الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
وَإِنْ أُخِّرَ لِمَانِعٍ كَالْحَمْل فَقَدْ تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي عَزْلِهِ، وَكَذَا يَنْعَزِل الْوَكِيل بِرِدَّةِ مُوَكِّلِهِ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الاِسْتِتَابَةِ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُقْتَل لِمَانِعٍ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ عَزْل الْوَكِيل بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل يَنْبَنِي عَلَى الْخِلاَفِ الْجَارِي فِي زَوَال مِلْكِ الْمُوَكِّل الْمُرْتَدِّ عَنْ مِلْكِهِ (٢) .
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي زَوَال مِلْكِ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ أَقْوَالًا:
أَحَدُهَا: يَزُول مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ لِزَوَال عِصْمَةِ الإِْسْلاَمِ، وَقِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ. وَعَلَيْهِ يَنْعَزِل الْوَكِيل.
وَالثَّانِي: لاَ يَزُول مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ كَالزَّانِي الْمُحْصِنِ فَلا يَنْعَزِل.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَظْهَرُ الأَْقْوَال: أَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَانَ زَوَالُهُ بِالرِّدَّةِ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، لأَِنَّ بُطْلاَنَ أَعْمَالِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَوْتِهِ مُرْتَدًّا فَكَذَا مِلْكُهُ، فَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْوَكِيل مَوْقُوفًا.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَطَعَ بِاسْتِمْرَارِ مِلْكِهِ، وَجَعَل الْخِلاَفَ فِي أَنَّهُ هَل يَصِيرُ بِالرِّدَّةِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ؟ (٣) .
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٩٦.
(٢) نهاية المحتاج ٥ / ٥٦.
(٣) روضة الطالبين ١٠ / ٧٨.
وَقَالُوا: رِدَّةُ الْوَكِيل لاَ تُوجِبُ انْعِزَالَهُ، وَعَلَيْهِ فَتَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ عَنِ الْمُوَكِّل (١) .
وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِرِدَّةِ الْوَكِيلِ، أَوْ رِدَّةِ الْمُوَكِّل. وَلَهُمْ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: لاَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْوَكِيل وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَا بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَهُمْ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُوَكِّل بَعْدَ رِدَّتِهِ.
وَالرَّأْيُ الثَّانِي: تَبْطُل بِرِدَّةِ الْوَكِيل وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَا بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَهَل يَنْعَزِل الْوَكِيل بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؟ وَجْهَانِ فِي الْمَذْهَبِ أَصْلُهُمَا هَل يَنْقَطِعُ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفُهُ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا.
كَمَا أَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْخِلاَفَ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ إِذَا وَكَّلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل مَعًا.
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْطَى حُكْمَهُ لَوِ انْفَرَدَ بِالاِرْتِدَادِ (٢) .
(ر: رِدَّة ف٤٣) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٥٦، وحاشية الجمل ٣ / ٤٠٣.
(٢) تصحيح الفروع ٤ / ٣٤٣ـ٣٤٤ طـ عالم الكتب، وانظر الإنصاف ٥ / ٣٧٠ـ٣٧١، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٥٤.
سَابِعًا: الْفِسْقُ:
١٨٣ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِفِسْقِ الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل التَّصَرُّفِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِيمَا يُنَافِيِه الْفِسْقُ فَحِينَئِذٍ تَبْطُل. فَالْوَكِيل بِالإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ إِذَا فَسَقَ انْعَزَل بِفِسْقِهِ، أَوْ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيِّةِ التَّصَرُّفِ. أَمَّا إِذَا كَانَ وَكِيلًا فِي الْقَبُول لِلْمُوَكِّل فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِل بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ. لأَِنَّهُ لاَ يُنَافِي جَوَازَ قَبْولِهِ. وَفِي عَزْلِهِ بِفِسْقِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الأَْمَانَةُ، كَوَكِيل وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَوَلِيِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَنَحْوِ هَذَا، انْعَزَل بِفِسْقِ نَفْسِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، لِخُرُوجِهِمَا بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنَّ الْوَكِيل فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَنْعَزِل بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لِوَكِيل مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مَال نَفْسِهِ انْعَزَل بِفِسْقِهِ. لأَِنَّ الْوَكِيل لَيْسَ لَهُ تَوْكُيل فَاسِقٍ، وَلاَ يَنْعَزِل بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ لأَِنَّ مُوَكِّلَهُ وَكِيلٌ لِرَبِّ الْمَال وَلاَ يُنَافِيِه الْفِسْقُ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِفِسْقِ
_________
(١) المغني ٥ / ٢٤٤، وانظر كشاف القناع ٣ / ٤٦٩، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٥٤، والإنصاف ٥ / ٣٦٩.
