ فِيهَا مَقْصُورَ الإِْمَارَةِ عَلَى تَدْبِيرِ الْجَيْشِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنِ الْحَرِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْقَضَاءِ وَالأَْحْكَامِ وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا.

وَأَمَّا إِمَارَةُ الاِسْتِيلاَءِ: فَهِيَ الَّتِي يَعْقِدُهَا الإِْمَامُ عَنِ اضْطِرَارٍ، كَأَنْ يَسْتَوْلِيَ الأَْمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بِلاَدٍ، فَيُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إِمَارَتَهَا وَيُفَوِّضُ إِلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا. (١)

(ر. إِمَارَة ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا

و وِلاَيَةُ الشُّرْطَةِ:

٣٩ - تُطْلَقُ كَلِمَةُ " الشُّرْطَةِ " فِي اللُّغَةِ عَلَى الْجُنْدِ، وَالْجَمْعُ شُرَطٌ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَعْوَانُ السُّلْطَانِ. سُمُّوا بِذَلِكَ لأَِنَّهُمْ جَعَلُوا لأَِنْفُسِهِمْ عَلاَمَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا لِلأَْعْدَاءِ. وَالْوَاحِدُ شُرْطَةٌ،

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣١ وما بعدها، ولأبي يعلى ص ٣٤ وما بعدها، وتحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة ص ٧٩.

مِثْل غُرَفٍ جَمْعِ غُرْفَةٍ. وَالشُّرْطِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى الشُّرْطَةِ. (١)

قَال ابْنُ خَلْدُونَ: وَيُسَمَّى صَاحِبُهَا لِهَذَا الْعَهْدِ بِإِفْرِيقِيَّةَ: الْحَاكِمُ. وَفِي دَوْلَةِ أَهْل الأَْنْدَلُسِ: صَاحِبُ الْمَدِينَةِ. وَفِي دَوْلَةِ التُّرْكِ: الْوَالِي. وَهِيَ وَظِيفَةٌ مَرْؤُوسَةٌ لِصَاحِبِ السَّيْفِ فِي الدَّوْلَةِ، وَحُكْمُهُ نَافِذٌ فِي صَاحِبِهَا فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ. (٢)

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأَْمِينِ الْقُرْطُبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ وُضِعَ لأَِمْرَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) مَعُونَةُ الْحُكَّامِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَظَالِمِ وَأَصْحَابِ الدَّوَاوِينِ فِي حَبْسِ مَنْ أَمَرُوهُ بِحَبْسِهِ، وَإِطْلاَقِ مَنْ أَمَرُوهُ بِإِطْلاَقِهِ، وَإِشْخَاصِ مَنْ كَاتَبُوهُ بِإِشْخَاصِهِ، وَإِخْرَاجِ الأَْيْدِي مِمَّا دَخَلَتْ فِيهِ وَإِقْرَارِهَا.

(وَالثَّانِي) النَّظَرُ فِي الْجِنَايَاتِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ إِقَامَتُهَا عَلَيْهِ. (٣)

وَقَال الْقَاضِي ابْنُ رِضْوَانَ الْمَالِقِيُّ: وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ ذَلِكَ رَجُلًا ثِقَةً دَيِّنًا صَارِمًا فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ. (٤)

_________

(١) المصباح المنير، وانظر التعريفات الفقهية ص ٣٣٦.

(٢) مقدمة ابن خلدون ٢ ٦٨٧، وانظر معيد النعم للتاج السبكي ص ٤٣، وتخريج الدلالات السمعية للخزاعي ص ٣١١.

(٣) الولايات للونشريسي ص ٣.

(٤) الشهب اللامعة في السياسة النافعة لأبي القاسم ابن رضوان المالقي ص ٣٢٨.

وَذَكَرَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِنْ حَقِّ وَالِي الشُّرْطَةِ الْفَحْصَ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الْخَمْرِ وَالْحَشِيشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسَدَّ الذَّرِيعَةِ فِيهِ، وَالسِّتْرَ عَلَى مَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَرْبَابِ الْمَعَاصِي، وَإِقَالَةَ ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى النَّاسِ، وَيَبْحَثَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ مُنْكَرٍ، وَلاَ كَبْسَ بُيُوتِهِمْ بِمُجَرَّدِ الْقِيل وَالْقَال. . . بَل حُقَّ عَلَيْهِ إِذَا تَيَقَّنَ أَنْ يَبْعَثَ سِرًّا رَجُلًا مَأْمُونًا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِقَدْرِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ بُيُوتِهِمْ وَإِرْعَابِهِمْ وَإِزْعَاجِهِمْ وَهَتْكِهِمْ، كُل ذَلِكَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَالظُّلْمِ الْقَبِيحِ. (١)

٤٠ - وَقَدْ سَمَّى ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الْوِلاَيَةَ " وِلاَيَةَ الْحَرْبِ الصُّغْرَى "، تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ " وِلاَيَةِ الْحَرْبِ الْكُبْرَى " الَّتِي تَعْنِي عِنْدَهُ مِثْل " نِيَابَةِ السَّلْطَنَةِ ". (٢)

وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مُعْتَمِدَهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ، وَقَمَعُ أَهْل الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا فِي عُرْفِ زَمَانِهِ فِي الْبِلاَدِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ تَخْتَصُّ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا إِتْلاَفٌ، مِثْل قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ

_________

(١) معيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي ص ٤٣،٤٤.

(٢) الحسبة ص ١٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨ ٦٦.