الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي وَقْفِ الْمَشَاعِ، قَال الدَّرْدِيرُ: يَصِحُّ وَقْفُ الْمَمْلُوكِ وَإِنْ كَانَ مَشَاعًا فِيمَا يَقْبَل الْقِسْمَةَ، وَيُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَى الْقِسْمَةِ إِنْ أَرَادَهَا الشَّرِيكُ، أَمَّا مَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ مُرَجَّحَانِ، أَيْ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا، وَعَلَى الْقَوْل بِالصِّحَّةِ يُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَى الْبَيْعِ إِنْ أَرَادَ شَرِيكُهُ وَيُجْعَل ثَمَنُهُ فِي مِثْل وَقْفِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لاَ يُجْبَرُ عَلَى جَعْل ثَمَنِهِ فِي مِثْل وَقْفِهِ (١) .
وَقَدْ حَكَى الْبُنَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الزُّرْقَانِيِّ مَا حَصَّلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَحْبِيسِ الْمَشَاعِ قَال: وَقَدْ حَصَّل ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَحْبِيسِ الْمَشَاعِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: الْجَوَازُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ أَوْ لاَ يَقْبَلُهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّ ابْنِ زَرِبٍ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: يَتَوَقَّفُ وَقْفُ الْمَشَاعِ عَلَى إِذْنِ شَرِيكِهِ فِيمَا لاَ يُقَسَّمُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ صَحَّ الْوَقْفُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بَطَل الْوَقْفُ.
وَالْقَوْل الثَّالِثُ: يَجُوزُ الْوَقْفُ مُطْلَقًا وَيُجْعَل لِحَظِّ الْمُحْبِسِ مِمَّا لاَ يَنْقَسِمُ فِي مِثْل مَا حَبَسَهُ فِيهِ وَهُوَ لاِبْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَوَضَّحَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ،
_________
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٧٦.
فَقَال: هُوَ جَوَازُ الإِْقْدَامِ عَلَى تَحْبِيسِ الْمَشَاعِ مُطْلَقًا انْقَسَمَ أَمْ لاَ وَعَدَمُ التَّوَقُّفِ عَلَى إِذْنِ الشَّرِيكِ، فَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ الشَّرِيكُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَبْقَى شَرِيكًا فِي الْحَبْسِ أَوْ بِيعَ وَحْدَهُ أَيْضًا عَلَى الإِْشَاعَةِ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِيعَ وَيُجْبَرُ عَلَى جَعْل الثَّمَنِ فِي مِثْلِهِ.
قَال الْبُنَانِيُّ: وَكَلاَمُ التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَحَل الْخِلاَفِ هُوَ النُّفُوذُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُول، أَمَّا ابْتِدَاءً فَلاَ يَجُوزُ الإِْقْدَامُ عَلَى تَحْبِيسِ مَا لاَ يَنْقَسِمُ دُونَ إِذْنِ الشَّرِيكِ (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاؤُهُمْ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَشَاعِ فِيمَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ كَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَضُرُّهُ الشُّيُوعُ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَتِمُّ مَعَ الشُّيُوعِ، لأَِنَّ بَقَاءَ الشَّرِكَةِ فِيهِ يَمْنَعُ الْخُلُوصَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلأَِنَّ الْمُهَايَأَةَ فِيهَا مِنْ أَقْبَحِ مَا يَكُونُ، بِأَنْ يُدْفَنَ الْمَوْتَى فِي الْمَقْبَرَةِ سَنَةً وَيُزْرَعَ سَنَةً، وَيُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فِي وَقْتٍ وَيُتَّخَذُ اصْطَبْلًا فِي وَقْتٍ بِخِلاَفِ وَقْفِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الاِسْتِغْلاَل وَقِسْمَةُ الْغَلَّةِ فَلاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَقْفِ فِيمَا لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ (٢) .
أَمَّا الْمَشَاعُ الَّذِي يَقْبَل الْقِسْمَةَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا
_________
(١) حاشية البناني على هامش الزرقاني ٧ / ٧٤.
(&# x٦٦٢ ;) الهداية ٣ / ١٦، وفتح القدير ٦ / ٢١٢، والبحر الرائق ٥ / ٢١٢ - ٢١٣، والزيلعي ٣ / ٣٢٤.
فِيهِ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَشَاعِ الَّذِي يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ كَالْمَشَاعِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَكَذَا تَتِمَتُّهُ، وَأَخَذَ مَشَايِخُ بَلْخٍ بِقَوْل أَبِي يُوسُفَ (١) .
