الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

وَلَوْ أَمَرَهُ الْوَكِيل بِقَبْضِ الثَّمَنِ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ، وَأَيُّهُمَا طَلَبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَلَوْ نَهَاهُ الْوَكِيل عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحَّ نَهْيُهُ.

وَلَوْ نَهَى الْمُوَكِّل الْوَكِيل عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ لاَ يُعْمَل نَهْيُهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا نَقَدَ الثَّمَنَ إِلَى الْمُوَكِّل يَبْرَأُ عَنِ الثَّمَنِ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا الْوَكِيل هُوَ الْمُطَالَبُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِذَا نَقَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَلاَ يُطَالَبُ بِهِ الْمُوَكِّل.

وَإِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيل إِنْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ نَقَدَهُ إِلَى الْمُوَكِّل يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْوَكِيل.

وَإِذَا أَثْبَتَ الْعَيْبَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَخَذَ الثَّمَنَ مِنَ الْوَكِيل إِنْ كَانَ نَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَ نَقَدَهُ إِلَى الْمُوَكِّل أَخَذَهُ مِنْهُ، وَكَذَا الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ هُوَ الْمُطَالَبُ بِالثَّمَنِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الْمَبِيعَ دُونَ الْمُوَكِّلِ، وَإِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ دُونَ الْمُوَكِّل.

وَلَوْ وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا: إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَى الْمُوَكِّل بَعْدُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِه بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِرِضَا مُوَكِّلِهِ.

وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الإِْجَارَةِ وَالاِسْتِئْجَارِ

وَأَخَوَاتِهِمَا، وَكُل عَقْدٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّل فَحُقُوقُهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ وَالْعَتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْكِتَابَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارِ الْمُدَعَّى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَكُونُ لِلْمُوَكِّل وَعَلَيْهِ. وَالْوَكِيل فِيهَا يَكُونُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا مَحْضًا، حَتَّى إِنَّ وَكِيل الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ لاَ يُطَالَبُ بِالْمَهْرِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِهِ الزَّوْجُ، إِلاَّ إِذَا ضَمِنَ الْمَهْرَ فَحِينَئِذٍ يُطَالَبُ بِهِ لَكِنْ بِحُكْمِ الضَّمَانِ، وَوَكِيل الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ الْمَهْرِ.

وَكَذَا الْوَكِيل بِالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ بَدَل الْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ إِنْ كَانَ وَكِيل الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيل الْمَرْأَةِ لاَ يُطَالَبُ بِبَدَل الْخُلْعِ إِلاَّ بِالضَّمَانِ، وَكَذَا الْوَكِيل بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ (١) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعٍ فَعَلَيْهِ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ، لأَِنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ.

وَإِذَا وَكَّلَهُ عَلَى اشْتِرَاءٍ فَعَلَيْهِ قَبْضُ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ وَتَسْلِيمُهُ لِلْمُشْتَرِي.

وَعَلَيْهِ رَدُّ الْمَعِيبِ إِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ حَال شِرَائِهِ.

وَالْوَكِيل مُطَالَبٌ بِثَمَنٍ لِسِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا لِمُوَكِّلِهِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٤٧٦، ٣٤٧٧.

وَمُثَمَّنٍ اشْتَرَاهُ لَهُ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِأَنْ قَال: لاَ أَتَوَلَّى ذَلِكَ لَمْ يُطَالَبْ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ مُوَكِّلُهُ (١) .

وَقَالُوا: الْوَكِيل مُطَالَبٌ بِالْعُهْدَةِ مِنْ عَيْبٍ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ مَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ فَإِنَّهُ يُطَالِبُ الْمُوَكِّل لاَ الْوَكِيلَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَكِيل مُفَوَّضًا فَيُطَالِبُ أَيَّهُمَا شَاءَ (٢) .

