الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

وُسْعَهَا﴾) (١) فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَنَّ الأَْمْرَ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ. (٢) وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لَوْ تَعَذَّرَتِ الْعَدَالَةُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ لَمَا جَازَ تَعْطِيل الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُضَاةِ وَالْخُلَفَاءِ وَالْوُلاَةِ، بَل قَدَّمْنَا أَمْثَل الْفَسَقَةِ فَأَمْثَلَهُمْ، وَأَصْلَحَهُمْ لِلْقِيَامِ بِذَلِكَ فَأَصْلَحَهُمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّا إِذَا أُمِرْنَا بِأَمْرٍ أَتَيْنَا مِنْهُ بِمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنَّا مَا عَجَزْنَا عَنْهُ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ حِفْظَ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ الْكُل. (٣)

٢٢ - وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الأَْهْل لِلضَّرُورَةِ إِذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ، فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إِصْلاَحِ الأَْحْوَال حَتَّى يَكْمُل فِي النَّاسِ مَا لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الْوِلاَيَاتِ وَالإِْمَارَاتِ وَنَحْوِهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ السَّعْيُ فِي وَفَاءِ دِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَال لاَ يُطْلَبُ مِنْهُ إِلاَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَمَا يَجِبُ الاِسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْل فِي وَقْتِ سُقُوطِهِ لِلْعَجْزِ، فَإِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (٤)

_________

(١) سورة البقرة ٢٨٦.

(٢) غياث الأمم ص ٢٢٨، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ ٣٧، ومغني المحتاج ٤ ١٣٠، وكشاف القناع ٦ ٢٩١، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص ٢٥، ٢٩.

(٣) قواعد الأحكام ٢ ٣٧.

(٤) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٣٦.

وَاجِبَاتُ صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:

٢٣ - تَخْتَلِفُ وَاجِبَاتُ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ بِحَسْبِ الْوِلاَيَةِ الَّتِي يَتَقَلَّدُهَا كُلٌّ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لِتَبَايُنِ الْوَظَائِفِ وَالأَْعْبَاءِ وَالاِخْتِصَاصَاتِ وَالْمَسْئُولِيَّاتِ الْمَنُوطَةِ بِكُل ذِي وِلاَيَةٍ، فَوَاجِبَاتُ الْخَلِيفَةِ مَثَلًا مُخْتَلِفَةٌ عَنْ وَاجِبَاتِ وَالِي الشُّرَطَةِ، وَوَاجِبَاتُ الْوَزِيرِ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ وَاجِبَاتِ الْقَاضِي، وَوَاجِبَاتُ أَمِيرِ الْجَيْشِ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ وَاجِبَاتِ الْمُحْتَسِبِ، وَهَذِهِ الْوَاجِبَاتُ هِيَ كَمَا يَلِي:

أـ الاِلْتِزَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ:

٢٤ - الاِلْتِزَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ عَلَى صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ، وَذَلِكَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ، فَإِنَّهُ مِلاَكُ الأَْمْرِ وَجِمَاعُ الْخَيْرِ فِيهِ. فَمُتَقَلِّدُ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى قَبْل أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى امْتِثَالِهِمْ، وَأَقْوَى أَثَرًا فِي صَلاَحِهِمْ وَفَلاَحِهِمْ.

ب - أَدَاءُ الأَْمَانَةِ:

٢٥ - وَمِنْ وَاجِبَاتِ صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ أَدَاءُ الأَْمَانَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا

الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، (١) حَيْثُ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي وُلاَةِ الأُْمُورِ. (٢)

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. (٣)

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنِ اسْتَعْمَل رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَخَانَ رَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ. (٤)

وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، لاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلًا حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ. (٥)

وَعَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى كُل مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ

_________

(١) سورة النساء ٥٨.

(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ١٣.

(٣) حديث: " ما من عبد يسترعيه الله رعية. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ ١٢٧ - ط السلفية)، ومسلم (٣ ١٤٦٠ - ط الحلبي) من حديث معقل بن يسار، واللفظ لمسلم.

(٤) حديث: " من استعمل رجلًا من عصابة. . . " أخرجه الحاكم (٤ ٩٢ - ٩٣ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وذكر المنذري في الترغيب والترهيب (٣ ١١٨ - ط دار ابن كثير) أن في إسناده راويًا واهيًا.

(٥) حديث: " من ولى من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة. . . أخرجه الحاكم (٤ ٩٣ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وذكر الذهبي في تلخيصه أن في إسناده راويًا قال عنه الدارقطني: متروك.

الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَعْمِل فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ فِي كُل مَوْضِعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَمْثَلَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ، أَدَاءً لِلأَْمَانَةِ وَبُعْدًا عَنِ الْخِيَانَةِ. (١) قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَإِنْ عَدَل عَنِ الأَْحَقِّ الأَْصْلَحِ إِلَى غَيْرِهِ لأَِجْل قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ وَلاَءِ عَتَاقَةٍ، أَوْ صَدَاقَةٍ، أَوْ مُوَافَقَةٍ فِي بَلَدٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ جِنْسٍ، كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ، أَوْ لِرِشْوَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ، أَوْ لِضِغْنٍ فِي قَلْبِهِ عَلَى الأَْحَقِّ، أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَدَخَل فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (٢)

وَأَدَاءُ أَوْلِيَاءِ الأُْمُورِ لِلأَْمَانَةِ - كَمَا قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ - مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلاَثِ شُعَبٍ: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلاَّ يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَتَرْكُ خَشْيَةِ النَّاسِ. (٣)

(ر: أَمَانَةُ ف٣)

جـ - الْعَدْل بَيْنَ النَّاسِ:

٢٦ - الْعَدْل مِيزَانُ اللَّهِ فِي الأَْرْضِ، وَهُوَ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَسَبَبُ صَلاَحِ الْخَلْقِ، وَبِهِ قَامَتِ

_________

(١) السياسة الشرعية ص ١٧، ١٨.

(٢) سورة الأنفال ٢٧.

(٣) السياسة الشرعية ص ٢٠، ٢٧.

السَّمَوَاتُ وَالأَْرْضُ. قَال تَعَالَى: (﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ . (١) وَوَرَدَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٢)

وَلِهَذَا نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوِلاَيَةَ إِذَا شَمِلَهَا الْعَدْل كَانَتْ مِنْ أَفْضَل الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ الْعَادِل مِنَ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ جَمِيعِ الأَْنَامِ. (٣)

قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ إِقَامَةِ الْحَقِّ وَدَرْءِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَقُول الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ مَظْلِمَةٍ فَمَا دُونَهَا، أَوْ يَجْلِبُ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ مَصْلَحَةٍ فَمَا دُونَهَا، فَيَا لَهُ مِنْ كَلاَمٍ يَسِيرٍ وَأَجْرٍ كَبِيرٍ.

أَمَّا وُلاَةُ الْجَوْرِ وَقُضَاةُ السُّوءِ فَأَعْظَمُ النَّاسِ وِزْرًا، وَأَحَطُّهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﷿، لِعُمُومِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُول الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَأْثَمُ بِهَا أَلْفَ إِثْمٍ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى

_________

(١) سورة الحديد ٢٥.

(٢) حديث: " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات. . . " أخرجه مسلم (٤ ١٩٩٦ - ط الحلبي) .

(٣) تحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال للبلاطنسي ص ٢٧٧، وقواعد الأحكام للعز ١ ١٢٠.

حَسَبِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَا لَهَا مِنْ صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ وَتِجَارَةٍ بَايِرَةٍ. (١)

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ جِمَاعَ السِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ وَالْوِلاَيَةِ الصَّالِحَةِ: أَدَاءُ الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَالْحُكْمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْل. (٢) وَحَكَى: إِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلاَ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً. (٣)

د - الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ:

٢٧ - إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوِلاَيَاتِ فِي الإِْسْلاَمِ: إِصْلاَحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِصْلاَحُ مَا لاَ يَقُومُ الدِّينُ إِلاَّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. (٤) وَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. (٥)

- ١٦ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَإِذَا كَانَ جِمَاعُ الدِّينِ وَجَمِيعِ الْوِلاَيَاتِ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ، فَالأَْمْرُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ هُوَ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) قواعد الأحكام ١ ١٢٠.

(٢) السياسة الشرعية ص ١٣.

(٣) الحسبة ص ٩، ١٠.

(٤) السياسة الشرعية ص ٣٩.

(٥) الحسبة ص ٨، ٢٧.

وَالْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَال تَعَالَى: (﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . (١)

وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ قَادِرٍ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ، وَالْقُدْرَةُ هِيَ السُّلْطَانُ وَالْوِلاَيَةُ، فَذَوُو السُّلْطَانِ أَقْدَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ مِنَ الْوُجُوبِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ هُوَ الْقُدْرَةُ، وَيَجِبُ عَلَى كُل إِنْسَانٍ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ.

وَجَمِيعُ الْوِلاَيَاتِ إِنَّمَا مَقْصُودُهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وِلاَيَةُ الْحَرْبِ الْكُبْرَى مِثْل نِيَابَةِ السَّلْطَنَةِ، وَالصُّغْرَى مِثْل وِلاَيَةِ الشُّرَطَةِ، وَوِلاَيَةِ الْحُكْمِ، وَوِلاَيَةِ الْمَال - وَهِيَ وِلاَيَةُ الدَّوَاوِينِ الْمَالِيَّةِ - وَوِلاَيَةِ الْحِسْبَةِ. لَكِنَّ مِنَ الْمُتَوَلِّينَ مَنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الْمُؤْتَمَنِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الصِّدْقُ، مِثْل الشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِثْل صَاحِبِ الدِّيوَانِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ الْمُسْتَخْرَجَ وَالْمَصْرُوفَ، وَالنَّقِيبِ وَالْعَرِيفِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ إِخْبَارُ ذِي الأَْمْرِ بِالأَْحْوَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ

_________

(١) سورة التوبة ٧١.

