الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) .
وَالأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُول قَصْدًا، وَهَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ وَقَفَ الْمَنْقُول إِذَا كَانَ تَبَعًا لِلأَْرْضِ اسْتِحْسَانًا كَمَا إِذَا وَقَفَ ضَيْعَةً بِبَقَرِهَا وَأَكَرَتِهَا وَكَذَا سَائِرُ آلاَتِ الْحِرَاثَةِ، لأَِنَّهُ تَبَعٌ لِلأَْرْضِ فِي تَحْصِيل مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَقَدْ يَثْبُتُ مِنَ الْحُكْمِ تَبَعًا مَا لاَ يَثْبُتُ مَقْصُودًا كَالشِّرْبِ فِي الْبَيْعِ وَالْبِنَاءِ وَفِي الْوَقْفِ (٢) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ وَقْفُ الْكُرَاعِ - وَهِيَ الْخَيْل وَالسِّلاَحُ - اسْتِحْسَانًا لِلآْثَارِ الْمَشْهُورَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَال لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: " إِذَا أَنَا مُتُّ فَانْظُرُوا سِلاَحِي وَفَرَسِي فَاجْعَلُوهُ عُدَّةً فِي سَبِيل اللَّهِ " (٣) وَتَأْخُذُ الإِْبِل حُكْمَ الْخَيْل لأَِنَّ الْعَرَبَ يُجَاهِدُونَ عَلَيْهَا
_________
(١) حديث " أما خالد فقد احتبس أدراعه. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٧٧) .
(٢) الهداية ٣ / ١٥، ١٦، وفتح القدير ٦ / ٢١٦ نشر دار الفكر.
(٣) حديث " وقال خالد: إذا أنا مت فانظروا سلاحي. . . " أخرجه الطبراني في الكبير (٣ / ١٠٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٣٥٠): إسناده حسن.
وَكَذَا السِّلاَحُ يُحْمَل عَلَيْهَا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُول لأَِنَّ شَرْطَ الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ، وَالْمَنْقُول لاَ يَتَأَبَّدُ، فَتُرِكَ الْقِيَاسُ لِلآْثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ - وَقْفُ الْمَنْقُول قَصْدًا إِذَا كَانَ مُتَعَارَفًا وَفِيهِ تَعَامُلٌ لِلنَّاسِ كَالْفَأْسِ وَالْقَدُومِ وَالْقِدْرِ وَالْجِنَازَةِ وَثِيَابِهَا وَالْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ لأَِنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُل، لِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: " مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ " (١) بِخِلاَفِ مَا لاَ تَعَامُل فِيهِ، أَيْ لَمْ يَجُزِ التَّعَامُل بِوَقْفِهِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَمِنْهُمُ السَّرَخْسِيُّ، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ وَقْفُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يُتْرَكُ بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ (٢) .
ثَالِثًا: وَقْفُ الْمَنْفَعَةِ:
٦٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ وَقْفِ
_________
(١) أثر ابن مسعود " ما رأى المسلمون حسنا. . . " أخرجه أحمد في المسند (١ / ٣٧٩) وحسن إسناده السخاوي في المقاصد الحسنة (ص٣٦٧) .
(٢) فتح القدير ٦ / ٢١٧، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٥.
الْمَنْفَعَةِ إِذْ إِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَيْنًا يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا كَمَا أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ تَأْبِيدَ الْوَقْفِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ فَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقِفَ مَنْفَعَتَهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيَنْقَضِيَ الْوَقْفُ بِانْقِضَائِهَا، لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ تَأْبِيدُ الْوَقْفِ (٢) .
مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ مَا يَلِي:
أ - أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مُعَيَّنَةً:
٦٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً فَلاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْمُبْهَمِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مَعْلُومًا فَلَوْ وَقَفَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ لاَ يَصِحُّ لأَِنَّ الشَّيْءَ يَتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ وَلَوْ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ، إِذْ رُبَّمَا يُبَيِّنُ شَيْئًا قَلِيلًا لاَ يُوقَفُ عَادَةً، وَلَوْ قَال: وَقَفْتُ هَذِهِ الأَْرْضَ أَوْ هَذِهِ الأَْرْضَ كَانَ بَاطِلًا لِمَكَانِ الْجَهَالَةِ (٣) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢، والبدائع ٦ / ٢٢٠، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٥٩.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٧٦، والشرح الصغير ٢ / ٢٩٨ ط. الحلبي.