كَيْفِيَّةُ انْصِرَافِ حُكْمِ الْعَقْدِ إِلَى الْمُوَكِّل:

١٦٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ انْصِرَافِ حُكْمِ الْعَقْدِ إِلَى الْمُوَكِّل:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ - وَهُوَ قَوْل أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ كَذَلِكَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ يَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل مُبَاشَرَةً، لأَِنَّ الْعَقْدَ لَهُ فَوَقَعَ الْمِلْكُ لَهُ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ بِنَفْسِهِ.

وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْوَجْهُ الْمُقَابِل لِلصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ لِلْوَكِيل أَوَّلًا، ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل لأَِنَّ الْخِطَابَ جَرَى مَعَهُ، فَلَوْ وَكَّل رَجُلٌ آخَرَ لِيَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً فَاشْتَرَاهَا

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٣٨١ والخرشي ٦ / ٧٢.

(٢) الدسوقي ٣ / ٣٨٢.

الْوَكِيلُ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَكِيل أَوَّلًا، وَلَكِنَّهُ مِلْكٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لأَِنَّهُ يَعُودُ وَيَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل (١) .

وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ، إِلَى أَنَّ الْوَكِيل نَائِبٌ عَنِ الْمُوَكِّل فِي حَقِّ الْحُكْمِ، أَصِيلٌ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ، فَإِنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ لَهُ ثُمَّ تَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل (٢) .

اخْتِلاَفُ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل

ِلاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل صُوَرٌ نُبَيِّنُهَا فِيمَا يَلِي:

أ - الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل الْوَكَالَةِ:

١٦١ - إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل الْوَكَالَةِ، فَقَال الْوَكِيل: وَكَّلْتَنِي فِي كَذَا، وَلَكِنَّ الْمُوَكِّل أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَال لَهُ: لَمْ أُوَكِّلْكَ.

فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ اخْتِلاَفٌ فِي أَصْل الْوَكَالَةِ كَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل. لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْوَكَالَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٣٧٢، والمهذب ١ / ٣٥٦، وروضة الطالبين ٤ / ٣٢٦، والمغني ٥ / ٢٦٣، وتكملة ابن عابدين ٧ / ٢٩١، ٢٩٢، والبحر الرائق ٧ / ١٥١، وتكملة فتح القدير ٨ / ١٦ - ١٨، والفتاوى البزازية ٣ / ٤٨٨.

(٢) تكملة ابن عابدين ٧ / ١٩١، ٢٩٢، والبحر الرائق ٧ / ١٥١، وتكملة فتح القدير ٨ / ١٦ - ١٨، والفتاوى البزازية بهامش الهندية ٣ / ٤٨٨.

لِيُقْبَل قَوْلُهُ عَلَيْهِ (١) .

ب - الاِخْتِلاَفُ فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ:

١٦٢ - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ، كَأَنْ يَقُول الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْبَعِيرِ، وَيَقُول الْوَكِيل: بَل وَكَّلْتَنِي فِي بَيْعِ هَذِهِ النَّاقَةِ. أَوْ قَال الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ، وَقَال الْوَكِيل: بَل بِأَلْفٍ، أَوْ قَال الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِهِ نَقْدًا، وَقَال الْوَكِيل: بَل نَسِيئَةً.

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَنْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي تُمَثِّل الاِخْتِلاَفَ بَيْنَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - اخْتَارَهُ الْقَاضِي - إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل.

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل فِي التَّوْكِيل الَّذِي يَدَّعِيهِ الْوَكِيل - وَالأَْصْل عَدَمُهُ - فَكَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل الَّذِي يَنْفِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّل بِتَوْكِيلِهِ فِي غَيْرِهِ.

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ قَوْل الْمُوَكِّلِ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِي صِفَةِ كَلاَمِهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي صِفَةِ الطَّلاَقِ.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ صُورَتَيْنِ،

_________

(١) وروضة الطالبين ٤ / ٣٣٨، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٦٩١، والدسوقي ٣ / ٣٩٣، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٧٢.

