الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَكُونُ الثَّانِي وَكِيل الْوَكِيل (١) .

أَمَّا إِنْ قَال الْمُوَكِّل: " وَكِّل عَنْكَ " فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْوَكِيل عَمَلًا بِإِذْنِ الْمُوَكِّل فَيَنْعَزِل بِعَزْل الْوَكِيل الأَْوَّل وَمَوْتِهِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَكِيل الأَْوَّل عَزْل الْوَكِيل الثَّانِي نَظَرًا لِجِهَةِ وَكَالَتِهِ لَهُ. َنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوَكِّل عَزْل الْوَكِيل الثَّانِي لأَِنَّهُ فَرْعُ فَرْعِهِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْمُوَكِّل لَيْسَ لَهُ عَزْل وَكِيل وَكِيلِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّل فَيَأْخُذُ حُكْمَ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ (٢) .

أَمَّا إِنْ قَال الْمُوَكِّل: " وَكِّل " وَلَمْ يَقُل عَنِّي وَلاَ عَنْكَ، أَوْ " فَوِّضْ ".

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَهُ.

_________

(١) روضة القضاة للسمناني ٢ / ٦٦٠، والبحر الرائق ٧ / ١٧٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٨٨، ومواهب الجليل ٥ / ٢٠٢، والخرشي ٦ / ٧٨، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣ / ٤٦٦، والإنصاف ٣ / ٣٦٤ - ٣٦٥.

(٢) المراجع السابقة.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّل لاَ يَنْعَزِل بِعَزْل الْوَكِيل وَلاَ بِمَوْتِهِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْوَكِيل (١) .

١٣٦ - أَمَّا التَّوْكِيل بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ مِنَ الْمُوَكِّل فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا وَكَّل الْوَكِيل فِيمَا لاَ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لاَ يُحْسِنُهُ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّل.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيل الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْوَكِيل (٢) .

١٣٧ - أَمَّا التَّوْكِيل بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلًا فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ لأَِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيل بِهِ، وَلأَِنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الآْرَاءِ.

وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - فِيمَا نَقَل عَنْهُ حَنْبَلٌ - وَابْنُ أِبِي لَيْلَى صِحَّةَ التَّوْكِيل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ،

_________

(١) البحر الرائق ٧ / ١٧٥، والخرشي ٦ / ٧٨، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٧، والإنصاف ٥ / ٣٦٥، وكشاف القناع ٣ / ٤٦٦ - ٤٦٧.

(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٨٨، مغني المحتاج ٢ / ٢٢٦ - ٢٢٧، والإنصاف ٥ / ٣٦٥.

وَيَكُونُ الْوَكِيل الثَّانِي وَكِيل الْوَكِيل (١) .

الْوَكِيل أَمِينٌ:

١٣٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل أَمِينٌ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ أَمْوَالٍ لِمُوَكِّلِهِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيل لِمَا يَهْلَكُ مِنْهَا إِلاَّ إِذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ.

وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ أَوْ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْعَمَلِ، لأَِنَّ الْوَكِيل نَائِبُ الْمُوَكِّل - الْمَالِكِ - فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ فَكَانَ الْهَلاَكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلاَكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ - الْمُوَكَّل - وَلأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَمَعُونَةٍ، وَفِي تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنْ مَقْصُودِ الإِْرْفَاقِ وَالْمَعُونَةِ فِيهَا (٢) .

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْوَكِيل أَمِينًا:

١٣٩ - يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْوَكِيل أَمِينًا أَنَّ الْقَوْل يَكُونُ قَوْلَهُ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى الْمُوَكِّل عَلَيْهِ التَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطَ، فَأَنْكَرَ

_________

(١) تكملة فتح القدير ٨ / ٩٩، والشرح الصغير ٣ / ٥١٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٦، والمغني ٥ / ٢١٦، والإنصاف ٥ / ٣٦٥.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٥٦٧، وروضة القضاة للسمناني ٢ / ٦٥٨، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٦٨٧، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٠، وروضة الطالبين ٤ / ٣٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٤٨٤، والقواعد لابن رجب ص ٦١.

الْوَكِيل ذَلِكَ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، لأَِنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى التَّسَامُحِ وَالْيُسْرِ وَالإِْرْفَاقِ بِالنَّاسِ فَيُقْبَل فِيهَا قَوْل الأَْمِينِ مَعَ يَمِينِهِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلاَّ امْتَنَعَ النَّاسُ عَنِ الدُّخُول فِي الأَْمَانَاتِ وَفِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ مَا فِيهِ (١) .

