الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤

الْوَصِيَّةِ وَالنِّكَاحِ صِحَّةُ شَرْطِ ذِمِّيٍّ النَّظَرَ لِذِمِّيٍّ عَدْلٍ فِي دِينِهِ إِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ ذِمِّيًّا لَكِنْ يُرَدُّ بِاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي بَابِ الْوَقْفِ، قَال الشَّبْرَامَلْسِيُّ: الْقَوْل بِالرَّدِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَتَزْوِيجِ الذِّمِّيِّ مُوَلِّيَتَهُ أَنَّ وَلِيَّ النِّكَاحِ فِيهِ وَازِعٌ طَبِيعِيٌّ يَحْمِلُهُ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِينِ مُوَلِّيَتِهِ دَفْعًا لِلْعَارِ عَنْهُ بِخِلاَفِ الْوَقْفِ (١) .

وَهُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ، فَفِي الْمَوَّاقِ قَال ابْنُ عَرَفَةَ: النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِمَنْ جَعَلَهُ إِلَيْهِ مُحَبِّسُهُ، قَال الْمَتِّيطِيُّ: يَجْعَلُهُ لِمَنْ يُوثَقُ بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ (٢) .

أُجْرَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ:

الْكَلاَمُ عَلَى أُجْرَةِ النَّاظِرِ يَشْمَل عِدَّةَ مَسَائِل؛ مِثْل أَحَقِّيَّتِهِ فِي الأُْجْرَةِ، وَفِي تَقْدِيرِهَا مِنَ الْوَاقِفِ أَوِ الْقَاضِي، وَفِي مِقْدَارِهَا، وَهَل يَسْتَحِقُّ أَجْرًا إِذَا لَمْ يَجْعَل لَهُ الْوَاقِفُ أَوِ الْقَاضِي أَجْرًا؟ وَهَكَذَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - أَحَقِّيَّةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ فِي الأُْجْرَةِ:

١٠٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّاظِرَ عَلَى الْوَقْفِ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً نَظِيرَ قِيَامِهِ بِإِدَارَةِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ٣٩٦، وأسنى المطالب ٢ / ٤٧١، وتحفة المحتاج ٦ / ٢٨٨ مع الحاشيتين.

(٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦ / ٣٧.

الْوَقْفِ وَالْعِنَايَةِ بِمَصَالِحِهِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا وَقَفَ أَرْضَهُ بِخَيْبَرَ حَيْثُ قَال: " لاَ بَأْسَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ ".

وَمَا فَعَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَيْثُ جَعَل نَفَقَةَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ وَقَفَهُمْ مَعَ صَدَقَتِهِ لِيَقُومُوا بِعِمَارَتِهَا مِنَ الْغَلَّةِ (٢) .

وَبِالْقِيَاسِ عَلَى عَامِل الزَّكَاةِ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ " (٤) .

قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عِنْدَ شَرْحِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: هُوَ دَالٌّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أُجْرَةِ الْعَامِل عَلَى الْوَقْفِ، وَمُرَادُ الْعَامِل فِي هَذَا الْحَدِيثِ: الْقَيِّمُ عَلَى الأَْرْضِ (٥) .

_________

(١) البحر الرائق ٥ / ٢٦٤، والدسوقي ٤ / ٨٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، ٣٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٩٥، ٥٠٣.

(٢) البحر الرائق ٥ / ٢٦٤، والدسوقي ٤ / ٨٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، ٣٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٩٥، ٥٠٣.

(٣) الإسعاف ص٥٣، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٠٥ - ٦٠٦.

(٤) حديث: " لا تقتسم ورثتي دينار. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٤٠٦) من حديث أبي هريرة.

(٥) فتح الباري ٥ / ٤٠٦.

ب - تَقْدِيرُ أُجْرَةِ النَّاظِرِ أَوْ مَا يَسْتَحِقُّهُ النَّاظِرُ مِنَ الأَْجْرِ:

٩٦ - أُجْرَةُ النَّاظِرِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَشْرُوطَةً مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ أَوْ مُقَدَّرَةً مِنْ قِبَل الْقَاضِي.

١٠٤ - فَإِنْ كَانَتِ الأُْجْرَةُ مَشْرُوطَةً مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ فَإِنَّ النَّاظِرَ يَأْخُذُ مَا شَرَطَهُ لَهُ الْوَاقِفُ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ أَجْرِ مِثْلِهِ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ لَهُ الْوَاقِفُ أَقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل فَلِلْقَاضِي أَنْ يُكْمِل لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ بِطَلَبِهِ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَل النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ أَجْرًا فَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنْ شَرَطَ النَّظَرَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ لأَِنَّهُ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) .

وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ شَرَطَ لِلنَّاظِرِ أُجْرَةً أَيْ عِوَضًا مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لِقَدْرِ أُجْرَةِ الْمِثْل اخْتُصَّ بِهِ وَكَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهُ الْوَقْفُ مِنْ أُمَنَاءَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل فَكُلْفَةُ مَا

_________

(١) حاشة ابن عابدين ٣ / ٤١٧، والبحر الرائق ٥ / ٢٦٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٩٥، ٥٠٣.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٦٤.

يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْ نَحْوِ أُمَنَاءَ وَعُمَّالٍ يَكُونُ عَلَى النَّاظِرِ يَصْرِفُهَا مِنَ الزِّيَادَةِ حَتَّى يَبْقَى لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ شَرَطَهُ لَهُ خَالِصًا (١) .

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يُحَدِّدُوا شَيْئًا وَتَرَكُوا ذَلِكَ لِتَقْدِيرِ الْوَاقِفِ أَوِ الْقَاضِي (٢) .

١٠٥ - وَإِنْ كَانَتِ الأُْجْرَةُ مُقَدَّرَةً مِنْ قِبَل الْقَاضِي بِأَنْ لَمْ يَجْعَل الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ شَيْئًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَا يُقَدِّرُهُ الْقَاضِي لِلنَّاظِرِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْجْرَ الْمُقَدَّرَ مِنَ الْقَاضِي يَجِبُ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ زَائِدًا عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل يُمْنَعْ عَنْهُ الزَّائِدُ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُتْرَكُ الأَْمْرُ لاِجْتِهَادِ الْقَاضِي. جَاءَ فِي مِنَحِ الْجَلِيل: النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِمَنْ جَعَلَهُ إِلَيْهِ مُحَبِّسُهُ، يَجْعَلُهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، فَإِنْ غَفَل الْمُحَبِّسُ عَنْ جَعْل النَّظَرِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، كَانَ النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِلْقَاضِي فَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ مَنْ يَرْتَضِيهِ وَيَجْعَل لَهُ مِنْ كِرَاءِ الْوَقْفِ مَا يَرَاهُ الْقَاضِي سَدَادًا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.

وَقَال ابْنُ فَتُّوحٍ: لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَل لِمَنْ قَدَّمَهُ لِلنَّظَرِ فِي الأَْحْبَاسِ رِزْقًا مَعْلُومًا فِي كُل شَهْرٍ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٢٧١.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٨٨، ومنح الجليل ٤ / ٦٤.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤١٧، والبحر الرائق مع هامشه منحة الخالق ٥ / ٢٦٤، والفروع لابن مفلح ٤ / ٥٩٥.

بِاجْتِهَادِهِ فِي قَدْرٍ ذَلِكَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وَفَعَلَهُ الأَْئِمَّةُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ أُجْرَةً فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَال الْوَقْفِ فَإِنْ فَعَل ضَمِنَ وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِإِقْبَاضِهِ لِلْحَاكِمِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَوْ رَفَعَ النَّاظِرُ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةً فَهُوَ كَمَا إِذَا تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَال الطِّفْل فَرَفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيُثْبِتَ لَهُ أُجْرَةً، قَالَهُ الْبَلْقِينِيُّ، قَال تِلْمِيذُهُ الْعِرَاقِيُّ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ الأُْجْرَةَ مَعَ الْحَاجَةِ إِمَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ لَهُ - كَمَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ - أَوِ الأَْقَل مِنْ نَفَقَتِهِ وَأُجْرَةِ مِثْلِهِ كَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقِيل: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ النَّفَقَةِ (٢) .

ج - حُكْمُ مَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ أَجْرًا:

١٠٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُعَيَّنْ لِلنَّاظِرِ أَجْرٌ.

فَقَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ شَيْئًا لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إِلاَّ إِذَا جَعَل لَهُ الْقَاضِي أُجْرَةً مِثْل عَمَلِهِ فِي

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٨٨، ومنح الجليل ٤ / ٦٤، والحطاب ٦ / ٤٠.

(٢) نهاية المحتاج ٥ / ٣٩٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٤.

الْوَقْفِ، فَيَأْخُذُهُ عَلَى أَنَّهُ أُجْرَةٌ (١) .

وَحَرَّرَ ابْنُ عَابِدِينَ الْمَسْأَلَةَ فَقَال: فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ إِنْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَهُ، عَمِل أَوْ لَمْ يَعْمَل، حَيْثُ لَمْ يَشْرُطْهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَل، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْوَاقِفُ وَعَيَّنَ لَهُ الْقَاضِي أُجْرَةَ مِثْلِهِ جَازَ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ أَكْثَرَ يُمْنَعُ عَنْهُ الزَّائِدُ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، هَذَا إِنْ عَمِل، وَإِنْ لَمْ يَعْمَل لاَ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً. وَبِمَثَلِهِ صَرَّحَ فِي الأَْشْبَاهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى.

