الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
الْخَامِسَ عَشَرَ: الرُّجُوعُ عَنِ الْوَكَالَةِ دَلاَلَةً:
١٩٢ - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِدَلاَلَةِ رُجُوعِ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل.
وَمِنْ صُوَرِ رُجُوعِ الْمُوَكِّل دَلاَلَةً عَنِ التَّوْكِيل وَطْءُ الْمُوَكِّل زَوْجَةً وَكَّل فِي طَلاَقِهَا.
وَمِنْ صُوَرِ دَلاَلَةِ رُجُوعِ الْوَكِيل مَا إِذَا قَبِل الْوَكَالَةَ مِنْ مَالِكِ عَبْدٍ فِي عِتْقِهِ وَكَانَ قَدْ وَكَّلَهُ إِنْسَانٌ فِي شِرَائِهِ، فَإِنَّ قَبُول الْوَكَالَةِ فِي عِتْقِهِ يَدُل عَلَى رُجُوعِهِ عَنِ الْوَكَالَةِ الأُْولَى فِي شِرَائِهِ (١) .
_________
(١) مطالب أولي النهى ٣ / ٤٦٠، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٢٩.
وَكِيرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَكِيرَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْوَكْرِ، وَهُوَ عُشُّ الطَّائِرِ أَيْنَ كَانَ، فِي جَبَلٍ أَوْ شَجَرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، يُقَال: وَكَرَ الطَّائِرُ: أَتَى الْوَكْرَ أَوْ دَخَلَهُ، وَوَكَرَ الظَّبْيُ: وَثَبَ، وَوَكَرَ الإِْنَاءَ: مَلأَهُ، وَيُقَال: وَكَّرَ الطَّائِرُ - بِالتَّشْدِيدِ - اتَّخَذَ وَكْرًا، وَوَكَّرَ فُلاَنٌ: اتَّخَذَ الْوَكِيرَةَ، وَوَكَّرَ الْقَوْمَ: أَطْعَمَهُمُ الْوَكِيرَةَ.
وَالْوَكْرَةُ وَالْوَكَرَةُ وَالْوَكِيرَةُ: الطَّعَامُ يَتَّخِذُهُ الشَّخْصُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ بُنْيَانٍ فَيَدْعُو إِلَيْهِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُتَّخَذُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ بِنَاءِ الدُّورِ فَيُدْعَى إِلَيْهِ (٢) .
_________
(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٤٩٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٣٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٤، وحاشيتا القليوبي وعميرة على شرح المنهاج ٣ / ٢٩٤، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٥ / ٢٣١.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوَلِيمَةُ:
٢ - الْوَلِيمَةُ فِي اللُّغَةِ: طَعَامُ الْعُرْسِ، أَوْ كُل طَعَامٍ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوِ اتُّخِذَ لِجَمْعٍ.
يُقَال: أَوْلَمَ فُلاَنٌ: عَمِل وَلِيمَةً، وَأَوْلَمَ فُلاَنٌ: اجْتَمَعَ خَلْقُهُ وَعَقْلُهُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْوَلِيمَةُ تَقَعُ عَلَى كُل طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ مِنْ عُرْسٍ وَإِمْلاَكٌ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنِ اسْتِعْمَالُهَا مُطْلَقَةً فِي الْعُرْسِ أَشْهَرُ (٢) .
وَالْوَلِيمَةُ تُطْلَقُ بِمَعْنَاهَا الأَْعَمِّ عَلَى الدَّعَوَاتِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِمُنَاسَبَاتٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ الشَّنْدَخِيَّةُ، وَالإِْعْذَارُ، وَالْخُرْسُ، وَالْعَقِيقَةُ، وَالْوَكِيرَةُ، وَالنَّقِيعَةُ، وَالتُّحْفَةُ، وَالْحُذَّاقُ، وَالشِّنْدَاخُ، وَالْعَتِيرَةُ.
وَلِلتَّفْصِيل فِي الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْوَلاَئِمِ تُنْظَرُ الْمُصْطَلَحَاتُ الْخَاصَّةُ بِهَا وَمُصْطَلَحُ (دَعْوَة ف ٢٦
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَكِيرَةِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيرَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٧.
فِعْل الْوَكِيرَةِ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ فِعْل الْوَكِيرَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا:
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْوَكِيرَةُ - كَسَائِرِ الْوَلاَئِمِ غَيْرَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ - مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلاَ تَتَأَكَّدُ تَأَكُّدَ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ.
قَال الْمُتَوَلِّي: وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا فِي وُجُوبِ سَائِرِ الْوَلاَئِمِ؛ لأَِنَّ الشَّافِعِيَّ قَال بَعْدَ ذِكْرِهَا: وَلاَ أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فِعْل الدَّعَوَاتِ لِغَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ مُبَاحٌ، فَلاَ يُكْرَهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ. . نَصًّا، أَمَّا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَلِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ (٢)، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ (٣)، وَلَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَمْ يَأْمُرِ - النَّبِيُّ ﷺ بِإِجَابَتِهَا، وَلَبَيَّنَهَا.
