الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤

وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْحَنَفِيَّةِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهِلاَلٍ - وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ - تَكُونُ الْوِلاَيَةُ لِلْوَاقِفِ، ثُمَّ لِوَصِيِّهِ إِنْ كَانَ وَإِلاَّ فَلِلْحَاكِمِ، لأَِنَّ الْمُتَوَلِّيَ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ الْوِلاَيَةَ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ بِشَرْطِهِ فَيَسْتَحِيل أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوِلاَيَةُ وَغَيْرُهُ يَسْتَفِيدُ الْوِلاَيَةَ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْوَقْفِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِوِلاَيَتِهِ.

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ تَكُونُ الْوِلاَيَةُ لِلْوَاقِفِ مَا دَامَ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ التَّسْلِيمَ إِلَى الْقَيِّمِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ، فَإِذَا سَلَّمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلاَيَةٌ فِيهِ (١) .

وَإِنْ مَاتَ الْوَاقِفُ وَلَمْ يَجْعَل وِلاَيَتَهُ لأَِحَدٍ جَعَل الْقَاضِي لَهُ قَيِّمًا وَلاَ يَجْعَلْهُ مِنَ الأَْجَانِبِ مَا دَامَ يَجِدُ مِنْ أَهْل بَيْتِ الْوَاقِفِ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، إِمَّا لأَِنَّهُ أَشْفَقُ، أَوْ لأَِنَّهُ مَنْ قَصَدَ الْوَاقِفُ نِسْبَةَ الْوَقْفِ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَمِنَ الأَْجَانِبِ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ النِّظَارَةَ لأَِحَدٍ فَالنَّظَرُ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ لَهُ النَّظَرَ الْعَامَّ فَكَانَ أَوْلَى بِالنَّظَرِ فِيهِ، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٨٤، وفتح القدير ٦ / ٢٣١.

(٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣ / ٤١٠، ٤١١، والإسعاف ص٥٠.

فِي الْوَقْفِ لِلَّهِ تَعَالَى (١) .

الرَّأْيُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْوَاقِفِ، لأَِنَّهُ كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَشْرُطْهُ بَقِيَ عَلَى نَظَرِهِ.

وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لأَِنَّ الْغَلَّةَ لَهُ فَكَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ (٢) .

مَا يُشْتَرَطُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ:

اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِصَلاَحِيَّةِ النَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ شُرُوطًا عِدَّةً، مِنْهَا مَا هُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَهُمْ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: التَّكْلِيفُ:

٩٩ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، فَلاَ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الصَّبِيِّ وَلاَ الْمَجْنُونِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ (٣) .

وَلِلْفُقَهَاءِ بَعْضُ التَّفْصِيل:

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ نَاظِرًا مُعَيَّنًا، وَكَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، فَإِنَّهُ يَلِي أَمْرَ الْوَقْفِ بِنَفْسِهِ وَيَكُونُ نَاظِرًا

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٩ - ٣٩٣.

(٢) المهذب ١ / ٤٥٢.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٥، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٤، وفتح القدير ٦ / ٢٤٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، وروضة الطالبين ٥ / ٣٤٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٠.

عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي النَّظَرِ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُتَّبَعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي تَخْصِيصِ نَاظِرٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَل الْوَاقِفُ نَاظِرًا فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ مُعَيَّنًا رَشِيدًا فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أَمْرَ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَشِيدٍ فَوَلِيُّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَالْحَاكِمُ يُوَلِّي عَلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَنْتَقِل الْمِلْكُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ آدَمِيًّا مُعَيَّنًا أَوْ جَمْعًا مَحْصُورًا كَأَوْلاَدِهِ أَوْ أَوْلاَدِ زَيْدٍ، وَيَنْظُرُ فِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا، أَوْ يَنْظُرُ فِيهِ وَلِيُّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ سَفِيهًا. وَقَال ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَنْظُرُ فِيهِ الْحَاكِمُ (٢) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الإِْسْعَافِ قَوْلَهُ: وَلَوْ أَوْصَى إِلَى صَبِيٍّ تَبْطُل فِي الْقِيَاسِ مُطْلَقًا، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ هِيَ بَاطِلَةٌ مَا دَامَ صَغِيرًا فَإِذَا كَبُرَ تَكُونُ الْوِلاَيَةُ لَهُ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ فِي الْوِلاَيَةِ كَحُكْمِ الصَّغِيرِ قِيَاسًا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي فَتَاوَى الْعَلاَّمَةِ الشَّلَبِيِّ: وَأَمَّا الإِْسْنَادُ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٨٨.

(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٤٤ - ٢٥٥، ٢٧٠، والمغني ٥ / ٦٤٧، والإنصاف ٧ / ٦٦ - ٦٧.

لِلصَّغِيرِ فَلاَ يَصِحُّ بِحَالٍ لاَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِقْلاَل بِالنَّظَرِ وَلاَ عَلَى سَبِيل الْمُشَارَكَةِ لِغَيْرِهِ، لأَِنَّ النَّظَرَ عَلَى الْوَقْفِ مِنْ بَابِ الْوِلاَيَةِ، وَالصَّغِيرُ يُوَلَّى عَلَيْهِ لِقُصُورِهِ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى عَلَى غَيْرِهِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: رَأَيْتُ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلإِْسْتُرُوشِنِيِّ عَنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ قَال: الْقَاضِي إِذَا فَوَّضَ التَّوْلِيَةَ إِلَى صَبِيٍّ يَجُوزُ إِذَا كَانَ أَهْلًا لِلْحِفْظِ، وَتَكُونُ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ، كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ إِذْنَ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لاَ يَأْذَنُ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْل مَا فِي الإِْسْعَافِ وَغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ الأَْهْل لِلْحِفْظِ بِأَنْ كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ، أَمَّا الْقَادِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فَتَكُونُ تَوْلِيَتُهُ مِنَ الْقَاضِي إِذْنًا لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يَأَذَنَ لِلصَّغِيرِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلِيُّهُ (١) .

وَكَمَا أَنَّ الْجُنُونَ يَمْنَعُ التَّوْلِيَةَ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا بَقَاءً، فَلَوْ كَانَ نَاظِرًا ثُمَّ جُنَّ فَإِنَّهُ يُعْزَل عَنِ النِّظَارَةِ. لَكِنْ لَوْ عَادَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ وَبَرِئَ مِنْ عِلَّتِهِ هَل يَعُودُ نَاظِرًا؟ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ: أَنَّ النَّاظِرَ يَنْعَزِل بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ سَنَةً لاَ أَقَل، وَلَوْ بَرِئَ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٨٥، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٤ - ٢٤٥.

عَادَ إِلَيْهِ النَّظَرُ، قَال فِي النَّهْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ، أَمَّا مَنْصُوبُ الْقَاضِي فَلاَ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ بِالْجُنُونِ تَنْسَلِبُ الْوِلاَيَاتُ (٢)، قَال الشَّبْرَامَلْسِيُّ: لَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ تَعُودُ إِلَيْهِ وِلاَيَةُ النِّظَارَةِ بِنَفْسِ الإِْفَاقَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ إِذَا كَانَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ (٣) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَدَالَةُ:

١٠٠ - يُشْتَرَطُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا.

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الشَّرْطِ تَفْصِيلٌ:

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْعَدَالَةِ شَرْطَ صِحَّةٍ أَوْ شَرْطَ أَوْلَوِيَّةٍ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ صِحَّةِ الْوَقْفِ. فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الإِْسْعَافِ: وَلاَ يُوَلَّى إِلاَّ أَمِينٌ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ لأَِنَّهُ يُخِل بِالْمَقْصُودِ.

وَالرَّأْيُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ، فَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ لاَ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَأَنَّ النَّاظِرَ إِذَا فُسِّقَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٥.

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٤٣.

(٣) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٤ / ٣٤٥.

