الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤ الصفحة 43

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤

وَلِكُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلٌ يَخْتَلِفُ عَنْ غَيْرِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

١١٠ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَلْزَمُ أَنْ يُحَاسِبَ الْقَاضِي مُتَوَلِّيَ الْوَقْفِ بِالتَّفْصِيل لِكُل مَا صَرَفَهُ مِنْ غَلاَّتِ الْوَقْفِ، بَل يَكْتَفِي مِنْهُ بِالإِْجْمَال لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالأَْمَانَةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ مُتَّهَمًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُجْبِرُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلاَ يَحْبِسُهُ، وَلَكِنْ يُحْضِرُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً وَيُخَوِّفُهُ وَيُهَدِّدُهُ إِنْ لَمْ يُفَسِّرْ، فَإِنْ فَعَل فَبِهَا، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَمِينِ (١) .

وَنَقَل فِي الدُّرِّ عَنِ الْقُنْيَةِ: لَوِ اتَّهَمَهُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُحَلِّفُهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ وَلَوْ كَانَ أَمِينًا، كَالْمُودَعِ يَدَّعِي هَلاَكَ الْوَدِيعَةِ أَوْ رَدَّهَا.

وَقِيل: إِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَاضِي شَيْئًا مَعْلُومًا، وَقِيل: يُحَلَّفُ عَلَى كُل حَالٍ.

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا لَوِ ادَّعَى الْمُتَوَلِّي الدَّفْعَ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ.

فَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: قُبِل قَوْلُهُ بِلاَ يَمِينٍ (٢) .

لَكِنْ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَالإِْسْعَافِ خِلاَفُ هَذَا، فَقَدْ جَاءَ فِي الإِْسْعَافِ: لَوْ قَال الْمُتَوَلِّي: قَبَضْتُ الأُْجْرَةَ وَدَفَعْتُهَا إِلَى هَؤُلاَءِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ،

_________

(١) الدر المختار ٣ / ٤٢٥، والبحر الرائق ٥ / ٢٦٢.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٢٥.

وَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْمُودَعِ إِذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَأَنْكَرَ الْمُودِعُ، لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا مَعْنًى وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا صُورَةً وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى. وَيَبْرَأُ مُسْتَأْجِرُ عَقَارِ الْوَقْفِ مِنَ الأُْجْرَةِ لاِعْتِرَافِ الْمُتَوَلِّي بِقَبْضِهَا.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَال الْمُتَوَلِّي: قَبَضْتُ الأُْجْرَةَ وَضَاعَتْ مِنِّي أَوْ سُرِقَتْ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا (١) .

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي هَذَا الزَّمَانِ.

وَفِي الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ عَنِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ: أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ إِنْ كَانَ مُفْسِدًا مُبَذِّرًا لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ بِصَرْفِ مَال الْوَقْفِ بِيَمِينِهِ.

وَفِي الْحَامِدِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْقَوْل فِي الأَْمَانَةِ قَوْل الأَْمِينِ مَعَ يَمِينِهِ، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ أَمْرًا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، فَحِينَئِذٍ تَزُول الأَْمَانَةُ وَتَظْهَرُ الْخِيَانَةُ فَلاَ يُصَدَّقُ.

وَفِي الْحَامِدِيَّةِ كَذَلِكَ عَنْ فَتَاوِي الشَّلَبِيِّ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الَّتِي صَارَ بِهَا فَاسِقًا لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا صَرَفَهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.

ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَل يُقْبَل قَوْل النَّاظِرِ الثِّقَةِ بَعْدَ الْعَزْل؟ ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِهِمُ

_________

(١) الإسعاف ص٦٨ - ٦٩، والبحر الرائق ٥ / ٢٦٣.

الْقَبُول لأَِنَّ الْعَزْل لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَمِينًا (١) .

وَنَقَل صَاحِبُ الدُّرِّ عَنِ الْمُنْلاَ أَبِي السُّعُودِ تَفْصِيلًا آخَرَ حَيْثُ أَفْتَى بِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَوِ ادَّعَى الدَّفْعَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ الَّذِي وَقَفَهُ عَلَى أَوْلاَدِهِ أَوْ أَوْلاَدِ أَوْلاَدِهِ قُبِل قَوْلُهُ.

وَإِنِ ادَّعَى الدَّفْعَ لأَِرْبَابِ الْوَظَائِفِ كَالإِْمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ، مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ مِثْل مَنِ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِلْبِنَاءِ فِي الْجَامِعِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ ادَّعَى تَسْلِيمَ الأُْجْرَةِ إِلَيْهِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ.

وَقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذَا التَّفْصِيل التِّمِرْتَاشِيُّ حَيْثُ قَال إِنَّهُ تَفْصِيلٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ (٢) .

١١١ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا مَاتَ الْوَاقِفُ وَعُدِمَ كِتَابُ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ يُقْبَل قَوْل النَّاظِرِ فِي الْجِهَاتِ الَّتِي يَصْرِفُ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ أَمِينًا، وَإِذَا ادَّعَى النَّاظِرُ أَنَّهُ صَرَفَ الْغَلَّةَ صُدِّقَ إِنْ كَانَ أَمِينًا، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شُهُودٌ فِي أَصْل الْوَقْفِ فَلاَ يَصْرِفُ إِلاَّ بِاطِّلاَعِهِمْ، وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ بِدُونِهِمْ.

وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ صَرَفَ عَلَى الْوَقْفِ مَالًا مِنْ عِنْدِهِ صُدِّقَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا وَإِلاَّ فَيُحَلَّفُ (٣) .

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٢٥.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٢٥.

(٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٥ / ٤٠٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٩.

وَفِي الْحَطَّابِ: سُئِل السَّيُورِيُّ عَنْ إِمَامِ مَسْجِدٍ وَمُؤَذِّنِهِ وَمُتَوَلِّي جَمِيعِ أُمُورِهِ قَامَ عَلَيْهِ مُحْتَسِبٌ بَعْدَ أَعْوَامٍ فِي غَلَّةِ حَوَانِيتَ لَهُ وَقَال: فَضَلَتْ فَضْلَةٌ عَمَّا أَنْفَقْتَ. فَقَال الْمُتَوَلِّي: لَمْ يَفْضُل شَيْءٌ فَقَال لَهُ الْمُحْتَسِبُ: بَيِّنْ لِلْقَاضِي صِفَةَ الْخُرُوجِ (أَيِ الإِْنْفَاقِ) فَقَال: لاَ يَجِبُ عَلَيَّ ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ مَا تَوَلَّيْتُ وَلاَ قُمْتُ بِهِ، وَالْحَال أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِهِ إِلاَّ هُوَ، وَلَوْلاَ هُوَ لَضَاعَ، فَهَل يُقْبَل قَوْلُهُ أَوْ لاَ يُقْبَل؟ فَأَجَابَ السَّيُورِيُّ: الْقَوْل قَوْلُهُ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ إِذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَال، قَال الْبِرِزْلِيُّ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ دَخْلًا وَلاَ خَرْجًا إِلاَّ بِإِشْهَادٍ (١) .

١١٢ - وَالشَّافِعِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ مُعَيَّنِينَ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو مَثَلًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ.

فَلَوِ ادَّعَى مُتَوَلِّي الْوَقْفِ صَرْفَ الرَّيْعِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ فَإِنْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ فَالْقَوْل قَوْلُهُمْ وَلَهُمْ مُطَالَبَتُهُ بِالْحِسَابِ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ فَهَل لِلإِْمَامِ مُطَالَبَتُهُ بِالْحِسَابِ أَوْ لاَ؟ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا الْقَاضِي الإِْمَامُ أَبُو نَصْرٍ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، أَوْجَهُهُمَا الأَْوَّل، وَيُصَدَّقُ فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَهُ عِنْدَ

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ٤٠.

الاِحْتِمَال، فَإِنِ اتَّهَمَهُ الْحَاكِمُ حَلَّفَهُ، وَالْمُرَادُ كَمَا قَال الأَْذْرُعِيُّ إِنْفَاقُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْعَادَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الصَّرْفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ بِخِلاَفِ إِنْفَاقِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ فَلاَ يُصَدَّقُ فِيهِ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ (١) .

١١٣ - وَالْحَنَابِلَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّاظِرِ الْمُتَبَرِّعِ بِنَظَرِهِ عَلَى الْوَقْفِ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُتَبَرِّعِ وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى النِّظَارَةِ، جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: يُقْبَل قَوْل النَّاظِرِ الْمُتَبَرِّعِ فِي الدَّفْعِ لِمُسْتَحَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (٢) .

قَال الْبُهُوتِيُّ وَالْمُرْدَاوِيُّ: لاَ اعْتِرَاضَ لأَِهْل الْوَقْفِ عَلَى مَنْ وَلاَّهُ الْوَاقِفُ أَمْرَ الْوَقْفِ إِذَا كَانَ الْمُوَلَّى أَمِينًا، وَلأَِهْل الْوَقْفِ مُسَاءَلَةُ النَّاظِرِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَى عَمَلِهِ مِنْ أُمُورِ وَقْفِهِمْ حَتَّى يَسْتَوِيَ عِلْمُهُمْ فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ، وَلِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يَنْصِبَ دِيوَانًا مُسْتَوْفِيًا لِحِسَابِ أَمْوَال الأَْوْقَافِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ (٣) .

قَال فِي الإِْنْصَافِ: مُبَاشَرَةُ الإِْمَامِ الْمُحَاسَبَةَ بِنَفْسِهِ كَنَصْبِ الإِْمَامِ الْحَاكِمَ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَاشِرُ الْحُكْمَ فِي الْمَدِينَةِ بِنَفْسِهِ وَيُوَلِّي مَعَ الْبُعْدِ (٤) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٤.

(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٦٩.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٧٧، والإنصاف ٧ / ٦٨.

(٤) الإنصاف ٧ / ٦٨.

ز - عَزْل نَاظِرِ الْوَقْفِ وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ:

سَبَقَ بَيَانُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَجِبُ تَوَفُّرُهَا فِي النَّاظِرِ مَعَ بَيَانِ الْحُكْمِ فِي عَزْلِهِ إِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ.

وَفِيمَا يَأْتِي بَيَانُ مَنْ لَهُ حَقُّ الْعَزْل:

أَوَّلًا: حَقُّ الْوَاقِفِ فِي عَزْل نَاظِرِ الْوَقْفِ:

١١٤ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ الْوَاقِفِ فِي عَزْل مَنْ وَلاَّهُ.

فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ ثُمَّ أَسْنَدَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ.

أ - فَإِذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ ثُمَّ أَسْنَدَ النَّظَرَ إِلَى غَيْرِهِ فَلَهُ عَزْلُهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَمَا يَعْزِل الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ وَيَنْصِبُ غَيْرَهُ (١) .

وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٤، والفروع ٤ / ٥٩٢، والإنصاف ٧ / ٦٠ - ٦١.

وَنَبَّهَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ لِلْوَاقِفِ الْعَزْل بِلاَ سَبَبٍ، وَبِهِ صَرَّحَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ فَقَال: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ وَلِلنَّاظِرِ الَّذِي مِنْ جِهَتِهِ عَزْل الْمُدَرِّسِ وَنَحْوِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْوَقْفِ، لِمَصْلَحَةٍ وَلِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لأَِنَّهُ كَالْوَكِيل.

ثُمَّ قَال: وَأَفْتَى كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمُ ابْنُ رَزِينٍ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَزْل بِلاَ سَبَبٍ.

وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لَيْسَ لَهُ الْعَزْل، لأَِنَّ مِلْكَهُ زَال فَلاَ تَبْقَى وِلاَيَتُهُ عَلَيْهِ (١) .

ب - أَمَّا إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِشَخْصٍ حَال الْوَقْفِ، كَأَنْ يَقُول: وَقَفْتُ هَذَا الشَّيْءَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فُلاَنٌ نَاظِرًا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ، زَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ، لأَِنَّهُ لاَ نَظَرَ لَهُ بَعْدَ شَرْطِهِ لَغَيْرِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ تَغْيِيرَ لِمَا شَرَطَهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ عَزَل النَّاظِرُ الْمَشْرُوطُ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ نَفْسَهُ أَوْ فُسِّقَ، فَتَوْلِيَةُ غَيْرِهِ إِلَى الْحَاكِمِ لاَ إِلَى الْوَاقِفِ، إِذْ لاَ نَظَرَ لَهُ بَعْدَ أَنْ جَعَل النَّظَرَ حَال الْوَقْفِ لِغَيْرِهِ (٢) .

لَكِنْ قَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٤ - ٣٩٥، وروضة الطالبين ٥ / ٣٤٩، والإنصاف ٧ / ٦٠ - ٦١، والفروع ٤ / ٥٩١.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٠٠، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٤، والفروع ٤ / ٥٩٢، والإنصاف ٧ / ٦٠.

لِغَيْرِهِ، وَشَرَطَ أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ كَانَ لَهُ عَزْلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ (١) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ تَكُونَ الْوِلاَيَةُ لَهُ وَلأَِوْلاَدِهِ فِي تَوْلِيَةِ الْقُوَّامِ وَعَزْلِهِمْ وَالاِسْتِبْدَال بِالْوَقْفِ، وَفِي كُل مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْوِلاَيَةِ، وَسَلَّمَ الْوَقْفَ إِلَى الْمُتَوَلِّي، جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ عَزْل مَنْ وَلاَّهُ. وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ لِنَفْسِهِ وِلاَيَةَ عَزْل الْمُتَوَلِّي فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بَعْدَمَا سَلَّمَهَا (أَيِ الْوِلاَيَةَ) إِلَى الْمُتَوَلِّي؛ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ أَهْل الْوَقْفِ (٢)، قَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ (٣) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي اشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ إِلَى الْمُتَوَلِّي، فَإِنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلاَ تَبْقَى لِلْوَاقِفِ وِلاَيَةٌ إِلاَّ بِالشَّرْطِ (٤) .

أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ الْوِلاَيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَاقِفِ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ، لأَِنَّ التَّسْلِيمَ إِلَى الْمُتَوَلِّي لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَهُ، قَال الْمِرْغِينَانِيُّ: وَهُوَ قَوْل هِلاَلٍ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا وَلَّى الْوَاقِفُ غَيْرَهُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ وَلَهُ عَزْلُهُ، سَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ (٥) .

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٢٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٤، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٢٩.

(٢) الإسعاف ص٤٩.

(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٤٤.

(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤١٢.

(٥) الإسعاف ص٤٩، والهداية وشروحها فتح القدير والعناية ٦ / ٢٣٠ - ٢٣١.

قَال الرَّمْلِيُّ: وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ عَزْلُهُ بِجُنْحَةٍ وَبِغَيْرِ جُنْحَةٍ، لأَِنَّهُ وَكَيْلٌ وَلِلْمُوَكِّل عَزْل الْوَكِيل مُطْلَقًا (١) .

قَال فِي الدُّرِّ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ. وَفِي الْبَحْرِ: وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِقَوْل أَبِي يُوسُفَ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُتْبَعُ شَرْطُهُ فِي تَعْيِينِ النَّاظِرِ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ فُلاَنٌ نَاظِرَ وَقْفِهِ اتُّبِعَ شَرْطُهُ، وَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ لِغَيْرِهِ، قَال الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَلِلْوَاقِفِ عَزْلُهُ وَلَوْ لِغَيْرِ جُنْحَةٍ (٣) وَكَذَا نَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ، قَال: لَوْ قَدَّمَ الْمُحَبِّسُ مَنْ رَأَى لِذَلِكَ أَهْلًا فَلَهُ عَزْلُهُ وَاسْتِبْدَالُهُ، وَقَال الْحَطَّابُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ النَّوَازِل وَأَقْوَال الْعُلَمَاءِ فِيهَا: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ حَبَّسَ شَيْئًا وَجَعَلَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَرَادَ عَزْلَهُ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِمُوجِبٍ يَظْهَرُ، كَالْقَاضِي إِذَا قَدَّمَ أَحَدًا (٤) .

ثَانِيًا: حَقُّ الْقَاضِي فِي الْعَزْل:

١١٥ - لِلْقَاضِي حَقُّ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، وَلِذَلِكَ

_________

(١) منحة الخالق لابن عابدين بهامش البحر الرائق ٥ / ٢٤٤.

(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٢، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٤.

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٨.

(٤) مواهب الجليل ٦ / ٣٩.

يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ عَزْل النَّاظِرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ الَّذِي تَثْبُتُ خِيَانَتُهُ (١) . أَوِ الَّذِي لَمْ يَتَوَافَرْ فِيهِ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي يَجِبُ تَوَفُّرُهَا فِي النَّاظِرِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ تَفْصِيلٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ عَزْلُهُ بِلاَ سَبَبٍ (٢) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي أَسْنَدَ إِلَيْهِ النِّظَارَةَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَزْلِهِ:

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَزْل مَنْ وَلاَّهُ الْقَاضِي إِلاَّ بِسَبَبٍ، مِنْ خِيَانَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَزْل النَّاظِرِ بِلاَ خِيَانَةٍ (٣) .

ح - تَعَدُّدُ نُظَّارِ الْوَقْفِ:

١١٦ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَقْفِ نَاظِرٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ (٤) .

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٤ - ٣٨٥، ومواهب الجليل ٦ / ٣٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٦، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٥، ٢٥٢ - ٢٥٤، والدسوقي ٤ / ٨٨، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٩.

(٣) الحطاب ٦ / ٤٠، والدسوقي ٤ / ٨٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٢، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٣٠، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٦، ٤١٩، والبحر الرائق ٥ / ٢٥٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٩.

(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٠٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٤، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٢، والعدوي على الخرشي ٨ / ١٩٣، وعقد الجواهر الثمينة ٣ / ٤٣٠.