قَال السَّرَخْسِيُّ: لَوْ وَقَفَ نِصْفَ أَرْضٍ أَوْ نِصْفَ دَارٍ مَشَاعًا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْقَبْضَ لِلْحِيَازَةِ وَتَمَامُ الْحِيَازَةِ فِيمَا يُقْسَمُ بِالْقِسْمَةِ، ثُمَّ أَصْل الْقَبْضِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصَّدَقَةِ الْمَوْقُوفَةِ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الْوَقْفِ، وَهَذَا لأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَى مَذْهَبِهِ قِيَاسُ الْعِتْقِ وَالشُّيُوعُ لاَ يَمْنَعُ الْعِتْقَ فَكَذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ الْوَقْفَ (٢) وَإِذَا صَحَّ وَقْفُ الْمَشَاعِ الَّذِي يَقْبَل الْقِسْمَةَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَطَلَبَ الشَّرِيكُ الْقِسْمَةَ فَيَصِحُّ مُقَاسَمَتُهُ لأَِنَّهَا تَمْيِيزٌ وَإِفْرَازٌ ثُمَّ إِنْ وَقَفَ نَصِيبَهُ مِنْ عَقَارٍ مُشْتَرَكٍ فَهُوَ الَّذِي يُقَاسِمُ شَرِيكَهُ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ لِلْوَاقِفِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى وَصِّيهِ.
_________
(١) الهداية وفتح القدير ٦ / ٢١١ - ٢١٢.
(٢) المبسوط ١٢ / ٣٦، ٣٧.
وَإِنْ وَقَفَ نِصْفَ عَقَارٍ خَالِصٍ لَهُ فَالَّذِي يُقَاسِمُهُ الْقَاضِي، أَوْ يَبِيعُ نَصِيبَهُ الْبَاقِي مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ يُقَاسِمُهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ، لأَِنَّ الْوَاحِدَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَاسِمًا وَمُقَاسَمًا.
وَلَوْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ فَضْل دَرَاهِمَ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ النِّصْفَيْنِ أَجْوَدَ مِنَ الآْخَرِ فَجُعِل بِإِزَاءِ الْجَوْدَةِ دَرَاهِمُ فَإِنْ كَانَ الآْخِذُ لِلدَّرَاهِمِ هُوَ الْوَاقِفَ بِأَنْ كَانَ النِّصْفُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْوَقْفِ هُوَ الأَْحْسَنَ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا بَعْضَ الْوَقْفِ وَبَيْعُ الْوَقْفِ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الآْخِذُ شَرِيكَهُ بِأَنْ كَانَ نَصِيبُ الْوَقْفِ أَحْسَنَ جَازَ، لأَِنَّ الْوَاقِفَ مُشْتَرٍ لاَ بَائِعٌ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بَعْضَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَوَقَفَهُ (١) .
وَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَشَاعِ الَّذِي يَقْبَل الْقِسْمَةَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، لأَِنَّ أَصْل الْقَبْضِ عِنْدَهُ شَرْطٌ، فَكَذَا مَا يَتِمُّ بِهِ الْقَبْضُ، قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: لَمَّا شَرَطَ مُحَمَّدٌ الْقَبْضَ مَنَعَهُ - أَيِ الْوَقْفَ - لأَِنَّ الشُّيُوعَ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ - أَلاَ تَرَى أَنَّ الشَّائِعَ كَانَ مَقْبُوضًا لِمَالِكِهِ قَبْل أَنْ يَقِفَهُ - لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ، فَلِذَا مَنَعَهُ مُحَمَّدٌ عِنْدَ إِمْكَانِ تَمَامِ الْقَبْضِ وَذَلِكَ فِيمَا يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَسَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ يَقِفُهُ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَ مُحَمَّدٌ اعْتِبَارَ تَمَامِ الْقَبْضِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْمْكَانِ
_________
(١) الهداية ٣ / ١٦، وفتح القدير ٦ / ٢٢٠ - ٢٢١.
وَذَلِكَ فِيمَا لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، لأَِنَّهُ لَوْ قَسَّمَ قَبْل الْوَقْفِ فَاتَ الاِنْتِفَاعُ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْحَمَّامِ فَاكْتَفَى بِتَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَخَذَ مَشَايِخُ بُخَارَى بِقَوْل مُحَمَّدٍ، وَصَرَّحَ فِي الْخُلاَصَةِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ فِي وَقْفِ الْمَشَاعِ، وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا (١) .