اشْتِرَاطُ الضَّمَانِ أَوَ نَفْيُهُ عَلَى الْوَكِيل:

١٤٠ - نَصَّ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ كُل مَا كَانَ أَمَانَةً لاَ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَوْنُهُ أَمَانَةً، فَإِذَا شَرَطَ ضَمَانَهُ فَقَدِ الْتَزَمَ ضَمَانَ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ، أَوْ ضَمَانَ مَالٍ فِي يَدِ مَالِكِهِ.

وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لاَ يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الضَّمَانُ، فَإِذَا شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهِ لاَ يَنْتَفِي مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِ مَا يَتَعَدَّى فِيهِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَال: الْمُؤْمِنُونَ

_________

(١) البدائع ٧ / ٣٤٧٩، وروضة القضاة للسمناني ٢ / ٦٥٨، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٦٧، وبداية المجتهد ٢ / ٢٧٣، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٦٩٢، وحاشية الجمل ٣ / ٤١٦، والفتاوى الكبرى لابن حجر ٣ / ٨٦، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤٢، والمغني ٥ / ٢٢١، والروض المربع ١ / ٢٠٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٥٢.

عَلَى شُرُوطِهِمْ، وَهَذَا يَدُل عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَالأَْوَّل ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (١) .

ضَمَانُ الْوَكِيل مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ أَمْوَالٍ:

١٤١ - الْوَكِيل أَثْنَاءَ قِيَامِهِ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا يَقْضِي بِهِ الشَّرْعُ مِنْ عَدَمِ الإِْضْرَارِ بِالْمُوَكِّل لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٢)، وَمُقَيَّدٌ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ، كَمَا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا يَقْضِي بِهِ الْعُرْفُ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً عَنِ الْقُيُودِ، فَإِذَا خَالَفَ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَوَجَبَ الضَّمَانُ (٣) .

وَلِتَوْضِيحِ ذَلِكَ نَذْكُرُ فِيمَا يَلِي بَعْضَ حَالاَتِ التَّعَدِّي وَالتَّفْرِيطِ:

١٤٢ - إِذَا تَعَدَّى الْوَكِيل فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ مَنْ مَالٍ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ فَرَّطَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، كَانَ ضَامِنًا لِمَا يَتْلَفُ مِنْهُ، فَلَوْ حَمَل عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ حَمَل عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، أَوْ لَبَسَ الثَّوْبَ بِدُونِ إِذْنِ الْمُوَكِّل وَلَمْ يَقْضِ الْعُرْفُ بِمِثْل هَذَا الاِسْتِعْمَالِ، أَوْ ضَيَّعَ الْمَال الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ وَلاَ يَعْرِفُ كَيْفَ ضَاعَ أَوْ

_________

(١) المغني مع الشرح ٥ / ٣٦٦ - ٣٦٧.

(٢) حديث: " لا ضرر ولا ضرار ". (تقدم تخريجه فقرة ٧٩)

(٣) المهذب ١ / ٣٥٠، وشرح المنهج مع حاشية الجمل ٣ / ٤٠٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٤، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٥ / ٤٨.

وَضَعَهُ فِي مَحَلٍّ فَنَسِيَهُ كَانَ ضَامِنًا (١) .

١٤٣ - إِذَا خَلَطَ الْوَكِيل مَال مُوَكِّلِهِ بِمَالِهِ خَلْطًا لاَ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ بِدُونِ إِذْنِ الْمُوَكِّل وَضَاعَ الْمَال كُلُّهُ كَانَ ضَامِنًا لِمَال مُوَكِّلِهِ، وَكَذَا إِذَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا كَانَ ضَامِنًا لَهُ (٢) .

(ر: خَلْط ف ٤) .

١٤٤ - إِذَا طَلَبَ الْمُوَكِّل مِنَ الْوَكِيل أَنْ يَرُدَّ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَالٍ لَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ بِدُونِ عُذْرٍ كَانَ ضَامِنًا لَهُ.

أَمَّا إِذَا امْتَنَعَ بِعُذْرٍ بِأَنْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّدِّ حَائِلٌ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، فَإِذَا زَال الْعُذْرُ وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ الرَّدَّ كَانَ ضَامِنًا (٣) .

١٤٥ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَى إِنْسَانٍ مَالًا لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ فَقَضَاهُ الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ ثُمَّ قَضَاهُ الْوَكِيلُ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيل لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فَعَلَهُ الْمُوَكِّل فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيل وَيَرْجِعُ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٦٣٠، ومجمع الضمانات ص ٣٦٠، وفتح العلي المالك ٢ / ٣٢٢، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٨، ٤٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٠، وحاشية الجمل ٣ / ٤١٧، والمغني ٥ / ٢٢٢، وكشاف القناع ٣ / ٤٨٤.

