الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

أَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلاَ يُشْكَلُ، وَكَذَا إِذَا كَذَّبَهُ فِي الْبَيْعِ، أَوْ صَدَّقَهُ فِيهِ وَكَذَّبَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، لأَِنَّ الْوَكِيل أَقَرَّ بِبَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي عَنِ الثَّمَنِ فَلاَ يُحَلَّفُ وَيُحَلَّفُ الْوَكِيلُ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ بَرِئَ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُوَكِّل.

فَإِنِ اسْتُحِقَ الْمَبِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيل إِذَا أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَالْوَكِيل لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّل بِمَا ضَمِنَ مِنَ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِقْرَارُ الْوَكِيل فِي حَقِّهِ جَائِزٌ، وَلاَ يَجُوزُ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُوَكِّل عَلَى الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ، فَإِنْ نَكَل رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ.

وَلَوْ أَقَرَّ الْمُوَكِّل بِقَبْضِ الْوَكِيل الثَّمَنَ لَكِنَّهُ كَذَّبَهُ فِي الْهَلاَكِ أَوِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْوَكِيل يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ يَدَ وَكِيلِهِ كَيَدِهِ.

وَلَوْ كَانَ الْوَكِيل لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْمُوَكِّل قَبَضَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي لاَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ الثَّمَنَ، وَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّل أَيْضًا، لأَِنَّ إِقْرَارَهُمَا عَلَى الْمُوَكِّل لاَ يَجُوزُ.

وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَبِيعَ، وَلَكِنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْوَكِيلَ، فَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي رَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ إِنْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَلِلْوَكِيل أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّل بِمَا ضَمِنَ إِذَا

أَقَرَّ الْمُوَكِّل بِقَبْضِ الْوَكِيل الثَّمَنَ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّل بِقَبْضِ الْوَكِيل الثَّمَنَ لاَ يَرْجِعُ الْوَكِيل بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُوَكِّل عَلَى الْعِلْمِ بِقَبْضِهِ، فَإِنْ نَكَل رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَرْجِعُ، وَلَكِنَّهُ يَبِيعُ الْمَبِيعَ فَيَسْتَوْفِي مَا ضَمِنَ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ فَلاَ يُرْجَعُ بِالنُّقْصَانِ عَلَى أَحَدٍ.

وَلَوْ كَانَ الْوَكِيل لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ، لاَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِ، وَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّل أَيْضًا لأَِنَّهُمَا لاَ يُصَدَّقَانِ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ، وَعَلَى الْمُوَكِّل الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ، فَإِنْ نَكَل رَجَعَ عَلَيْهِ وَالْمَبِيعُ لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّ الْمَبِيعَ يُبَاعُ عَلَيْهِ.

وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْوَكِيل يَبِيعُهُ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لاَ يَبِيعُهُ، وَجَعَل هَذَا كَبَيْعِ مَال الْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ، وَلَكِنَّ الْوَكِيل لَوْ بَاعَهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ فَسْخًا عَادَتِ الْوَكَالَةُ، فَإِذَا بِيعَ الْمَبِيعُ يَسْتَوْفِي الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ مِنْهُ إِنْ أَقَرَّ الْوَكِيل بِقَبْضِ الْمُوَكِّل وَلَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ نَفْسِهِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَنِ مِقْدَارَ مَا غَرِمَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ لاَ يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ (١) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٤٧ - ٤٩.

١٦٦ - وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل إِذَا قَال لِلْمُوَكِّل: تَصَرَّفْتُ كَمَا أَذِنْتَ لِي مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَال الْمُوَكِّل بَعْدُ: لَمْ تَتَصَرَّفْ، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل لأَِنَّهُ أَمِينٌ، وَيَلْزَمُ الآْمِرَ التَّصَرُّفُ لأَِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ.

وَلَوْ قَال قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِي، فَالْقَوْل قَوْلُهُ إِنْ ثَبَتَ الْقَبْضُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَبْرَأِ الْغَرِيمُ مِنَ الدَّعْوَى إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْقَابِضُ وَكِيلًا مُفَوِّضًا أَوْ وَصِيًّا فَيَبْرَأُ بِاعْتِرَافِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ بِخِلاَفِ الْوَكِيل الْمَخْصُوصِ، وَفِي كِلاَ الْوَجْهَيْنِ لاَ غُرْمَ عَلَى الْوَكِيل (١) .