وَإِنَّمَا يَكُونُ الشُّيُوعُ فِيمَا يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ مَانِعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْوَقْفِ إِذَا كَانَ هَذَا الشُّيُوعُ وَقْتَ الْقَبْضِ لاَ وَقْتَ الْعَقْدِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْضٌ وَقَفَاهَا وَدَفَعَاهَا مَعًا إِلَى قَيِّمٍ وَاحِدٍ جَازَ اتِّفَاقًا، لأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْجَوَازِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ الشُّيُوعُ وَقْتَ الْقَبْضِ لاَ وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا لِوُجُودِهِمَا مَعًا مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ عَلَى جِهَةٍ وَسَلَّمَاهُ مَعًا لِقَيِّمٍ وَاحِدٍ جَازَ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الشُّيُوعِ وَقْتَ الْقَبْضِ، وَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي وَقْفَيْهِمَا جِهَةً وَقَيِّمًا وَاتَّحَدَ زَمَانُ تَسْلِيمِهِمَا لَهُمَا أَوْ قَال كُلٌّ مِنْهُمَا لِقَيِّمِهِ: اقْبِضْ نَصِيبِي مَعَ نَصِيبِ صَاحِبِي لأَِنَّهُمَا صَارَا كَمُتَوَلٍّ وَاحِدٍ (٢) .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الشُّيُوعَ - فِيمَا يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ - الَّذِي يَمْنَعُ الْوَقْفَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ الشُّيُوعُ الْمُقَارَنُ
_________
(١) الهداية وشروحها فتح القدير والعناية ٦ / ٢١١، والبحر الرائق ٥ / ٢١٢.
(٢) حاشة ابن عابدين على الدر المختار ٣ / ٣٦٥.
لاَ الشُّيُوعُ الطَّارِئُ، فَلَوْ وَقَفَ شَخْصٌ كُل عَقَارِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ جُزْءٌ مِنْهُ شَائِعًا بَطَل الْوَقْفُ فِي الْبَاقِي، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ أَنَّ الشُّيُوعَ كَانَ مُقَارِنًا لِلْوَقْفِ.
أَمَّا إِذَا وَقَفَ الْمَرِيضُ دَارَهُ ثُمَّ مَاتَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لاَ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ وَقْفَ الْجُزْءِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَبْطُل فِي الْجُزْءِ الزَّائِدِ وَيُصْبِحُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، وَيَبْقَى الْبَاقِي مِنَ الدَّارِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ وَقْفًا، وَقَدْ صَحَّ الْوَقْفُ هُنَا مَعَ كَوْنِهِ حِصَّةً شَائِعَةً، لأَِنَّ الشُّيُوعَ طَارِئٌ بِسَبَبِ عَدَمِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ (١) .
التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى الْمَوْقُوفِ:
زَكَاةُ الْمَال الْمَوْقُوفِ:
يَتَأَتَّى الْكَلاَمُ فِي زَكَاةِ الْمَوْقُوفِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: زَكَاةُ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ نَفْسِهَا:
٧٤ - زَكَاةُ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ يَنْبَنِي عَلَى اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي مِلْكِ رَقَبَةِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ لاَ زَكَاةَ فِيهَا، يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي سَوَائِمِ الْوَقْفِ وَالْخَيْل الْمُسَبَّلَةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ لأَِنَّ فِي
_________
(١) الهداية مع فتح القدير ٦ / ٢١٢، والبحر الرائق ٥ / ٢١٣، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٤، ٣٦٥.
الزَّكَاةِ تَمْلِيكًا وَالتَّمْلِيكُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لاَ يُتَصَوَّرُ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَتِ الْمَاشِيَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاجِدِ أَوِ الْغُزَاةِ أَوِ الْيَتَامَى أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ.
وَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى مُعَيَّنٍ - سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً - فَبِنَاءً عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ تَعَالَى لاَ زَكَاةَ فِيهَا كَالْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ - وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ تَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ - فَفِي وُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لاَ تَجِبُ، لأَِنَّ مِلْكَهُ مِلْكُ ضَعِيفٍ بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامًّا مُسْتَقِرًّا فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَوْقُوفِ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ الْمَوْقُوفُ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَعَلَى ذَلِكَ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْوَاقِفِ، جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: مَنْ وَقَفَ عَيْنًا لِلسَّلَفِ يَأْخُذُهَا الْمُحْتَاجُ وَيَرُدُّ مِثْلَهَا، يَجِبُ عَلَى الْوَاقِفِ زَكَاتُهَا، لأَِنَّهَا عَلَى مِلْكِهِ فَتُزَكَّى كُل عَامٍ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٩.
(٢) المجموع شرح المهذب ٥ / ٣٣٩ - ٣٤٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩.
وَلَوْ بِانْضِمَامِهَا لِمَالِهِ، وَإِنْ مَكَثَتْ عِنْدَ الْمَدِينِ أَعْوَامًا فَإِنَّهَا تُزَكَّى بَعْدَ قَبْضِهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ أَنْعَامًا لِتَفْرِقَةِ لَبَنِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوِ الْحَمْل عَلَيْهَا أَوْ لِتَفْرِقَةِ نَسْلِهَا فَإِنَّ الْجَمِيعَ يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ إِنْ كَانَ فِيهَا نِصَابٌ وَلَوْ بِالاِنْضِمَامِ لِمَالِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ وَيَقُومُ النَّاظِرُ مَقَامَ الْوَاقِفِ إِلاَّ أَنَّ النَّاظِرَ يُزَكِّيهَا إِذَا بَلَغَتْ نِصَابًا وَلاَ يَتَأَتَّى الضَّمُّ لِمَالِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ يَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَوْقُوفِ مِنْ إِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ سَائِمَةٍ، لأَِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِل لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلاَكِهِ.
وَاخْتَارَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ عَدَمَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ مَثَلًا فَلاَ تَجُبِ الزَّكَاةُ فِي الْمَوْقُوفِ (٢) . انْظُرْ (زَكَاة: ف١٧) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: زَكَاةُ غَلَّةِ الأَْرْضِ وَثِمَارِ الأَْشْجَارِ:
٧٥ - غَلَّةُ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَثِمَارُ الأَْشْجَارِ إِنْ
_________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٢٢٩ ط الحلبي.
(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٣٦٧ و٢ / ٤٩٩.
كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَحَصَل لِبَعْضِهِمْ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوِ الْحَبِّ نِصَابٌ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، لأَِنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ يَمْلِكُونَ الثِّمَارَ وَالْغَلَّةَ مِلْكًا تَامًّا وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ فَمَتَى حَصَل لأَِحَدِهِمْ نِصَابٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُوسٍ وَمَكْحُولٍ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي ذَلِكَ لأَِنَّ الأَْرْضَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ كَالْمَسَاكِينِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْمَسَاجِدِ وَالْفُقَرَاءِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - تَجِبُ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَتْ نِصَابًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، وَلأَِنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ لاَ فِي الأَْرْضِ فَكَانَ مِلْكُ الأَْرْضِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَخْرُجُ أَوَّلًا بِمَعْرِفَةِ مَنْ يَلِي الْوَقْفَ ثُمَّ يُفَرِّقُ الْبَاقِي عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِالاِجْتِهَادِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَلاَ فِيمَا يَحْصُل فِي
_________
(١) سورة الأنعام / ١٤١.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٥٦، ومنح الجليل ٤ / ٧٧.
أَيْدِيهِمْ، سَوَاءٌ حَصَل فِي يَدِ بَعْضِهِمْ نِصَابٌ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ أَوْ لَمْ يَحْصُل، لأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لاَ يَتَعَيَّنُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِدَلِيلٍ أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ حِرْمَانُهُ وَالدَّفْعُ إِلَى غَيْرِهِ (١) .
إِجَارَةُ الْمَوْقُوفِ:
أ - مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ تَأْجِيرِ الْمَوْقُوفِ:
٧٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَمْلِكُ حَقَّ تَأْجِيرِ الْمَوْقُوفِ هُوَ النَّاظِرُ الَّذِي شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، إِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ نَاظِرًا مُعَيَّنًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو أَمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ النَّاظِرُ هُوَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ أَمْ كَانَ غَيْرَهُ (٢) .
وَإِذَا لَمْ يُحَدِّدِ الْوَاقِفُ نَاظِرًا لِلْوَقْفِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَكُونُ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أَمْرَهُ بِإِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا إِنْ كَانَ رَشِيدًا (٣) .
_________
(١) المغني ٥ / ٦٣٩، والمجموع شرح المهذب ٥ / ٢٩٢ و٤٥٧.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٩، ٤٠٠، ٤٠٩، وفتح القدير ٦ / ٢٤٤، والشرح الكبير مع الدسوقي ٤ / ٨٨، ٩٦، والخرشي ٧ / ٩٢، ١٠٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٥، والإنصاف ٧ / ٥٣.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٨٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٣، ٥٠٤، والإنصاف ٧ / ٦٩.