_________
(١) روضة الطالبين للنووي ٧ / ٢٣٣، وشرح المحلي على المنهاج بهامش حاشيتي القليوبي وعميرة ٣ / ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٢) حديث: " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٥٤ ط - الحلبي) .
(٣) أثر ابن عمر أنه كان يأتي الدعوة في العرس. . . أخرجه مسلم (٢ / ١٠٥٣ - ط الحلبي) .
وَأَمَّا عَدَمُ اسْتِحْبَابِهَا فَلأَِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُفْعَل فِي عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَعَهْدِ أَصْحَابِهِ، فَرَوَى الْحَسَنُ قَال: دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ إِلَى خِتَانٍ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، وَقَال: " إِنَّا كُنَّا لاَ نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، ولاَ نُدْعَى لَهُ (١) .
وَقَالُوا: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَقِيقَةِ، أَمَّا الْعَقِيقَةُ فَتُسَنُّ، وَفِي غَيْرِ دَعْوَةِ مَأْتَمٍ فَتُكْرَهُ (٢) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الدَّعْوَةُ - أَيْ فِي غَيْرِ التَّزْوِيجِ - فِي حَقِّ فَاعِلِهَا لَيْسَتْ لَهَا فَضِيلَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهَا، لَكِنْ إِذَا قَصَدَ فَاعِلُهَا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَإِطْعَامَ إِخْوَانِهِ، وَبَذْل طَعَامِهِ، فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (٣) .
حُكْمُ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَكِيرَةِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ
_________
(١) أثر الحسن: دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختان. . . أخرجه أحمد (٤ / ٢١٧ ط - الميمنية)، وأشار ابن قدامة في المغني إلى عدم ثبوته (١٠ / ٢٠٧ ط - هجر) .
(٢) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٤، وكشاف القناع ٥ / ١٦٨.
(٣) المغني لابن قدامة ٧ / ١٢.
الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١)، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: أُمِرْنَا بِإِجَابَةِ الدَّاعِي (٢)، وَأَدْنَى أَحْوَال الأَْمْرِ الاِسْتِحْبَابُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ جَبْرِ قَلْبِ الدَّاعِي وَتَطْيِيبِ خَاطِرِهِ، وَدُعِيَ أَحْمَدُ إِلَى خِتَانٍ فَأَجَابَ وَأَكَل (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَكِيرَةِ وَسَائِرِ الْوَلاَئِمِ غَيْرَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ. فَفِي الْحَدِيثِ مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ وَنَحْوِهِ فَلْيُجِبْ (٤) وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ (٥) وَقَضِيَّتُهُمَا وُجُوبُ الإِْجَابَةِ فِي سَائِرِ الْوَلاَئِمِ (٦) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ حُضُورَ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ مَكْرُوهٌ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ أَنَّ حُضُورَ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ مُبَاحٌ (٧) .
_________
(١) البناية ٩ / ٢٠٢، وروضة الطالبين ٧ / ٣٣٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٥، ٢٤٦، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٤.
(٢) حديث البراء: أمرنا بإجابة الداعي. . . أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣١٥ - ط السلفية) .
(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٤.
(٤) حديث: " من دعي إلى عرس ونحوه فليجب " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٥٣ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر برواتيته.
(٥) حديث: " من دعي إلى عرس ونحوه فليجب " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٥٣ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر برواتيته.
(٦) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٥، وحاشية الشرواني مع تحفة المحتاج ٧ / ٤٢٦، وروضة الطالبين ٧ / ٣٣٣.
(٧) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٢ / ٤٩٩.
حِكْمَةُ الإِْجَابَةِ وَالْقَصْدُ بِهَا:
٥ - الْحِكْمَةُ فِي الإِْجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِمَشْرُوعِيَّتِهَا إِدْخَال السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الدَّاعِي، وَجَبْرُ قَلْبِهِ، وَتَطْيِيبُ خَاطِرِهِ.
وَيَنْبَغِي - كَمَا نَقَل الرَّمْلِيُّ عَنِ الْغَزَالِيِّ - أَنْ يَقْصِدَ الْمَدْعُوُّ بِإِجَابَتِهِ الاِقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ حَتَّى يُثَابَ، وَزِيَارَةَ أَخِيهِ وَإِكْرَامِهِ حَتَّى يَكُونَ مِنَ الْمُتَحَابِّينَ الْمُتَزَاوِرِينَ فِي اللَّهِ ﷾، أَوْ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ كِبْرٌ أَوِ احْتِقَارُ مُسْلِمٍ (١) .
الأَْكْل مِنْ طَعَامِ الْوَكِيرَةِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ طَعَامَ الْوَكِيرَةِ وَقَدْ دُعِيَ إِلَيْهِ أَكْلُهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ صَائِمٍ.
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ: وُجُوبُ أَكْل الْمُفْطِرِ مُحْتَمِلٌ، وَنُقِل عَنِ النَّوَوِيًّ أَنَّهُ اخْتَارَ الْوُجُوبَ أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ إِلَى طَعَامِ الْوَكِيرَةِ صَائِمًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ وَاجِبًا، أَوْ تَطَوُّعًا.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، وفتح الباري ٩ / ٢٤٦ - ٢٤٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٤، والمغني ٧ / ١٢، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٧.
فَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ وَاجِبًا أَتَمَّهُ، وَلاَ يَأْكُلُ، بَل يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
؟ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ؟ (١)، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَفِي رِوَايَةٍ: ". . . فَلْيَدَعُ " (٢) أَيْ بَدَلًا مِنْ " فَلْيُصَل ".
وَإِنْ كَانَ الْمُدْعُوُّ مُتَطَوِّعًا بِالصَّوْمِ. . فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ وَالأَْكْل إِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ صَوْمُهُ وَعَدَمُ أَكْلِهِ مِنْ طَعَامِهِ لإِمْكَانِ تَدَارُكِ الصَّوْمِ بِنَدْبِ قَضَائِهِ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَال: صَنَعْتُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ طَعَامًا، فَأَتَانِي هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا وُضِعَ الطَّعَامُ قَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَال ﷺ: " دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ. ثُمَّ قَال لَهُ: أَفْطِرْ ثُمَّ صُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ (٣) وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِدْخَال السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ (٤) . وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ
_________
(١) سورة محمد / ٣٣.
(٢) حديث: " إذا دعي أحدكم فليجب ". . . أخرجه مسلم (٢ / ١٠٥٤ - ط الحلبي)، والرواية الأخرى للبيهقي (٧ / ٢٦٣ - ط دائرة المعارف العثمانية)
(٣) حديث أبي سعيد: " صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا ". . . أخرجه البيهقي (٤ / ٢٧٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (٤ / ٢١٠ - ط السلفية) .
(٤) نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ١٨٠، وفتح الباري ٩ / ٢٤٧ - ٢٤٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، ومواهب الجليل ٤ / ٥، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٥.
فَالإِْمْسَاكُ أَفْضَل لِلصَّائِمِ.
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ الإِْلْحَاحُ فِي الأَْكْل لِلْمَدْعُوِّ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْفِطْرِ فِي التَّطَوُّعِ، أَوِ الأَْكْل إِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَإِنَّ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ جَائِزٌ، وَإِذَا أَلْزَمَهُ بِمَا لاَ يَلْزَمُهُ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا (١) .
شُرُوطُ الإِْجَابَةِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْوَكِيرَةِ: اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَكِيرَةِ شُرُوطًا، مِنْهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي مَكَانِ الدَّعْوَةِ، وَمِنْهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الدَّاعِي، وَمِنْهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْمَدْعُوِّ، وَمِنْهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الدَّعْوَةِ نَفْسِهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي وَلِيمَة.
_________
(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٥.
وَلاَءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَلاَءُ لُغَةً مِنَ الْوَلْيِ، وَهُوَ أَصْلٌ يَدُل عَلَى الْقُرْبِ. قَال الرَّاغِبُ: وَيُسْتَعَارُ ذَلِكَ لِلْقُرْبِ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ، وَمِنْ حَيْثُ النِّسْبَةُ، وَمِنْ حَيْثُ الدِّينُ، وَمِنْ حَيْثُ الصَّدَاقَةُ وَالنُّصْرَةُ وَالاِعْتِقَادُ.
وَمِنَ الْبَابِ: الْمَوْلَى، وَيُقَال لاِبْنِ الْعَمِّ وَالنَّاصِرِ وَالْحَلِيفِ وَالصَّاحِبِ وَالْمُعِينِ وَالْمُعْتَقِ وَالْجَارِ وَغَيْرِهِمْ.
أَمَّا الْوِلاَءُ - بِالْكَسْرِ - وَالتَّوَالِي، فَمَعْنَاهُمَا الْمُتَابَعَةُ، وَهِيَ أَنْ يَحْصُل شَيْئَانِ فَصَاعِدَا حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا.
وَالْبَابُ كُلُّهُ - كَمَا قَال ابْنُ فَارِسٍ فِي مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ - رَاجِعٌ إِلَى الْقُرْبِ. (١)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْوَلاَءُ اصْطِلاَحًا: فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) معجم مقاييس اللغة ٦ ١٤١، ومفردات الراغب ص ٨٨٥ " ط دار القلم "، والمصباح المنير ٢ ٨٤١، وحلية الفقهاء ص ٢٠٨، وأساس البلاغة ص ٥٠٩، والمغرب ٢ ٣٧١، وأنيس الفقهاء للقونوي ص ٢٦١ وما بعدها.