حَيْثُ قَالُوا بِقَبُول قَوْل الْوَكِيل بِيَمِينِهِ فِيهِمَا، وَهُمَا:

الصُّورَةُ الأُْولَى: وَكَّل شَخْصٌ غَيْرَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ وَدَفَعَ لِلْوَكِيل الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، فَزَعَمَ الْمُوَكِّل أَنَّهُ أَمَرَ الْوَكِيل بِشِرَاءِ غَيْرِهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ يَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيل لَزِمَتِ السِّلْعَةُ الْمُوَكِّل.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ، فَبَاعَهَا الْوَكِيل بِعَشَرَةٍ مَثَلًا وَادَّعَى أَنَّ الْمُوَكِّل أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَال الْمُوَكِّل: بَل أَمَرْتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل بِيَمِينِهِ إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَال عَيْنِهِ وَأَشْبَهَ قَوْل ذَلِكَ الْوَكِيلِ، سَوَاءٌ أَشْبَهَ الْمُوَكِّل أَمْ لاَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفُتْ وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفِ الْمُوَكِّلُ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُوَكِّل كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ.

وَالْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل بِيَمِينِهِ إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ وَأَشْبَهَ قَوْلَهُ وَحْدَهُ، أَوْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفُتْ وَحَلَفَ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْقَوْل عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ قَوْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ (١) .

_________

(١) البحر الرائق ٧ / ١٧١، وتكملة فتح القدير ٨ / ٦٤، وروضة الطالبين ٤ / ٣٣٨، والإنصاف ٥ / ٣٩٩، ٤٠٠، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٢٢٦، ٢٢٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٥٢١ - ٥٢٢.

جـ - اخْتِلاَفُ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي تَلَفِ الْمُوَكَّل فِيهِ:

١٦٣ - إِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل حَوْل تَلَفِ مَا بِيَدِ الأَْوَّل لِلثَّانِي مِنْ ثَمَنٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ.

فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ يَمِينِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَكِيل أَمِينٌ، وَمَا بِيَدِهِ يُعْتَبَرُ أَمَانَةً، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ يُكَلَّفُ ذَلِكَ كَالْمُودَعِ لَدَيْهِ.

وَلأَِنَّهُ لَوْ كَلَّفَ الْوَكِيل إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ مَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُول فِي الأَْمَانَاتِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، فَيَلْحَقُهُمُ الضَّرَرُ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَ الْوَكِيل مُتَّهَمًا.

وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا ادَّعَى الْوَكِيل التَّلَفَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا (١) .

أَمَّا إِذَا ادَّعَى الْوَكِيل التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ وَالنَّهْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ عَلَى الْوَكِيل

_________

(١) البدائع ٦ / ٨٤، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٦٠ والمغني ٥ / ٢٢١، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٦٧، والإنصاف ٥ / ٣٩٦، وروضة القضاة ٢ / ٦٥٩، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٧٨٩، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤٢، والمهذب ١ / ٣٦٥.

إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى وُجُودِ هَذَا الأَْمْرِ الظَّاهِرِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي التَّلَفِ بِذَلِكَ الأَْمْرِ الظَّاهِرِ فِي رِوَايَةٍ، وَلاَ يُطَالَبُ الْوَكِيل بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى كَوْنِ الْمُوَكَّل فِيهِ بِعَيْنِهِ حُرِقَ أَوْ نُهِبَ لأَِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَثْبَتَ الْحَادِثُ الظَّاهِرُ وَلَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ أَنَّ الْوَكِيل لاَ يَحْلِفُ (١) .

د - الاِخْتِلاَفُ فِي تَعَدِّي الْوَكِيل وَتَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ:

١٦٤ - إِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي تَعَدِّي الْوَكِيل وَتَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ، كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُوَكِّل عَلَى الْوَكِيل أَنَّهُ حَمَل عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ حَمَل عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ بِدُونِ إِذْنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ َيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ (٢) .