الْمُوَكِّل فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْفِسْقِ (١) .
ثَامِنًا: السُكْرُ:
١٨٤ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَكِرَ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل بِلاَ تَعَدٍّ (أَيْ بِمُبَاحٍ) انْعَزَل الْوَكِيل.
أَمَّا إِذَا سَكِرَ أَحَدُهُمَا بِتَعَدٍّ (أَيْ بِمُحَرَّمٍ) فَيُحْتَمَل أَنَّهُ يَنْعَزِل الْوَكِيل لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ، لأَِنَّ الْمُتَعَدِّيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّاحِي. (٢)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالسُّكْرِ الَّذِي يُفَسَّقُ بِهِ فِي غَيْرِ مَا يُنَافِيهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وَأَمَّا مَا يُنَافِي الْفِسْقَ كَالإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل فِيهِ بِالسُّكْرِ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالسُّكْرِ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْمُوَكِّل أَوْ عَلَى الْوَكِيلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ مِنْ مُحَرَّمٍ.
وَقَالُوا: الْوَكِيل بِالطَّلاَقِ صَاحِيًا إِذَا سَكِرَ فَطَلَّقَ لَمْ يَقَعْ، وَالْوَكِيل بِالْبَيْعِ لَوْ سَكِرَ فَبَاعَ لَمْ
_________
(١) تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٥ / ٣٤٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٥٦.
(٢) حاشية الشرواني مع تحفة المحتاج ٥ / ٣٤٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٥٥، وإعانة الطالبين ٣ / ٩٦.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٤٦٩، والإنصاف ٥ / ٣٦٩، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٢٤٤.
يَنْفُذْ عَلَى مُوَكِّلِهِ (١) .
تَاسِعًا: خُرُوجُ مَحَل التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّل:
١٨٥ - تَبْطُل الْوَكَالَةُ إِذَا تَصَرَّفَ الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ فِي مَحَل الْوَكَالَةِ تَصَرُّفًا يَعْجَزُ الْوَكِيل عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَهُ.
فَلَوْ وَكَّل شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً، وَلَكِنْ قَبْل أَنْ يَبِيعَهَا الْوَكِيل قَامَ الْمُوَكِّل بِبَيْعِهَا بِنَفْسِهِ، أَوِ اسْتُحِقَّتْ لِشَخْصٍ آخَرَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لأَِنَّ الْوَكِيل عَجَزَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ فِي مَحَل الْوَكَالَةِ، لِزَوَال مِلْكِ الْمُوَكِّل فَيَنْتَهِي حُكْمُ الْوَكَالَةِ. وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَتَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ وَكَّل شَخْصًا عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ، ثُمَّ بَاعَهَا الْمُوَكِّل لِشَخْصٍ، وَبَاعَهَا الْوَكِيل لآِخَرَ، فَالأَْوَّل مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ هُوَ اللاَّزِمُ، وَالثَّانِي بَيْعٌ فُضُولِيٌّ لاِنْتِقَال السِّلْعَةِ لِلْمُشْتَرِي الأَْوَّل بِالْبَيْعِ فِي كُل حَالٍ، إِلاَّ حَال تَلَبُّسِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِقَبْضِ السِّلْعَةِ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣١١.
