الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
مُلْزَمٌ بِرَدِّ الأَْمَانَةِ إِلَى صَاحِبِهَا (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ .
١٥٣ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الإِْشْهَادِ عَلَى الرَّدِّ عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ الرَّدِّ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يَقُول بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ رَدَّ مَالِهِ: لاَ أَرُدُّ حَتَّى أُشْهِدَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ قَوْلَهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَأْخِيرِ الرَّدِّ لِلإِْشْهَادِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ لِلْوَكِيل أَنْ يُؤَخِّرَ الرَّدَّ إِلَى الْمُوَكِّل لِلإِْشْهَادِ عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى يَمِينٍ، لأَِنَّ الأَْخْيَارَ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْيَمِينِ مَا أَمْكَنَ (٣) .
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٤٨٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٩٢، وأسنى المطالب ٢ / ٢٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٦، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٩، والفتاوى الكبرى لابن حجر ٣ / ٨٧، والمغني لابن قدامة ٥ / ٢٢٩، وما بعدها.
(٢) سورة النساء / ٥٨.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢٣٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٩٢، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٦٩٢ والفروع لابن مفلح ٤ / ٢٣١.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّل مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّل أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أَوَّلًا - أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ:
١٥٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَدْ تَكُونُ بِأَجْرٍ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأَْمْرَانِ، حَيْثُ وَكَّل ﷺ أُنَيْسًا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ (١)، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ (٢)، وَعَمْرًا (٣) وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُول النِّكَاحِ لَهُ بِغَيْرِ جُعْلٍ، (٤) وَأَيْضًا كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَيَجْعَل لَهُمْ عِمَالَةً، وَلِهَذَا قَال لَهُ ابْنَا عَمِّهِ ﷺ: لَوْ بَعَثْتَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّي إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ (٥) يَعْنِيَانِ الْعِمَالَةَ أَيِ الأُْجْرَةَ.
_________
(١) حديث: " توكيل الرسول ﷺ أنيسًا في إقامة الحد. . أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١٦٠)، ومسلم (٣ / ١٣٢٥) .
(٢) حديث: " توكيل الرسول ﷺ عروة في شراء شاة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٦٣٢) .
(٣) حديث: " توكيل الرسول ﷺ عمرو بن أمية الضمري في قبول النكاح له. . . " أخرجه البيهقي في السنن (٧ / ١٣٩) من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلًا.
(٤) حديث: " توكيل الرسول ﷺ أبا رافع في قبول النكاح له. . أخرجه الترمذي (٣ / ١٩١)، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٥) حديث: " مجيء ابني عم رسول الله ﷺ. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٧٥٣) . بهذا المعنى
وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل عَلَى الأَْجْرِ وَجَبَ الأَْجْرُ اتِّفَاقًا (١) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَّفِقِ الطَّرَفَانِ عَلَى الأَْجْرِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لاَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالأَْجْرِ.
فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى تَكُونُ الْوَكَالَةُ تَبَرُّعًا، لأَِنَّ الأَْصْل فِيهَا ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ تُشْتَرَطِ الأُْجْرَةُ حُمِل عَلَى الأَْصْل (٢) .
نَصَّتِ الْمَادَةُ (١٤٦٧) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ: " إِذَا اشْتُرِطَتِ الأُْجْرَةُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَوْفَاهَا الْوَكِيل اسْتَحَقَّ الأُْجْرَةَ، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ وَلَمْ يَكُنِ الْوَكِيل مِمَّنْ يَخْدُمُ بِالأُْجْرَةِ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالأُْجْرَةِ ".
أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيل مِنْ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالأَْجْرِ لأَِنَّ طَبِيعَةَ مُهِمَّتِهِمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ كَالسِّمْسَارِ وَالدَّلاَّل فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا
_________
(١) المغني ٥ / ٢١١، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٧٨ - ٦٧٩، والحاوي ٨ / ٢٢٥، وروضة الطالبين ٤ / ٣٣٢، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٩٣، وتكملة ابن عابدين ١ / ١٨٩، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٦٨٨، والقوانين الفقهية ص ٣٣٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٩٧.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٩٣.
وَقْتَ التَّعَاقُدِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ لَهُ أَجْرُ الْمِثْل (١) .
وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الأُْجْرَةَ:
١٥٥ - يَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ بِتَسْلِيمِ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ بِتَنْفِيذِهِ إِلَى الْمُوَكِّل إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ كَثَوْبٍ يَنْسِجُهُ أَوْ يَخِيطُهُ فَمَتَى سَلَّمَهُ إِلَى الْمُوَكِّل فَلَهُ الأُْجْرَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ الْمُوَكِّل فَكُلَّمَا فَرَغَ مِنْ عَمَل شَيْءٍ وَقَعَ مَقْبُوضًا فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْخِيَاطَةِ.
وَإِنْ وَكَّل رَجُلٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً أَوْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَوْ يَحُجَّ عَنْهُ، اسْتَحَقَّ الأُْجْرَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ، وَلَكِنْ لَوِ اشْتَرَطَ الْمُوَكِّل عَلَى الْوَكِيل تَسْلِيمَ الثَّمَنِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الأَْجْرَ، وَلَمْ يَقُمِ الْوَكِيل بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنَ الأَْجْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ (٢) .
شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ الأُْجْرَةِ:
١٥٦ - إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَجْرٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الأَْجْرِ مَا يَلِي:
أـ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل الْمُوَكَّل بِهِ مَعْلُومًا عِلْمًا
_________
(١) درر الحكام شرح المجلة ٣ / ٥٩٣.
(٢) المادة ١٤٦٧من المجلة، ومادة ٩٠٣ من مرشد الحيران، والقوانين الفقهية لابن جزي ٢٥٧، والمغني مع الشرح ٥ / ٢١٠، ٢١١.
يُمْكِنُ مَعَهُ إِيفَاءُ الْوَكَالَةِ (١) .
ب - أَنْ تَكُونَ الأُْجْرَةُ مَعْلُومَةَ الْمِقْدَارِ (٢) .
جـ - أَلاَّ تَكُونَ الأُْجْرَةُ جُزْءًا مِنَ الْمُوَكَّل بِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَسَدَتِ التَّسْمِيَةُ وَاسْتَحَقَّ الْوَكِيل أَجْرَ الْمِثْل.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: الْوَكَالَةُ تَجُوزُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ، وَلاَ يَصِحُّ الْجُعْل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ قَال: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الثَّوْبِ عَلَى أَنَّ جُعْلَكَ عُشْرُ ثَمَنِهِ، أَوْ مِنْ كُل مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْل بِمَبْلَغِ الثَّمَنِ، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل (٣) .
(ر: إِجَارَة ف ٤٢) .
د - أَنْ يَقُومَ الْوَكِيل بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ تَنْفِيذًا صَحِيحًا.
وَعَلَى ذَلِكَ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل مُوَكِّلَهُ مُخَالَفَةً تَجْعَل الْوَكَالَةَ فَاسِدَةً فَلَوْ أَعْطَاهُ حَبًّا لِبَيْعِهِ وَيَشْتَرِي أَجْوَدَ مِنْهُ، فَقَامَ الْوَكِيل بِإِبْدَالِهِ بِمَا هُوَ أَجْوَدُ مِنْهُ مِنْ نَفْسِ الصِّنْفِ، كَانَ عَمَل الْوَكِيل رِبًا فَيَكُونُ قَدْ قَامَ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ تَنْفِيذًا فَاسِدًا فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا، لأَِنَّ مُطْلَقَ الإِْذْنِ بِالْبَيْعِ
_________
(١) المادة (١٤٦٨) من مجلة الأحكام العدلية، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٨٢ - ٥٨٣، والقوانين الفقهية ص ٢٨٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٥٣.
(٣) الحاوي للماوردي ٨ / ٢٢٤.
يَقْتَضِي الصَّحِيحَ فَقَطْ، أَمَّا الْفَاسِدُ فَغَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا عَلَيْهِ، جَاءَ فِي الْحَاوِي: لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ بِجُعْلٍ مَعْلُومٍ فَبَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا فَلاَ جُعْل لَهُ، لأَِنَّ مُطْلَقَ الإِْذْنِ بِالْبَيْعِ يَقْتَضِي مَا صَحَّ مِنْهُ، فَصَارَ الْفَاسِدُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا عَلَيْهِ.
فَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَتَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْوَكِيل فَلَهُ الأُْجْرَةُ لِوُجُودِ الْعَمَل (١) .
وَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل فِي الإِْجَارَةِ الصَّحِيحَةِ الأَْجْرَ الْمُسَمَّى، وَإِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْل (٢) .
رُجُوعُ الْوَكِيل عَلَى الْمُوَكِّل بِمَا دَفَعَهُ تَنْفِيذًا لِلْوَكَالَةِ:
١٥٧ - إِذَا أَمَرَ شَخْصًا بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ فَأَدَّاهُ الْمُأْمُورُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الآْمِرِ، شَرَطَ الآْمِرُ الرُّجُوعَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ (٣) . وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ فَدَفَعَ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، فَقَدْ
_________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٩٣، وكشاف القناع ٣ / ٥٥٥، والقوانين الفقهية ص ٢٨٣، والحاوي للماوردي ٨ / ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) الماوردي ٨ / ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣) البدائع ٧ / ٣٤٨٤ - ٣٤٨٥، وتكملة فتح القدير ٨ / ٣٨، وتكملة ابن عابدين ٧ / ٣٧٧، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٨٦، ٥٨٧، والمادة ١٥٠٦ و١٥٠٨ من مجلة الأحكام العدلية.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ - إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيل حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يُسْتَوْفَى الثَّمَنُ مِنَ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الْوَكِيل عَاقِدٌ وَجَبَ الثَّمَنُ لَهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ ضَمَانًا لِلْمَبِيعِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي (١) .
وَذَهَبَ زُفَرُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحَبْسِ، لأَِنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ، فَالْهَلاَكُ عَلَى الْمُوَكِّل حَتَّى لاَ يَسْقُطَ الثَّمَنُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِلأَْمِينِ حَبْسُ الأَْمَانَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْ أَهْلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾؟ (٢) فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ (٣) .
وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ الْمُوَكِّل فَحَبَسَهُ الْوَكِيل حَتَّى هَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ (٤) وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ:
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْبَيْعِ، لأَِنَّ هَذِهِ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ بِدَيْنٍ هُوَ ثَمَنٌ فَكَانَتْ مَضْمُونَةً
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٤٨٥، تكملة ابن عابدين ٧ / ٣٠٣، وما بعدها، وتكملة فتح القدير ٨ / ٤٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٨٧.
(٢) سورة النساء / ٥٨.
(٣) البدائع ٧ / ٣٤٨٥، تكملة ابن عابدين ٧ / ٣٠٣، وما بعدها، وتكملة فتح القدير ٨ / ٤٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٨٧.
(٤) البدائع ٧ / ٣٤٨٥، والمادة ١٤٩٢ من مجلة الأحكام العدلية.
ضَمَانَ الْبَيْعِ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ، لأَِنَّ هَذِهِ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ بِدَيْنٍ يَسْقُطُ بِهَلاَكِهَا فَكَانَتْ مَضْمُونَةً بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهَا وَمِنَ الدَّيْنِ كَالرَّهْنِ.
وَذَهَبَ زُفَرُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ، لأَِنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَالأَْمِينُ لاَ يَمْلِكُ حَبْسَ الأَْمَانَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِذَا حَبَسَهَا فَقَدْ صَارَ غَاصِبًا، وَالْمَغْصُّوبُ مَضْمُونٌ بِقَدْرِهِ مِنَ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ (١) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:
الْجِهَةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْعَقْدِ الَّذِي يَعْقِدُهُ الْوَكِيل:
١٥٨ - بِاسْتِقْرَاءِ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْوُكَلاَءُ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: عُقُودٌ تَجُوزُ إِضَافَتُهَا إِلَى الْوَكِيل كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: عُقُودٌ لاَ تَجُوزُ إِضَافَتُهَا إِلَى الْوَكِيل كَالنِّكَاحِ وَصُلْحِ الدَّمِ، بَل يَلْزَمُ
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٤٨٥، تكملة ابن عابدين ٧ / ٣٠٣، وما بعدها، وتكملة فتح القدير ٨ / ٤٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٨٧.
إِضَافَتُهَا إِلَى الْمُوَكِّل (١) .
فَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَةُ (١٤٦٠) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ " يَلْزَمُ أَنْ يُضِيفَ الْوَكِيل الْعَقْدَ إِلَى مُوَكِّلِهِ فِي الْهِبَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالإِْيدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالإِْقْرَاضِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ فَلاَ يَصِحُّ " (٢) .
١٥٩ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْجِهَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْعُقُودِ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْوَكِيل.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْوَكِيل أَوْ لاَ تَجُوزُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل عُهْدَةُ الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ إِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْوَكِيل كَالإِْجَارَةِ، أَوْ لاَ تَجُوزُ كَالنِّكَاحِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِّ الْعَمْدِ (٤) .
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ حَيْثُ قَالُوا:
_________
(١) اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٤١، ١٤٢، والبحر الرائق، وحاشية ابن عابدين عليه ٧ / ١٤٧، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٣٩.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٧١.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢٣٠، ٢٣١، ومعونة أولي النهى ٤ / ٦٩٣.
(٤) معونة أولي النهى ٤ / ٦٣٩.
كُل عَقْدٍ يَصِحُّ إِضَافَتُهُ إِلَى الْوَكِيل - كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ - وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ فَحُقُوقُ ذَلِكَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل دُونَ الْمُوَكِّلِ، فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ وَيَقْبَضُ الثَّمَنَ وَيُطَالَبُ بِالثَّمَنِ إِذَا اشْتَرَى وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ وَيُخَاصَمُ بِالْعَيْبِ.
وَكُل عَقْدٍ يَلْزَمُ الْوَكِيل إِضَافَتُهُ إِلَى الْمُوَكِّل - كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ - فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّل دُونَ الْوَكِيلِ، فَلاَ يُطَالَبُ وَكِيل الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ، وَلاَ يَلْزَمُ وَكِيل الْمَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا (١) .
قَال الْكَاسَانِيُّ: أَمَّا التَّوْكِيل بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَحُقُوقُهَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ، فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ وَيَقْبِضُهُ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالَبُ بِهِ وَيُخَاصَمُ فِي الْعَيْبِ وَقْتَ الاِسْتِحْقَاقِ.
وَالأَْصْل أَنَّ كُل عَقْدٍ لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَيَكْتَفِي فِيهِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ فَحُقُوقُهُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَاقِدِ، كَالْبِيَاعَاتِ وَالأَْشْرِبَةِ وَالإِْجَارَاتِ وَالصُّلْحِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَرْجِعُ لِلْوَكِيل وَعَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْوَكِيل فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ كَالْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ كَالأَْجْنَبِيِّ، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ الْمُوَكِّل مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي مِنَ ٩١.
وَلَوْ طَالَبَهُ فَأَبَى لاَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ،
_________
(١) اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٤١، ١٤٢.