(٢) المغني ٥ / ٢٣١.

(٣) البدائع ٧ / ٣٤٨٥، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٨٧، وتكملة ابن عابدين ٧ / ٣٤٧، وتكملة فتح القدير ٨ / ٤٠، ومجمع الضمانات ص ٢٤٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٩، والمغني ٥ / ٢٢٩، والمدونة الكبرى ٤ / ٢٥٣.

الْمُوَكِّل عَلَى الطَّالِبِ بِمَا قَبَضَ مِنَ الْوَكِيلِ، وَإِنْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمُوَكِّل قَدْ قَضَاهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمَّا قَضَاهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ عَزَل الْوَكِيلَ، إِلاَّ أَنَّ عَزْل الْوَكِيل لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، فَإِذَا عَلِمَ بِفِعْل الْمُوَكِّل فَقَدْ عَلِمَ بِالْعَزْل فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فِي الدَّفْعِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّعَدِّي فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَكِيل بِدَفْعِ الزَّكَاةِ إِذَا أَدَّى الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَدَّى الْوَكِيل أَنَّهُ يَضْمَنُ الْوَكِيل عَلِمَ بِأَدَاءِ الْمُوَكِّل أَوْ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَ أِبِي حَنِيفَةَ ﵀، لأَِنَّ الْوَكِيل بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ هُوَ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِتَمْلِيكِ الْمَال مِنَ الْفَقِيرِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنَ الْوَكِيل لِحُصُولِهِ مِنَ الْمُوَكِّلِ، فَبَقِيَ الدَّفْعُ مِنَ الْوَكِيل تَعَدِّيًا مَحْضًا فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.

فَأَمَّا قَضَاءُ الدَّيْنِ فَعِبَارَةٌ عَنْ أَدَاءِ مَالٍ مَضْمُونٍ عَلَى الْقَابِضِ، وَالْمَدْفُوعُ إِلَى الطَّالِبِ مَقْبُوضٌ عَنْهُ، وَالْمَقْبُوضُ بِجِهَةِ الضَّمَانِ مَضْمُونٌ، كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ لِكَوْنِهِ مَقْبُوضًا بِجِهَةِ الْقَضَاءِ، وَالْمَقْبُوضُ بِجِهَةِ الْقَضَاءِ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ، وَيُقَال: إِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعِ مُعَاوَضَةٍ، وَهُوَ نَوْعُ شِرَاءِ الدَّيْنِ بِالْمَالِ، وَالْمَقْبُوضُ مِنَ الْوَكِيل مَقْبُوضٌ بِجِهَةِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ عَلَى

الْمُشْتَرِي بِخِلاَفِ مَا إِذَا دَفَعَهُ عَلَى عِلْمِهِ بِدَفْعِ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدِ الْقَبْضُ بِجِهَةِ الضَّمَانِ لاِنْعِدَامِ الْقَبْضِ بِجِهَةِ الْقَضَاءِ، فَبَقَى تَعَدِّيًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ التَّعَدِّي، وَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِدَفْعِ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الْقَوْل قَوْل الأَْمِينِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ.

وَعَلَى هَذَا إِذَا مَاتَ الْمُوَكِّل وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيل بِمَوْتِهِ حَتَّى قَضَى الدَّيْنَ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ ضَمِنَ (١) .

١٤٦ - الْوَكِيل بِالْبَيْعِ عَلَى الْحُلُول لاَ يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إِلَى الْمُشْتَرِي قَبْل أَنْ يَقْبِضَ ثَمَنَهُ، لِمَا فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَرِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ بِاخْتِيَارِهِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ فَجَحَدَهُ الْمُشْتَرِي كَانَ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّل قِيمَةَ الْمَبِيعِ وَلَوْ مِثْلِيًّا وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثَّمَنِ يَوْمَ التَّسْلِيمِ (٢) .

١٤٧ - إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى هَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي إِمْسَاكِهِ بِدُونِ عُذْرٍ، أَمَّا لَوْ أَمْسَكَهُ بِعُذْرٍ: كَأَنْ ذَهَبَ لِيَدْفَعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي وَلَكِنْ حَال دُونَ ذَلِكَ حَائِلٌ فَهَلَكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ

_________

(١) البدائع ٧ / ٣٤٨٢.

(٢) مواهب الجليل ٥ / ١٩٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٦، ٣٧، وشرح المنهج ٣ / ٤١٠.

ضَمَانٌ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ فِي الإِْمْسَاكِ (١) .