(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٠٣، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَقْفَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنْ وَقَفَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ فَرَسًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ أَحَدَ دَارَيْهِ أَوْ أَحَدَ عَبْدَيْهِ لاَ يَصِحُّ، لأَنَّ الْوَقْفَ نَقْل مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَلاَ يَصِحُّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَا لاَ يَصِحْ فِي عَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ كَدَارٍ وَعَبْدٍ وَلَوْ مَوْصُوفًا (١) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا جَاءَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ - أَنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ الْمُعَلَّقُ كَقَوْل الْوَاقِفِ: إِنْ مَلَكْتُ دَارَ فُلاَنٍ فَهِيَ وَقْفٌ. وَعَلَّقَ الدُّسُوقِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَانْظُرْ هَل لاَ بُدَّ فِي التَّعْلِيقِ مِنْ تَعْيِينِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ أَوْ يَدْخُل فِيهِ مَا إِذَا قَال: كُل مَا تَجَدَّدَ لِي مِنْ عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ وَدَخَل فِي مِلْكِي فَهُوَ مُلْحَقٌ بِوَقْفِي؟ أَقُول: الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلاَمِ الرَّصَاعِ فِي شَرْحِ الْحُدُودِ أَنَّهُ إِذَا عَمَّ التَّعْلِيقُ فَإِنَّ الْوَقْفَ لاَ يَلْزَمُ لِلتَّحْجِيرِ كَالطَّلاَقِ (٢) ..
ب - أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ:
٧٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَوْقُوفِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ (٣)، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي
_________
(١) المهذب ١ / ٤٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٧٦.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٤، وفتح القدير ٦ / ٢١٨، والخرشي ٧ / ٨٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٩٩، والمغني ٥ / ٦٤٠.
قَوْلٍ وَالْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ مَا يُسْتَهْلَكُ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ فِي اسْتِهْلاَكِهِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ فِي الأَْصَحِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقْفُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِلتَّزْيِينِ وَالتَّحَلِّي بِهَا، أَوْ لِلْوَزْنِ، أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِإِقْرَاضِهَا، لأَِنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الأَْصْل وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ، وَمَا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ إِلاَّ بِإِتْلاَفِهِ لاَ يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ وَقْفُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى قَوْل مَنْ أَجَازَ إِجَارَتَهَا.
وَيَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقْفُ الْمَشْمُومِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْعُودِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ وَقْفُ النَّدِّ وَالصَّنْدَل وَقِطَعِ الْكَافُورِ.
أَمَّا الْمَشْمُومُ الَّذِي لاَ تَبْقَى عَيْنُهُ فَلاَ يَجُوزُ وَقْفُهُ عِنْدَهُمْ (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَقَدْ أَجَازُوا وَقْفَ الطَّعَامِ كَالْحِنْطَةِ وَوَقْفَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إِذَا وَقَفَ ذَلِكَ لِلسَّلَفِ وَرَدِّ الْبَدَل، وَاعْتَبَرُوا أَنَّ رَدَّ الْبَدَل قَائِمٌ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، والمهذب ١ / ٤٤٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٠٠، والمغني ٥ / ٦٤٠ - ٦٤١.
مُقَامَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، أَمَّا وَقْفُهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَلاَ يَجُوزُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الدَّرَاهِمُ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا لَكِنَّ بَدَلَهَا قَائِمٌ مَقَامَهَا لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا فَكَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ وَلاَ شَكَّ أَنَّهَا مِنَ الْمَنْقُول، فَحَيْثُ جَرَى فِيهَا تَعَامُلٌ دَخَلَتْ فِيمَا أَجَازَهُ مُحَمَّدٌ، وَيَجُوزُ وَقْفُ كُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُقْرَضَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لاَ بَذْرَ لَهُمْ لِيَزْرَعُوهُ لأَِنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ الإِْدْرَاكِ قَدْرَ الْقَرْضِ ثُمَّ يُقْرَضُ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ أَبَدًا عَلَى هَذَا السَّبِيل، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ وَقْفُ الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ لِيُبَاعَ وَيُدْفَعَ ثَمَنُهُ مُضَارَبَةً، وَكَذَا يُفْعَل فِي وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَمَا خَرَجَ مِنَ الرِّبْحِ يُتَصَدَّقُ بِهِ فِي جِهَةِ الْوَقْفِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَقْفُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَيُرَدُّ بَدَلُهُ، لأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي اسْتِهْلاَكِهِ وَالْوَقْفُ إِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ (١) .
جـ - أَنْ لاَ يَتَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ حَقُّ الْغَيْرِ:
٧١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْعَيْنِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣ / ٣٧٤، ٣٧٥، وفتح القدير ٦ / ٢١٩، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، والخرشي ٧ / ٨.
الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ كَأَنْ تَكُونَ مَرْهُونَةً أَوْ مُؤَجَّرَةً.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْعَيْنِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ، فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ أَوِ الْمُؤَجَّرَةِ وَتَعُودُ الْعَيْنُ بَعْدَ افْتِكَاكِهَا مِنَ الرَّهْنِ وَبَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ.
وَأَمَّا الْمَرْهُونَةُ فَفِيهَا عِنْدَهُمْ وَجْهَانِ:
الأَْوَّل: وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفُ الْمَرْهُونِ كَالْعِتْقِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لاَ يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَصَارَ كَالْعِتْقِ.
وَفِي الْوَجْهِ الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْمَرْهُونِ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ لاَ يَسْرِي إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ فَلاَ يَصِحُّ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ (١) .
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ صِحَّةَ وَقْفِ الْمَرْهُونِ بِمَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّ مَنْعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِإِذْنِهِ وَبَطَل الرَّهْنُ لأَِنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ يَمْنَعُ الرَّهْنَ ابْتِدَاءً فَامْتَنَعَ مَعَهُ دَوَامًا (٢) .
_________
(١) فتح القدير ٦ / ٢٠١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، والزرقاني ٧ / ٧٥، والمهذب ١ / ٣٢٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣٤، ٤٠٠، ٣٧٦، والمغني ٤ / ٤٠١، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٨.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣٤، والمغني ٤ / ٤٠١، والإنصاف ٥ / ١٥٣ - ١٥٦.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ إِذْ لِكُل مَذْهَبٍ نَوْعٌ مِنَ التَّفْصِيل، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الإِْسْعَافِ وَغَيْرِهِ: لَوْ وَقَفَ الْمَرْهُونَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ صَحَّ وَأَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى دَفْعِ مَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا أَبْطَل الْوَقْفَ وَبَاعَهُ فِيمَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَقَفَ الْمَرْهُونَ وَافْتَكَّهُ جَازَ فَإِنْ مَاتَ عَنْ عَيْنٍ تَفِي بِالدَّيْنِ صَحَّ الْوَقْفُ وَلاَ يُغَيَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ مَا تَرَكَهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِل الْوَقْفَ وَيَبِيعُهُ لِلدَّيْنِ (١) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ صِحَّةَ وَقْفِ الْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ بِمَا إِذَا قَصَدَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا بَعْدَ الْخَلاَصِ مِنَ الرَّهْنِ وَالإِْجَارَةِ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ التَّنْجِيزُ (٢) .
د - أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ:
٧٢ - اشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الشَّافِعِيَّةُ بِكَوْنِهِ مِمَّا يَقْبَل النَّقْل، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَصِحُّ وَقْفُ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمَرْهُونِ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَسَائِرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ الَّتِي لاَ يُصَادُ بِهَا، لأَِنَّ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٩١، ٣٩٥، والإسعاف ص٢١.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، وشرح الزرقاني ٧ / ٧٥.
الْوَقْفَ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَلأَِنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الأَْصْل وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ وَمَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لاَ يَحْصُل فِيهِ تَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ وَالْكَلْبُ أُبِيحَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل لِلضَّرُورَةِ فَلَمْ يَجُزِ التَّوَسُّعُ فِيهَا، وَالْمَرْهُونُ فِي وَقْفِهِ إِبْطَال حَقِّ الْمُرْتَهَنِ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ إِبْطَالُهُ (١) .
وَمَثَّل الشَّافِعِيَّةُ بِمَا لاَ يَصِحُّ وَقْفُهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ وَالْحَمْل وَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، وَهَذَا فِي الأَْصَحِّ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يَصِحُّ وَقْفُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، أَمَّا الْكَلْبُ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فَلاَ يَصِحُّ وَقْفُهُ جَزْمًا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا هَذَا الشَّرْطَ، قَال الدُّسُوقِيُّ: صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي أُرِيدَ وَقْفُهُ وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَجِلْدِ أُضْحِيَةٍ وَكَلْبِ صَيْدٍ وَعَبْدٍ آبِقٍ خِلاَفًا لِبَعْضِهِمْ (٢) .
وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ كَانَتْ قَوَاعِدُهُمْ لاَ تَأْبَاهُ، فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ عَدَمُ جَوَازِ وَقْفِ الْمَنْقُول إِلاَّ تَبَعًا أَوْ مَا جَرَى فِيهِ التَّعَامُل بَيْنَ النَّاسِ.
قَال الزَّيْلَعِيُّ: قَال الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ وَقْفُ كُل مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ
_________
(١) المغني ٥ / ٦٤١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢.
(٢) الدسوقي ٤ / ٧٥ - ٧٦، والخرشي ٧ / ٧٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧ - ٣٧٨، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٨.
قِيَاسًا عَلَى الْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ، قُلْنَا: الأَْصْل عَدَمُ جَوَازِ الْوَقْفِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْعَقَارُ وَالْكُرَاعُ وَالسِّلاَحُ، وَأَوْرَدَ الْمِرْغِينَانِيُّ قَوْل الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قَال: وَلَنَا أَنَّ الْوَقْفَ فِيهِ لاَ يَتَأَبَّدُ (يَقْصِدُ الْمَنْقُول) بِخِلاَفِ الْعَقَارِ (١) .
رَابِعًا: وَقْفُ الْمَشَاعِ:
٧٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْمَشَاعِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (أَنَّهُ أَصَابَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهَا فَأَمَرَهُ بِوَقْفِهَا) (٢)، وَهَذَا صِفَةُ الْمَشَاعِ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوَقْفَ عَقْدٌ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ مُفْرَزًا فَجَازَ عَلَيْهِ مَشَاعًا كَالْبَيْعِ، أَوْ عَرْصَةً يَجُوزُ بَيْعُهَا فَجَازَ وَقْفُهَا كَالْمُفْرَزَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الأَْصْل وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ وَهَذَا يَحْصُل فِي الْمَشَاعِ كَحُصُولِهِ فِي الْمُفْرَزِ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ وَقْفُ الْمَشَاعِ مَسْجِدًا وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلاَحِ، وَإِذَا وَقَفَ الْمَشَاعَ مَسْجِدًا فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تَجِبُ لِتَعَيُّنِهَا طَرِيقًا لِلاِنْتِفَاعِ بِالْمَوْقُوفِ (٤) .
_________
(١) الزيلعي ٣ / ٣٢٧، والهداية ٣ / ١٦.
(٢) حديث " أن عمر أصاب مائة سهم. . " أخرجه النسائي (٦ / ٢٣٢) .
(٣) المغني لابن قدامة ٥ / ٦٤٣.
(٤) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧ - ٣٧٨، والمهذب ١ / ٤٤٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٤٣ - ٢٤٤، والمغني ٥ / ٦٤٣.