وَإِنْ نَصَبَهُ الْقَاضِي وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ شَيْئًا يُنْظَرُ: إِنْ كَانَ الْمَعْهُودُ أَنْ لاَ يَعْمَل إِلاَّ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، لأَِنَّ الْمَعْهُودَ كَالْمَشْرُوطِ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ (٢) .

لَكِنَّ ابْنَ نُجَيْمٍ نَقَل عَنِ الْقُنْيَةِ رَأْيَيْنِ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي مَنْصُوبِ الْقَاضِي إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أُجْرَةً.

الأَْوَّل: أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ نَصَبَ قَيِّمًا مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أَجْرًا فَسَعَى فِيهِ سَنَةً فَلاَ شَيْءَ لَهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَيِّمَ يَسْتَحِقُّ مِثْل أَجْرِ سَعْيِهِ سَوَاءٌ شَرَطَ لَهُ الْقَاضِي أَوْ أَهْل الْمَحَلَّةِ أَجْرًا أَوْ لاَ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل الْقِوَامَةَ ظَاهِرًا إِلاَّ بِأَجْرٍ، وَالْمَعْهُودُ كَالْمَشْرُوطِ (٣) .

_________

(١) منحة الخالق بهامش البحر الرائق ٥ / ٢٦٤.

(٢) المرجع السابق.

(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٦٤.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَشْرُطِ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ شَيْئًا لاَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ.

وَإِذَا رُفِعَ الأَْمْرُ لِلْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يُعْطَى مَعَ الْحَاجَةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ في ف ١٠٥. (١)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: آرَاءٌ ثَلاَثَةٌ:

الأَْوَّل: أَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَأْكُل مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ بِالْمَعْرُوفِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُحْتَاجًا أَوْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلْحَاقًا لَهُ بِعَامِل الزَّكَاةِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ (٢) .

الثَّانِي: أَنَّ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يَأْخُذَ الأَْقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل أَوْ كِفَايَتِهِ، قِيَاسًا عَلَى وَلِيِّ الصَّغِيرِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ هَذَا الأَْجْرَ إِلاَّ إِذَا كَانَ فَقِيرًا كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ (٣) .

الثَّالِثُ: أَنَّ لِلنَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ إِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَجْرَ عَمَلِهِ الْحَقُّ فِي أَجْرِ الْمِثْل لأَِنَّهُ مُقَابِل عَمَلٍ يُؤَدِّيهِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.

فَقَدْ جَاءَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي

_________

(١) أسنى المطالب ٢ / ٤٧٢، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٨.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٩٥، والفروع ٤ / ٣٢٥، وينظر الكافي ٢ / ٤٥٧.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٩٥، والفروع ٤ / ٣٢٤ - ٣٢٥.

عَلَى عَمَلِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ (١) .

وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْقَاضِي يَجْعَل لَهُ فِي الأَْحْبَاسِ أُجْرَةً، أَوْ كَمَا يَقُول ابْنُ فَتُّوحٍ رِزْقًا مَعْلُومًا فِي كُل شَهْرٍ بِاجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ (٢) .

د - الْجِهَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ مِنْهَا النَّاظِرُ أُجْرَتَهُ:

١٠٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ غَيْرَ ابْنِ عَتَّابٍ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ النَّاظِرُ مِنْ أَجْرٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مَشْرُوطًا مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ أَمْ مِنْ قِبَل الْقَاضِي يَكُونُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ حَيْثُ قَال: لِوَالِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَأْكُل مِنْهَا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا (٣) .

وَقَال ابْنُ عَتَّابٍ عَنِ الْمُشَاوِرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَكُونُ أَجْرُ النَّاظِرِ إِلاَّ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ أَخَذَهَا مِنَ الأَْحْبَاسِ أُخِذَتْ مِنْهُ وَرَجَعَ بِأَجْرِهِ فِي بَيْتِ الْمَال فَإِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، قَال الْحَطَّابُ: وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَل لَهُ فِيهَا شَيْءٌ لأَِنَّهُ تَغْيِيرٌ

_________

(١) الفروع ٤ / ٥٩٥، والاختيارات ص١٧٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٧١.

(٢) مواهب الجليل ٦ / ٤٠.

(٣) الإسعاف ص٥٣، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤١٧، والحطاب ٦ / ٤٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٤، والفروع ٤ / ٣٢٣ - ٣٢٥، وشرح المنتهى ٢ / ٢٩٥.

لِلْوَصَايَا، وَبِمِثْل قَوْل الْمُشَاوِرِ أَفْتَى ابْنُ وَرْدٍ (١) .

لَكِنَّ الدُّسُوقِيَّ ضَعَّفَ قَوْل ابْنِ عَتَّابٍ (٢) .

هـ - الْعَمَل الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّاظِرُ الأُْجْرَةَ:

١٠٨ - الْعَمَل الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّاظِرُ الأُْجْرَةَ هُوَ حِفْظُ الْوَقْفِ وَعِمَارَتُهُ وَإِيجَارُهُ، وَتَحْصِيل رَيْعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ، وَالاِجْتِهَادُ فِي تَنْمِيَتِهِ، وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلاَحٍ وَإِعْطَاءٍ مُسْتَحَقٌّ لأَِنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي مِثْلِهِ (٣) .

وَلِلنَّاظِرِ الأُْجْرَةُ مِنْ وَقْتِ نَظَرِهِ فِيهِ لأَِنَّهَا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَلاَ يُسْتَحَقُّ إِلاَّ بِقَدْرِهِ (٤) .

قَال الْحَنَابِلَةُ: وَمَتَى فَرَّطَ النَّاظِرُ سَقَطَ مِمَّا لَهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ عَلَى الْوَقْفِ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَل، فَيُوَزَّعُ مَا قُدِّرَ لَهُ عَلَى مَا عَمِل وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْهُ، وَيَسْقُطُ قِسْطُ مَا لَمْ يَعْمَلْهُ (٥) .

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ نَازَعَ أَهْل الْوَقْفِ الْقَيِّمَ، وَقَالُوا لِلْحَاكِمِ: إِنَّ الْوَاقِفَ إِنَّمَا جَعَل لَهُ الأَْجْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَل وَهُوَ لاَ يَعْمَل شَيْئًا، لاَ يُكَلِّفُهُ الْحَاكِمُ مِنَ الْعَمَل مَا لاَ يَفْعَلُهُ الْوُلاَةُ، وَلَوْ حَلَّتْ

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ٤٠.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٨٨.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٦٨، وروضة الطالبين ٥ / ٣٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٤.

(٤) كشاف القناع ٤ / ٢٧٢، والإسعاف ص٥٣ - ٥٤، ومواهب الجليل ٦ / ٤٠.

(٥) كشاف القناع ٤ / ٢٧١.

بِهِ آفَةٌ يُمْكِنُهُ مَعَهَا الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ وَالأَْخْذُ وَالإِْعْطَاءُ فَلَهُ الأَْجْرُ وَإِلاَّ فَلاَ أَجْرَ لَهُ، وَلَوْ جَعَل الْوَاقِفُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَعَل ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ يَجُوزُ، فَهَذَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ (١) .

وَلَوْ وَقَفَ أَرْضَهُ عَلَى مَوَالِيهِ ثُمَّ مَاتَ، فَجَعَل الْقَاضِي لِلْوَقْفِ قَيِّمًا وَجَعَل لَهُ عُشْرَ الْغَلَّةِ، وَفِي الْوَقْفِ طَاحُونٌ فِي يَدِ رَجُلٍ بِالْمُقَاطَعَةِ لاَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الْقَيِّمِ، وَأَصْحَابُ الْوَقْفِ يَقْبِضُونَ غَلَّتَهَا مِنْهُ، لاَ يَسْتَحِقُّ الْقَيِّمُ عُشْرَ غَلَّتِهَا، لأَِنَّ مَا يَأْخُذُهُ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ الأُْجْرَةِ وَلاَ أُجْرَةَ بِدُونِ عَمَلٍ (٢) .

و مُحَاسَبَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ:

١٠٩ - مِنْ وَظِيفَةِ النَّاظِرِ تَحْصِيل غَلَّةِ الْوَقْفِ وَالإِْنْفَاقُ مِنْهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ الْوَقْفُ وَالصَّرْفُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ.

وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مُحَاسَبَةِ النَّاظِرِ عَلَى مَا يُنْفِقُهُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ قِبَل الْقَاضِي أَمْ مِنْ قِبَل الْمُسْتَحِقِّينَ.

لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي قَبُول قَوْل النَّاظِرِ فِي الإِْنْفَاقِ، هَل يُقْبَل دُونَ بَيِّنَةٍ أَمْ لاَ بُدَّ مِنَ الْبَيِّنَةِ؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ هَل يُقْبَل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ دُونَ يَمِينٍ.

_________

(١) الإسعاف ص٥٣ - ٥٤.

(٢) الإسعاف ص٥٦.