(٢) البدائع ٦ / ٥٥، وتكملة ابن عابدين ١ / ٢٨٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٦٣٦، والبحر الرائق ٧ / ١٩٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٣، وكشاف القناع ٣ / ٤٧٠، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٢٨.
مِنَ الْبَائِعِ الثَّانِي، فَيَمْضِي الْبَيْعُ الثَّانِي وَيُرَدُّ الْبَيْعُ الأَْوَّلُ، إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ الثَّانِي وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ الْبَيْعَ الأَْوَّلَ، وَإِلاَّ فَهِيَ لِلأَْوَّل كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِإِقْرَارِ الْوَكِيل عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضِ شَيْءٍ وَكَّل الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ أَوِ الْخُصُومَةَ فِيهِ لاِعْتِرَافِ الْوَكِيل بِذَهَابِ مَحَل الْوَكَالَةِ بِالْقَبْضِ (٢) .
١٨٦ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَوْدَةِ الْوَكَالَةِ إِذَا عَادَ مَحَل التَّصَرُّفِ إِلَى الْمُوَكِّل.
فَقَال مُحَمَّدٌ: تَعُودُ، لأَِنَّ الْعَائِدَ بِالْفَسْخِ عَيْنُ الْمِلْكِ الأَْوَّل فَيَعُودُ بِحُقُوقِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ: لاَ تَعُودُ، لأَِنَّ تَصَرُّفَ الْمُوَكِّل نَفْسِهِ يَتَضَمَّنُ عَزْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ أَعْجَزَهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيمَا وَكَّلَهُ بِهِ، وَالْوَكِيل بَعْد عَزْلِهِ لاَ يَعُودُ وَكِيلًا إِلاَّ بِتَجْدِيدِ الْوَكَالَةِ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمُوَكِّل لَهُ وَعَادَ إِلَيْهِ مِلْكُهُ الْقَدِيمُ بِمَا هُوَ فَسْخٌ عَادَتِ الْوَكَالَةُ، أَمَّا إِنْ رَدَّ إِلَيْهِ لاَ يَكُونُ فَسْخًا، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَعُودُ،
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٣٠، وانظر الخرشي ٦ / ٨٢.
(٢) مطالب أولي النهى ٣ / ٤٥٦، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٢٩.
فَلَوْ وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي هِبَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ وَهَبَهُ الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيل الْهِبَةُ (١) .
عَاشِرًا: تَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ:
١٨٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ
فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ عَلَى آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَكِيل إِذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ.
كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَتَصَرُّفًا، فَإِذَا تَعَدَّى الْوَكِيل فِيهِ بَطَلَتِ الأَْمَانَةُ، وَبَقِيَ التَّصَرُّفُ. كَالرَّهْنِ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَوَثِيقَةً، فَإِذَا تَعَدَّى فِيهِ بَطَلَتِ الأَْمَانَةُ وَبَقِيَتِ الْوَثِيقَةُ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيل. إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْوَكِيلِ، لأَِنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ فَتَبْطُل بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ (٢) .
_________
(١) تكملة ابن عابدين ١ / ٢٨٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٦٣٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٣.
(٢) المهذب ١ / ٣٦٤، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٠، والمغني ٥ / ٢٤٤، وكشاف القناع ٣ / ٤٦٩، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٣٠، والإنصاف ٥ / ٣٦٩ـ ٣٧٠.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا الْخِلاَفَ يَجْرِي فِيمَا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْفِعْلِ، بِأَنْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا.
أَمَّا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْقَوْل كَمَا لَوْ بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ - وَلَوْ بِسَلَمٍ - فَلاَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ جَزْمًا، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ فِيمَا وُكِّل فِيهِ.
وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ بَعْدَ سَرْدِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ: مُلَخَّصُهُ: إِنْ أَتْلَفَ الْوَكِيل بِتَعَدِّيهِ عَيْنَ مَا وُكِّل فِيهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُ مَا تَعَدَّى فِيهِ بَاقِيَةً لَمْ تَبْطُل (١) .
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: تَفْسُدُ الْوَكَالَةُ فِي الأَْصَحِّ بِتَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِيمَا جَاءَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ اسْتِئْمَانٍ، فَإِذَا زَال أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُل الآْخَرُ.
قَال ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأَْصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الْوَكِيل تَقْتَضِي فَسَادَ الْوَكَالَةِ لاَ بُطْلاَنَهَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الإِْذْنِ (٢) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٣٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٨، والإنصاف ٥ / ٣٧٠.
(٢) الإنصاف ٥ / ٣٦٩ـ٣٧٠، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٣٠ وانظر كشاف القناع ٣ / ٤٦٩، والقواعد لابن رجب ص٦٤ـ٦٥ القاعدة (٤٥) .
الْحَادِي عَشَرَ: إِنْكَارُ الْوَكَالَةِ:
١٨٨ - يَرَى الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِجُحُودِ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل الْوَكَالَةَ، لأَِنَّ الْجُحُودَ مِنْهُمَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدُل عَلَى دَفْعِ الإِْذْنِ السَّابِقِ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ثُمَّ قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلاَقًا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ عَلَيْهِ الْفَتْوَى - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ - إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِالْجُحُودِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ إِنْكَارَ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الإِْخْفَاءِ لَيْسَ بِعَزْلٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِخَوْفِ أَخْذِ ظَالِمٍ الْمَال الْمُوَكَّل فِيهِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ أَحَدُهُمَا إِنْكَارَ الْوَكَالَةِ وَلا غَرَضَ لَهُمَا انْعَزَل بِذَلِكَ، لأَِنَّ الْجَحْدَ حِينَئِذٍ رَدٌّ لِلْوَكَالَةِ. (١)
الثَّانِي عَشَرَ: تَلَفُ مَا تَعَلَّقَتِ الْوَكَالَةُ بِهِ:
١٨٩ - تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِتَلَفِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَلَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الَّتِي وُكِّل فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ أَوِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤١٧، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٥٨، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٣٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٥٦.
بِغَيْرِهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ. وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمَرْأَةِ الْمُوَكَّل بِطَلاَقِهَا، لِهَلاَكِ مَحَل الْوَكَالَةِ. فَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَحَل لاَ يُتَصَوَّرُ بَعْدَ هَلاَكِهِ، وَالْوَكَالَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَا لاَ يَحْتَمِل التَّصَرُّفَ مُحَالٌ فَبَطَل (١) .
الثَّالِثَ عَشَرَ: افْتِرَاقُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ:
١٩٠ - إِذَا وَكَّل الشَّرِيكَانِ شَخْصًا فَافْتَرَقَا أَوِ افْتَرَقَ أَحَدُهُمَا انْعَزَل الْوَكِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، لأَِنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ، وَلأَِنَّهُ وُكِّل مِنْ قِبَل الشَّرِكيَيْنِ لِغَرَضِ الشَّرِكَةِ، فَإِذَا تَفَرَّقَا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ، فَبَطَل التَّوْكِيل الْحَاصِل بِسَبَبِهَا (٢) .
الرَّابِعَ عَشَرَ: إِنْجَازُ التَّصَرُّفِ الْمُوَكَّل فِيهِ:
١٩١ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِلاَ عَزْلٍ بِنِهَايَةِ الشَّيْءِ الْمُوَكَّل فِيهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ فَقَبَضَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ فَزَوَّجَهُ (٣) .
_________
(١) معونة أولي النهى ٤ / ٦٢٩، والمغني مع الشرح ٥ / ٢٤٦، وكشاف القناع ٣ / ٤٦٩، وبدائع الصنائع ٦ / ٥٦، والفتاوى الهندية ٣ / ٦٢٨، وقليوبي وعميرة ٢ / ٣٤٥.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٩٣٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤١٨.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٤١٧.