١٤٨ - لَوْ وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ بِأَنْ يَذْبَحَ لَهُ بَقَرَةً أَوْ جَامُوسَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَأَخْطَأَ فِي الذَّبْحِ وَصَارَتْ مَيْتَةً لاَ تُؤْكَلُ، كَانَ الذَّابِحُ ضَامِنًا لَهَا، لأَِنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي أَمْوَال النَّاسِ سَوَاءٌ (٢) .

١٤٩ - إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِعَدَمِ قَبْضِ الْوَدِيعَةِ إِلاَّ جَمِيعَهَا وَلَكِنَّهُ قَبَضَ بَعْضَهَا فَقَطْ، كَانَ ضَامِنًا وَبَطَل قَبْضُهُ، فَإِنْ قَبَضَ الْبَاقِيَ قَبْل أَنْ يَهْلَكَ الأَْوَّل يَسْقُطُ الضَّمَانُ (٣) .

كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ:

١٥٠ - الْوَكِيل يَضْمَنُ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَالٍ لِمُوَكِّلِهِ إِذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ. فَإِنْ كَانَ الْمَال مِثْلِيًّا كَانَ الْوَكِيل ضَامِنًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِثْلِيًّا وَتَعَذَّرَ الْحُصُول عَلَى الْمِثْل فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ.

وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ الَّتِي يَضْمَنُهَا الْوَكِيل بِقِيمَةِ الشَّيْءِ يَوْمَ التَّعَدِّي وَالتَّلَفِ أَوِ الْهَلاَكِ، لاَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ آخَرَ، فَلاَ عِبْرَةَ بِمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فِيهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ (٤) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٥٩٦، والمغني ٥ / ٢٢٠.

(٢) فتح العلي المالك ٢ / ٣٢٣.

(٣) تكملة ابن عابدين ٧ / ٣٦٤، مجمع الضمانات ص ٢٥٠.

(٤) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي ٥ / ٤٨ - ٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣١، والفتاوى الكبرى لابن حجر ٣ / ٩٣.

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (ضَمَان ف ٥٤، ٩١) .

الْحُكْمُ الثَّانِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل مِنْ أَحْكَامٍ: تَقْدِيمُ الْوَكِيل لِلْمُوَكِّل الْبَيَانَاتِ الَّتِي يَطْلُبُهَا عَمَّا وُكِّل فِيهِ:

١٥١ - يَلْتَزِمُ الْوَكِيل أَثْنَاءَ قِيَامِهِ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ بِأَنْ يُقَدِّمَ لِلْمُوَكِّل الْبَيَانَاتِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْمُوَكِّل عَمَّا قَامَ بِهِ أَثْنَاءَ تَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ.

جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لاِبْنِ حَجَرٍ: وَسُئِل عَنِ الْمُوَكِّل إِذَا طَلَبَ مِنْ وَكِيلِهِ بَيَانًا لِتَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا وُكِّل فِيهِ هَل يَلْزَمُهُ الْبَيَانُ؟ وَهَل تُعْتَبَرُ دَفَاتِرُهُ؟ وَهَل تُقْبَل دَعْوَاهُ زِيَادَةً عَلَى مَصْرُوفِ كُتُبِهِ أَوْ لاَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَطْلَقَ بَعْضُ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ كُل أَمِينٍ طَلَبَ مِنْهُ الْبَيَانَ وَالْحِسَابَ لَزِمَهُ، وَلاَ عِبْرَةَ بِمَا فِي الْخَطِّ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا يَقَعُ فِي الْجَوَابِ وَالدَّعْوَى (١) .

الْحُكْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكِيل: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّل فِي يَدِ الْوَكِيل:

١٥١ - يَجِبُ عَلَى الْوَكِيل أَنْ يَرُدَّ مَا فِي يَدِهِ لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الرَّدِّ مَعَ مُطَالَبَةِ الْمُوَكِّل لَهُ بِهِ بِدُونِ عُذْرٍ فِي التَّأْخِيرِ حَتَّى هَلَكَ الْمَال أَوْ تَلِفَ كَانَ ضَامِنًا، وَكَذَا إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الرَّدِّ بِعُذْرٍ وَلَكِنْ زَال الْعُذْرُ، فَأَخَّرَ الرَّدَّ حَتَّى تَلِفَ الْمَال أَوْ هَلَكَ كَانَ ضَامِنًا أَيْضًا، لأَِنَّ مَا فِي يَدِ الْوَكِيل لِلْمُوَكِّل أَمَانَةٌ، وَالْوَكِيل أَمِينٌ، وَهُوَ

_________

(١) الفتاوى الكبرى لابن حجر ٣ / ٨٧.