اسْتَحَقَّ الْعَزْل وَلاَ يَنْعَزِل، كَالْقَاضِي إِذَا فُسِّقَ لاَ يَنْعَزِل عَلَى الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ شَرْطًا إِذَا كَانَ النَّاظِرُ مَنْصُوبًا مِنْ قِبَل الْقَاضِي أَوْ مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ. فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَطَّابِ: النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِمَنْ جَعَلَهُ إِلَيْهِ مُحَبِّسُهُ يَجْعَلُهُ لِمَنْ يَثِقُ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، فَإِنْ غَفَل الْمُحَبِّسُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ فِيهِ لِلْحَاكِمِ يُقَدِّمُ لَهُ مَنْ يَرْتَضِيهِ. . وَالنَّاظِرُ عَلَى الْحَبْسِ إِذَا كَانَ سَيِّئَ النَّظَرِ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَيَرْضَى بِهِ وَيَسْتَمِرُّ، وَذَكَرَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَعْزِل نَاظِرًا إِلاَّ بِجُنْحَةٍ، وَلِلْوَاقِفِ عَزْلُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ فِي مَنْصُوبِ الْحَاكِمِ، قَال السُّبْكِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي مَنْصُوبِ الْوَاقِفِ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ.

وَقَال الأَْذْرُعِيُّ: تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ فِي مَنْصُوبِ الْوَاقِفِ أَيْضًا، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَالأَْوَّل أَوْجَهُ.

وَإِذَا فُسِّقَ النَّاظِرُ انْعَزَل وَمَتَى انْعَزَل بِالْفِسْقِ فَالنَّظَرُ لِلْحَاكِمِ (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٥، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٤.

(٢) الحطاب ٦ / ٣٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٨.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٦، وتحفة المحتاج ٦ / ٢٨٨.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ فُسِّقَ النَّاظِرُ ثُمَّ صَارَ عَدْلًا فَإِنْ كَانَتْ وِلاَيَتُهُ مَشْرُوطَةً فِي أَصْل الْوَقْفِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ عَادَتْ وِلاَيَتُهُ وَإِلاَّ فَلاَ، أَفْتَى بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ. قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَكَانَتْ تَوْلِيَةُ النَّاظِرِ مِنَ الْحَاكِمِ بِأَنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ وَلَّى الْحَاكِمُ نَاظِرًا مِنْ غَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، أَوْ كَانَ النَّظَرُ لِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ وِلاَيَتُهُ مِنْ حَاكِمٍ بِأَنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَوَلَّى الْحَاكِمُ مِنْهُمْ نَاظِرًا عَلَيْهِ، أَوْ كَانَتِ التَّوْلِيَةُ مِنْ نَاظِرٍ أَصْلِيٍّ فَلاَ بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ فِيهِ لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ عَلَى مَالٍ فَاشْتُرِطَ لَهَا الْعَدَالَةُ كَالْوِلاَيَةِ عَلَى مَال الْيَتِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ تَصِحَّ وِلاَيَتُهُ وَأُزِيلَتْ يَدُهُ عَنِ الْوَقْفِ حِفْظًا لَهُ، فَإِنْ عَادَ إِلَى أَهْلِيَّتِهِ عَادَ حَقُّهُ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا لَمْ تَصِحَّ وَأُزِيلَتْ يَدُهُ، وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ مَشْرُوطًا مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ فَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَيُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ عَدْلٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَمَل بِالشَّرْطِ وَحِفْظِ الْوَقْفِ، وَلاَ تُزَال يَدُهُ إِلاَّ أَنْ لاَ يُمْكِنَ حِفْظُهُ مِنْهُ فَتُزَال وِلاَيَتُهُ،

_________

(١) المنثور في القواعد للزركشي ٢ / ١٧٩، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٧.

لأَِنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْوَقْفِ أَهَمُّ مِنْ إِبْقَاءِ وِلاَيَةٍ لِفَاسِقٍ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ النَّاظِرُ أَجْنَبِيًّا أَوْ بَعْضَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ وَأَنَّهُ يَنْعَزِل إِذَا فُسِّقَ فِي أَثْنَاءِ وِلاَيَتِهِ لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ فَنَفَاهَا الْفِسْقُ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِمَّا بِجَعْل الْوَاقِفِ النَّظَرَ لَهُ بِأَنْ قَال: وَقَفْتُهُ عَلَى زَيْدِ وَنَظَرُهُ لَهُ أَوْ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهِ لِعَدَمِ نَاظِرٍ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِالنَّظَرِ، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، لأَِنَّهُ يَمْلِكُ الْوَقْفَ فَهُوَ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، وَقِيل: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ، حِفْظًا لأَِصْل الْوَقْفِ عَنِ الْبَيْعِ أَوِ التَّضْيِيعِ (١) .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْكِفَايَةُ:

١٠١ - الْمَقْصُودُ بِالْكِفَايَةِ قُوَّةُ الشَّخْصِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ نَاظِرٌ عَلَيْهِ.

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الْكِفَايَةُ، لأَِنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْوَقْفِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّاظِرُ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُمْكِنْهُ مُرَاعَاةُ حِفْظِ الْوَقْفِ.

فَإِنِ اخْتَلَّتِ الْكِفَايَةُ فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَنْزِعُ الْحَاكِمُ الْوَقْفَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ النَّظَرُ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٢٧٠، ٢٧٢، والإنصاف ٧ / ٦٧، والمغني ٥ / ٦٤٧، وشرح المنتهى ٢ / ٥٠٤.

الْوَاقِفَ، وَقَضِيَّةُ كَلاَمِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَتَوَلاَّهُ اسْتِقْلاَلًا فَيُوَلِّيهِ مَنْ أَرَادَ وَأَنَّ النَّظَرَ لاَ يَنْتَقِل لِمَنْ بَعْدَهُ إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لإِنْسَانٍ بَعْدَ آخَرَ أَيْ إِلاَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ زَال الاِخْتِلاَل عَادَ نَظَرُهُ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْوَقْفِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَإِنِ اقْتَضَى كَلاَمُ الإِْمَامِ خِلاَفَهُ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَّتِ الْكِفَايَةُ لاَ يُعْزَل، قَال الْبُهُوتِيُّ: يُضَمُّ إِلَى نَاظِرٍ ضَعِيفٍ قَوِيٌّ أَمِينٌ، لِيُحَصَّل الْمَقْصُودُ سَوَاءٌ كَانَ نَاظِرًا بِشَرْطٍ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (١) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: يُنْزَعُ النَّاظِرُ وُجُوبًا لَوْ كَانَ الْوَاقِفُ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَوْ عَاجِزًا.

وَفِي الإِْسْعَافِ: لاَ يُوَلَّى إِلاَّ أَمِينٌ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ لأَِنَّهُ يُخِل بِالْمَقْصُودِ، وَكَذَا تَوْلِيَةُ الْعَاجِزِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ لاَ يَحْصُل بِهِ.

لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَرْطُ الأَْوْلَوِيَّةِ لاَ شَرْطُ صِحَّةٍ (٢) .

وَكَلاَمُ الْمَالِكِيَّةِ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكِفَايَةِ أَيْضًا،

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٦ - ٣٩٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٠، وشرح المنتهى ٢ / ٥٠٤.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٨٥، والإسعاف ص٤٩.

فَقَدْ قَالُوا: النَّاظِرُ عَلَى الْحَبْسِ إِنْ كَانَ سَيِّئَ النَّظَرِ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَيَرْضَى بِهِ وَيَسْتَمِرُّ (١) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الإِْسْلاَمُ:

١٠٢ - قَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الإِْسْلاَمُ إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ كَانَتِ الْجِهَةُ كَمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (٢)﴾، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى كَافِرٍ مُعَيَّنٍ جَازَ شَرْطُ النَّظَرِ فِيهِ لِكَافِرٍ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ الْكُفَّارِ وَشَرَطَ النَّظَرَ لأَِحَدِهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ (٣) .

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ النَّاظِرُ ذِمِّيًّا وَأَنَّ الإِْسْلاَمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَوْ كَانَ النَّاظِرُ ذِمِّيًّا وَأَخْرَجَهُ الْقَاضِي لأَِيِّ سَبَبٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ لاَ تَعُودُ الْوِلاَيَةُ إِلَيْهِ (٤) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال الرَّمْلِيُّ: قِيَاسُ مَا فِي

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ٣٧.

(٢) سورة النساء / ١٤١.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٧٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٤.

(٤) ابن عابدين ٣ / ٣٨٥، والإسعاف ص٥٢، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٥.