الأَْمِينِ الْمُطَاعِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعَدْلُ، مِثْل الأَْمِيرِ وَالْحَاكِمِ وَالْمُحْتَسِبِ. وَبِالصِّدْقِ فِي كُل الأَْخْبَارِ، وَالْعَدْل فِي الإِْنْشَاءِ مِنَ الأَْقْوَال وَالأَْعْمَال تَصْلُحُ جَمِيعُ الأَْحْوَال. (١)

هـ - مَشُورَةُ أَهْل الْعِلْمِ وَذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ:

٢٨ - مَشُورَةُ أَهْل الْعِلْمِ وَذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ وَعُمُومِ الأَْمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ . (٢)

قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُشَاوَرَةُ أَصْل الدِّينِ، وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي الْعَالَمِينَ، وَهِيَ حَقٌّ عَلَى عَامَّةِ الْخَلِيقَةِ مِنَ الرَّسُول إِلَى أَقَل خَلْقٍ بَعْدَهُ فِي دَرَجَاتِهِمْ، وَهِيَ اجْتِمَاعٌ عَلَى أَمْرٍ يُشِيرُ كُل وَاحِدٍ بِرَأْيِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإِْشَارَةِ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَيَلْزَمُ ذَا الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ اسْتِشَارَةُ أَهْل الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ فِيمَا خَفِيَ عَنْهُ أَوْ أَشْكَل عَلَيْهِ مِنَ الأُْمُورِ وَالْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِوِلاَيَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فَالشُّورَى أُلْفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَمِسْبَارٌ لِلْعُقُولِ، وَسَبَبٌ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَا تَشَاوَرَ

_________

(١) الحسبة ص ١٢،١٣.

(٢) سورة آل عمران ١٥٩.

قَوْمٌ إِلاَّ هُدُوا. (١)

قَال ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ: وَاجِبٌ عَلَى الْوُلاَةِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لاَ يَعْلَمُونَ، وَفِيمَا أَشْكَل عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَوُجُوهِ الْجَيْشِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرُوبِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ، وَوُجُوهِ الْكُتَّابِ وَالْعُمَّال وَالْوُزَرَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْبِلاَدِ وَعِمَارَتِهَا. (٢)

وَقَدْ مَدَحَ اللَّه مَنْ عَمِل بِهَا فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، فَقَال جَل وَعَلاَ: (﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ . (٣) قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَيْ لاَ يَسْتَبِدُّونَ بِأَمْرٍ، وَيَتَّهِمُونَ رَأْيَهُمْ حَتَّى يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّ عِنْدَهُ مَدْرَكًا لِغَرَضِهِ. وَهَذِهِ سِيرَةٌ أَوَّلِيَّةٌ، وَسُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَخَصْلَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الأُْمَمِ مَرَضِيَّةٌ. (٤)

(ر: شُورَى ف ٥ـ٨)

وـ تَعَهُّدُ حَاجَاتِ الأُْمَّةِ وَرِعَايَةُ مَصَالِحِهَا:

٢٩ - وَذَلِكَ فِي كُل وِلاَيَةٍ بِحَسْبِهَا، فَمَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ

_________

(١) بدائع السلك في طبائع الملك ١ ٢٩٤ ط الدار العربية للكتاب، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ ١٦٥٦.

(٢) مواهب الجليل ٣ ٣٩٥.

(٣) سورة الشورى ٣٨.

(٤) بدائع السلك ١ ٢٩٤.

الْقِيَامُ فِيمَا جُعِل إِلَيْهِ النَّظَرُ فِيهِ وَأُسْنِدَ إِلَيْهِ الْقِوَامَةُ عَلَيْهِ دُونَ تَوَانٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ إِهْمَالٍ. فَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَْزْدِيِّ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ. (١)

وَقَال الْقَرَافِيُّ: كُل مَنْ وَلِيَ وِلاَيَةَ الْخِلاَفَةِ فَمَا دُونَهَا إِلَى الْوَصِيَّةِ، لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا إِلاَّ بِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ. . . . فَالْوِلاَيَةُ إِنَّمَا تَتَنَاوَل جَلْبَ الْمَصْلَحَةِ الْخَالِصَةِ أَوِ الرَّاجِحَةِ وَدَرْءَ الْمَفْسَدَةِ الْخَالِصَةِ أَوِ الرَّاجِحَةِ. (٢)

حُقُوقُ صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:

أـ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ:

٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ بَذْل الطَّاعَةِ لأَِوْلِيَاءِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُل مَا يَأْمُرُونَ بِهِ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ . (٣)

وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄: قَال

_________

(١) حديث: " من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين. . " أخرجه أبو داود (٣ ٣٥٧ - ط حمص)، والحاكم (٤ ٩٤ - ط إدارة المعارف العثمانية)، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ٧٩) الفروق ٤ ٣٩.

(٢) الفروق ٤ ٣٩.

(٣) سورة النساء ٥٩.