١٦٧ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صُلْحٍ، أَوْ طَلاَقٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، أَوْ إِبْرَاءٍ، فَقَال الْوَكِيل: تَصَرَّفْتُ كَمَا أَذَنْتَ، وَقَال الْمُوَكِّل: لَمْ تَتَصَرَّفْ بَعْدُ، نُظِرَ: إِنْ جَرَى هَذَا الاِخْتِلاَفُ بَعْدَ انْعِزَال الْوَكِيلِ، لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلتَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ. وَإِنْ جَرَى قَبْل الاِنْعِزَالِ، فَهَل الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل أَمِ الْوَكِيل؟ قَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ: الأَْوَّلُ، وَقِيل: مَا يَسْتَقِل بِهِ الْوَكِيلُ، كَالطَّلاَقِ وَالإِْعْتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ، وَمَا لاَ كَالْبَيْعِ فَلاَ.

_________

(١) عقد الجواهر ٢ / ٦٩٢.

وَلَوْ قَال الْمُوَكِّل: بَاعَ الْوَكِيلُ، فَقَال: لَمْ أَبِعْ. فَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْمُوَكِّلَ، حُكِمَ بِانْتِقَال الْمِلْكِ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَالْقَوْل قَوْلُهُ.

وَإِذَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ، فَقَال: قَبَضْتُهُ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، نُظِرَ: إِنْ قَال: قَبَضْتُهُ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِي فَخُذْهُ، لَزِمَهُ أَخْذُهُ، وَلاَ مَعْنَى لِهَذَا الاِخْتِلاَفِ. وَإِنْ قَال: قَبَضْتُهُ وَتَلِفَ فِي يَدِي، فَالْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل مَعَ يَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ حَقِّهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيل: بِطَرْدِ الْخِلاَفِ فِي اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، إِذَا حَلَفَ الْمُوَكِّلُ، أَخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ، لاِعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ.

وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَجَوَّزْنَا لَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ، فَاتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَقَال الْوَكِيل: قَبَضْتُهُ وَتَلِفَ فِي يَدِي، أَوْ دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَفِي الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا طَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.

وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُمَا إِنِ اخْتَلَفَا قَبْل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَالْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ، فَوَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: قَوْل الْمُوَكِّل.

وَأَصَحُّهُمَا: قَوْل الْوَكِيلِ، وَبِهِ قَال ابْنُ الْحَدَّادِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل يَدَّعِي تَقْصِيرَهُ وَخِيَانَتَهُ بِالتَّسْلِيمِ بِلاَ قَبْضٍ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ.

وَهَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا أَذِنَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا. فَإِذَا أَذِنَ فِي التَّسْلِيمِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْبَيْعِ بِمُؤَجَّلٍ وَفِي الْقَبْضِ بَعْدَ الأَْجَلِ، لَمْ يَكُنْ خَائِنًا بِالتَّسْلِيمِ بِلاَ قَبْضٍ، فَالاِخْتِلاَفُ كَالاِخْتِلاَفِ قَبْل التَّسْلِيمِ، فَإِذَا صَدَّقْنَا الْوَكِيل فَحَلَفَ، فَفِي بَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الإِْمَامِ: يَبْرَأُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لاَ (١) .

١٦٨ - وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوْ قَال الْوَكِيل: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ فَيُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِمَا، كَمَا يُقْبَل قَوْل وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الْمُجْبَرَةِ عَلَى النِّكَاحِ فِي تَزْوِيجِهَا.

وَقِيل: لاَ يُقْبَل قَوْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لِغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ (٢) .

والاِخْتِلاَفُ فِي دَعْوَى رَدِّ مَا بِيَدِ الْوَكِيل:

١٦٩ - قَدْ يَخْتَلِفُ الْمُوَكِّل مَعَ الْوَكِيل فِي

_________

(١) روضة الطالبين ٤ / ٣٤٢ - ٣٤٣.

(٢) الإنصاف ٥ / ٣٩٧، والمغني ٥ / ٢٢٢، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٦٨.

دَعْوَى رَدِّ مَا بِيَدِ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، بِأَنْ يَدَّعِيَ الْوَكِيل الرَّدَّ فَيُنْكِرُهُ الْمُوَكِّل: َيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَ الْوَكِيل يَعْمَل بِدُونِ أَجْرٍ، أَوْ بِأَجْرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ ثَانٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، إِلَى أَنَّ الْوَكِيل إِذَا كَانَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَطَوِّعًا أَوْ بِأَجْرٍ (١) .

انْتِهَاءُ الْوَكَالَةِ:

تَنْتَهِي الْوَكَالَةُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:

أَوَّلًا: الْعَزْل:

١٧٠ - لَمَّا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأَِيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْن

_________

(١) تكملة ابن عابدين ٢ / ٢٣٠، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٨٣، وروضة القضاة ٢ / ٦٥٩، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٩٢، والإنصاف ٥ / ٣٩٧ - ٣٩٨، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤٢، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٢٢٣.

إِنْهَاؤُهَا، فَلِلْمُوَكِّل أَنْ يَعْزِل الْوَكِيل مِنْهَا وَيَنْهَاهُ عَنِ التَّصَرُّفِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيل أَنْ يَعْزِل نَفْسَهُ مِنْهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ (١) .

غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْل الْوَكِيل مِنَ الْمُوَكِّل الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: عِلْمُ الْوَكِيل بِالْعَزْل:

١٧١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيل بِالْعَزْل.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيل بِالْعَزْلِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَزْل فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، فَلاَ يَلْزَمُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنَّهُ لَوِ انْعَزَل قَبْل عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. وَبِأَنَّ الْوَكِيل يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْل عِلْمِهِ كَالْفَسْخِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيل بِالْعَزْلِ، فَلَوْ تَصَرَّفَ

_________

(١) البدائع ٦ / ٥١، وتكملة ابن عابدين ٧ / ٣٨٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣١، وروضة الطالبين ٤ / ٣٣٠، ٣٣٢، والمغني ٥ / ٢٤٢.

الْوَكِيل بَعْدَ الْعَزْل فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، لأَِنَّ الْعَزْل رَفْعُ عَقْدٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ عَلَى عِلْمِهِ كَالطَّلاَقِ (١) .

١٧٢ - وَيَتِمُّ عِلْمُ الْوَكِيل بِالْعَزْل - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بِأُمُورٍ مِنْهَا:

أ - أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا الْعَزْل.

ب - إِذَا كَانَ الْوَكِيل غَائِبًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّل كِتَابَ الْعَزْلِ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ بِمَا فِيهِ. لأَِنَّ الْكِتَابَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ.

جـ - لَوْ أَرْسَل إِلَيْهِ الْمُوَكِّل رَسُولًا فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ، وَقَال لَهُ: فُلاَنٌ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَيَقُول: إِنِّي عَزَلْتُكَ عَنِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ، كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ، عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. لأَِنَّ الرَّسُول قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَل مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ، فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ.

د - لَوْ أَخْبَرَ الْوَكِيل بِالْعَزْل رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ كَانَا أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَنْعَزِل بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيل أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِذَا ظَهَرَ

_________

(١) البدائع ٦ / ٥١، وتكملة ابن عابدين ٧ / ٣٨٢، والفتاوى الهندية ٣ / ٦٣٧، واللباب ٢ / ١٤٥، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٩٦، والمهذب ١ / ٣٥٧، وروضة الطالبين ٤ / ٣٣٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٢، والمغني ٥ / ٢٤٢، ٢٤٣، والإنصاف ٥ / ٣٧٢، ٣٧٣.

صِدْقُ الْخَبَرِ، لأَِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلاَتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ أَوِ الْعَدْل أَوْلَى.

وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِل بِاتِّفَاقِهِمْ أَيْضًا.

أَمَّا إِنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِل حَتَّى وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ. لأَِنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْل لَهُ شَبَهُ الشَّهَادَةِ، لأَِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ حُكْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ الْعَزْلُ، وَهُوَ لُزُومُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَلُزُومُ الْعُهْدَةِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَحَدِ شُرُوطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ أَوِ الْعَدَدُ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْل مِنْ بَابِ الْمُعَامَلاَتِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الإِْخْبَارِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ (١) .

وَقَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قُلْنَا لاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل حَتَّى يَبْلُغَهُ خَبَرُ عَزْلِهِ فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَل رِوَايَتِهِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ (٢) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ:

١٧٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَزْل الْوَكِيل

_________

(١) البدائع ٦ / ٥١، والفتاوى الهندية ٣ / ٦٣٧.

(٢) روضة الطالبين ٤ / ٣٣٠.

إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.

فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَزْل بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، لأَِنَّ فِي الْعَزْل إِبْطَال حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلاَ سَبِيل إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَنْ رَهَنَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَجَعَل الْمُرْتَهِنَ أَوِ الْعَدْل مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ عِنْدَ حِل الأَْجَلِ، فَعَزْل الرَّاهِنِ الْمُسَلَّطِ عَلَى الْبَيْعِ لاَ يَصِحُّ بِهِ عَزْلُهُ.

وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ مَعَ الْمُدَّعِي بِالْتِمَاسِ الْمُدَّعِي فَعَزَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُدَّعِي لاَ يَنْعَزِل.

وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَنْ وَكَّل رَجُلًا بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ غَابَ، ثُمَّ عَزَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ غَابَ، قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَصِحُّ عَزْلُهُ، لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ عَزْلُهُ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الطَّلاَقِ وَلاَ عَلَى التَّوْكِيل بِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَكَالاَتِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَال الْمُوَكِّل: عَزَلْتُ الْوَكِيل أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٥٢ - ٥٣، وانظر المادة من مجلة الأحكام العدلية. ص ١٠٥.