_________

(١) المغني ٥ / ٢٢١، والإنصاف ٥ / ٣٦٩، ٣٩٧، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٧١.

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٧٤، والمغنى ٥ / ٢٢، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٦٧، والإنصاف ٥ / ٣٦٩، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٨٢.

هـ - الاِخْتِلاَفُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْقَبْضِ:

لِلْفُقَهَاءِ فِي مُعَالَجَةِ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ اتِّجَاهَاتٌ نَتَنَاوَلُهَا فِيمَا يَلِي:

١٦٥ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل يَبِيعُ الشَّيْءَ إِذَا قَال: بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ، هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:

إِمَّا إِنْ كَانَ الْمُوَكِّل سَلَّمَ الْمَبِيعَ إِلَى الْوَكِيل أَوْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إِلَيْهِ فَقَال الْوَكِيل: بِعْتُهُ مِنْ هَذَا الرَّجُل وَقَبَضْتُ مِنْهُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِي، أَوْ قَال: دَفَعْتُهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، فَهَذَا لاَ يَخْلُو إِمَّا إِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنْ كَذَّبَهُ بِالْبَيْعِ، أَوْ صَدَّقَهُ بِالْبَيْعِ وَكَذَّبَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ صَدَّقَهُ فِيهِمَا وَكَذَّبَهُ فِي الْهَلاَكِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَهْلَكُ الثَّمَنُ مِنْ مَال الْمُوَكِّل وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْوَكِيل لأَِنَّهُ يَهْلَكُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ.

وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ كَذَّبَهُ بِالْبَيْعِ، أَوْ صَدَّقَهُ بِالْبَيْعِ وَكَذَّبَهُ فِي قْبَضٍ، فَإِنَّ الْوَكِيل يُصَدَّقُ فِي الْبَيْعِ وَلاَ يُصَدَّقُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيل فِي حَقِّ نَفْسِهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ.

وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ نَقَدَ الثَّمَنَ ثَانِيًا إِلَى

الْمُوَكِّل وَأَخَذَ مِنْهُ الْمَبِيعَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْوَكِيل بِمَا نَقَدَهُ.

وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُوَكِّل قَبَضَ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّل ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَكِيل يُصَدَّقُ فِي الْبَيْعِ وَلاَ يُصَدَّقُ فِي إِقْرَارِهِ عَلَى الْمُوَكِّل بِالْقَبْضِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا، إِلاَّ أَنَّهُ هُنَاكَ لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيل بِشَيْءٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الإِْقْرَارُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ.

وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِي الْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، وَكَذَّبَهُ فِي الْهَلاَكِ أَوِ الدَّفْعِ إِلْيَهِ، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل فِي دَعْوَى الْهَلاَكِ أَوِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لأَِنَّهُ أَمِينٌ، وَيُجْبَرُ الْمُوَكِّل عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ ثَبَتَ الْبَيْعُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُ، وَلاَ يُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي بِنَقْدِ الثَّمَنِ ثَانِيًا إِلَى الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّهُ ثَبَتَ وُصُول الثَّمَنِ إِلَى يَدِ وَكِيلِهِ بِتَصْدِيقِهِ، ِ وَوُصُول الثَّمَنِ إِلَى يَدِ وَكِيلِهِ كَوُصُولِهِ إِلَى يَدِهِ.

هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَبِيعُ مُسَلِّمًا إِلَى الْوَكِيلِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُسَلِّمًا إِلَيْهِ فَقَال الْوَكِيل: بِعْتُهُ مِنْ هَذَا الرَّجُل وَقَبَضْتُ مِنْهُ الثَّمَنَ فَهَلَكَ عِنْدِي، أَوْ قَال: دَفَعْتُهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، أَوْ قَال: قَبَضَ الْمُوَكِّل الثَّمَنَ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْوَكِيل يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُسَلَّمُ الْمَبِيعُ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ.