الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
مَنْ يَشْمَلُهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الآْل وَالأَْهْل:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الآْل وَالأَْهْل كَالْوَقْفِ عَلَى الْقَرَابَةِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الآْل وَالأَْهْل يَشْمَل الْعَصَبَةَ (١) .
انْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (آل ف٣) .
انْقِرَاضُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ:
٦١ - الاِنْقِرَاضُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِطَاعُ، وَانْقَرَضَ الْقَوْمُ: دَرَجُوا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ (٢) وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِنَفْسِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُمْ تَارَةً يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ (انْقِرَاضٍ) وَتَارَةً يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ (انْقِطَاعٍ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ عِنْدَهُمَا (٣)، إِلاَّ أَنَّهُمْ غَالِبًا مَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ انْقِرَاضٍ فِي تَرْتِيبِ الطَّبَقَاتِ أَوِ الْبُطُونِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ فِي الْوَقْفِ وَذَلِكَ اتِّبَاعًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ، فَإِذَا قَال الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدَيَّ هَذَيْنِ فَإِذَا انْقَرَضَا فَهِيَ عَلَى أَوْلاَدِهِمَا أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا، قَال الشَّيْخُ الإِْمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٩١، وابن عابدين ٣ / ٤٣٩، والبدائع ٧ / ٣٤٩ - ٣٥٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٤، وروضة الطالبين ٦ / ١٧٤ وما بعدها، وقليوبي وعميرة ٣ / ١٧١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥١١، والإنصاف ٧ / ٨٧.
(٢) لسان العرب ومختار الصحاح.
(&# x٦٦٣ ;) المغني ٥ / ٦٢٣، والمهذب ١ / ٤٤٨.
الْفَضْل: إِذَا انْقَرَضَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ وَخَلَّفَ وَلَدًا يُصْرَفُ نِصْفُ الْغَلَّةِ إِلَى الْبَاقِي، وَالنِّصْفُ الآْخَرُ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ فَإِذَا مَاتَ الْوَلَدُ الآْخَرُ يُصْرَفُ جَمِيعُ الْغَلَّةِ إِلَى أَوْلاَدِ أَوْلاَدِهِ لأَِنَّ مُرَاعَاةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ لاَزِمَةٌ فِي الْوَقْفِ وَهُوَ إِنَّمَا جَعَل لأَِوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الأَْوَّل فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا يُصْرَفُ الْغَلَّةُ إِلَى الْفُقَرَاءِ (١) .
وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الْبُطُونِ قَدْ يَكُونُ بِحَرْفِ الْعَطْفِ (ثُمَّ) أَوِ (الْفَاءِ) فَلَوْ قَال الْوَاقِفُ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي ثُمَّ عَلَى أَوْلاَدِ أَوْلاَدِي ثُمَّ عَلَى أَوْلاَدِ أَوْلاَدِ أَوْلاَدِي مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَتُصْرَفُ غَلَّةُ الْوَقْفِ إِلَى الْبَطْنِ الأَْوَّل وَهُمْ أَوْلاَدُهُ، لاَ يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ إِلاَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الأَْوَّل وَلاَ يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّالِثِ شَيْءٌ مَا بَقِيَ مِنَ الْبَطْنِ الثَّانِي وَاحِدٌ (٢) .
وَقَدْ يَقْصِدُ بِالاِنْقِرَاضِ انْقِطَاعَ جِهَةِ الْوَقْفِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَرِضُ دُونَ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهَا جِهَةً أُخْرَى كَالْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ فَقَطْ.
وَقَدْ تَمَّ تَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِيهِ فِي فِقْرَةِ (٤٨) .
_________
(١) الإسعاف ص٩٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) الروضة ٥ / ٣٣٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٧٥، والمغني ٥ / ٦١١.
تَعَطُّل الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا:
٦٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَطَّلَتِ الْجِهَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا فَإِنَّ رَيْعَ الْوَقْفِ يُصْرَفُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى مُمَاثِلَةٍ لِلْجِهَةِ الَّتِي تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهَا وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا.
فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ وَقْفٌ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ حَوْضٍ فَخَرِبَ الْمَسْجِدُ أَوِ الرِّبَاطُ أَوِ الْحَوْضُ وَأَصْبَحَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا، فَإِنَّ مَا وُقِفَ عَلَى الْمَسْجِدِ يُصْرَفُ عَلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَلاَ يُصْرَفُ إِلَى حَوْضٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ رِبَاطٍ وَمَا وُقِفَ عَلَى الْحَوْضِ أَوِ الْبِئْرِ أَوِ الرِّبَاطِ يُصْرَفُ وَقْفُهَا لأَِقْرَبِ مُجَانِسٍ لَهَا (١) .
وَمَا حُبِسَ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِمَحَلٍّ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ، ثُمَّ تَعَذَّرَ الطَّلَبُ فِي ذَلِكَ الْمَحَل فَإِنَّهُ لاَ يَبْطُل الْحَبْسُ، وَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ عَلَى الطَّلَبَةِ بِمَحَلٍّ آخَرَ، وَمَا حُبِسَ عَلَى مَدْرَسَةٍ فَخَرِبَتْ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا صُرِفَ فِي مِثْلِهَا حَقِيقَةً إِنْ أَمْكَنَ، فَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِمَدْرَسَةٍ أُخْرَى فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صُرِفَ فِي مِثْلِهَا نَوْعًا فِي قُرْبَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُهَا وُقِفَ لَهَا لِيُصْرَفَ فِي التَّرْمِيمِ أَوِ الإِْحْدَاثِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالإِْصْلاَحِ (٢) .
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاتَّسَعَتْ خُطَّةُ الإِْسْلاَمِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧١ - ٣٧٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٨٧.
حَوْلَهُ قَال الشَّافِعِيَّةُ: تُحْفَظُ غَلَّةُ الْوَقْفِ لاِحْتِمَال عَوْدِهِ ثَغْرًا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوِ اخْتَل الثَّغْرُ صُرِفَ الْمَوْقُوفُ فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إِذَا خَرِبَ، إِذِ الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ هُنَا الصَّرْفُ إِلَى الْمُرَابِطِ، فَإِعْمَال شَرْطِ الثَّغْرِ الْمُعَيَّنِ مُعَطِّلٌ لَهُ فَوَجَبَ الصَّرْفُ إِلَى ثَغْرٍ آخَرَ، قَال فِي التَّنْقِيحِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ مَسْجِدٌ وَرِبَاطٌ وَنَحْوُهُمَا وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، قَال: وَالشَّرْطُ قَدْ يُخَالَفُ لِلْحَاجَةِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الصَّرْفَ يَتَعَيَّنُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ إِلَى الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى مَذْهَبٍ آخَرَ (٢) .
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَوْقُوفُ:
مَا يَجُوزُ وَقْفُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ وَقْفُهُ:
٦٣ - لَمْ يَتَّفِقِ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَعْرِيفٍ مُحَدَّدٍ لِمَا يَجُوزُ وَقْفُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ: بِأَنَّهُ الْمَال الْمُتَقَوَّمُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا، فِيهِ تَعَامُلٌ، أَوْ هُوَ مَا لاَ يُنْقَل وَلاَ يُحَوَّل كَالْعَقَارِ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٣٥٨.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٩٦.
الْمَنْقُول مَقْصُودًا كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ (١) وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ مَا مُلِكَ مِنْ ذَاتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (٢) .
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: عَيْنٌ مُعَيَّنَةٌ مَمْلُوكَةٌ مِلْكًا يَقْبَل النَّقْل، وَيَحْصُل مِنْهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَائِدَةٌ، أَوْ مَنْفَعَةٌ يُسْتَأْجَرُ لَهَا (٣) .
وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: عَيْنٌ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَيُنْتَفَعُ بِهَا عُرْفًا مَعَ بَقَائِهَا (٤) .
وَالأَْصْل الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَيْنًا مَمْلُوكَةً يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ إِذْ يَصِحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقْفُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْعَيْنُ تَشْمَل الْعَقَارَ وَالْمَنْقُول وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: وَقْفُ الْعَقَارِ:
٦٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ مِنْ أَرْضٍ وَدُورٍ وَآبَارٍ وَقَنَاطِرَ (٥) وَالدَّلِيل عَلَى
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٥٩، والبدائع ٦ / ٢٢٠، والإسعاف ص١٠، وفتح القدير ٦ / ٢١٧.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٢٩٨.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، والمهذب ١ / ٤٤٧، وروضة الطالبين ٥ / ٣١٤، وتحفة المحتاج ٦ / ٢٣٧.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩١.
(٥) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه٣ / ٣٥٩، والهداية ٣ / ١٥، ومنح الجليل ٤ / ٣٥، والخرشي ٧ / ٧٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، والمهذب ١ / ٤٤٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩١، ٤٩٢.
صِحَّةِ وَقْفِ الْعَقَارِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَقَفُوا ذَلِكَ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل وَالضَّيْفِ (١) .
مَا يَتْبَعُ الْعَقَارَ فِي الْوَقْفِ وَمَا لاَ يَتْبَعُهُ:
٦٥ - فَصَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَقْفِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الإِْسْعَافِ: يَدْخُل فِي وَقْفِ الأَْرْضِ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ دُونَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَيَدْخُل أَيْضًا الشِّرْبُ وَالطَّرِيقُ كَالإِْجَارَةِ، وَلَوْ جَعَل الأَْرْضَ مَقْبَرَةً وَفِيهَا أَشْجَارٌ عِظَامٌ وَأَبْنِيَةٌ لاَ تَدْخُل، وَلَوْ زَادَ فِي وَقْفِ الأَْرْضِ وَقَال: بِحُقُوقِهَا وَجَمِيعِ مَا فِيهَا وَمِنْهَا، وَعَلَى الشَّجَرَةِ ثَمَرَةٌ قَائِمَةٌ يَوْمَ الْوَقْفِ قَال هِلاَلٌ: لاَ تَدْخُل قِيَاسًا، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ
_________
(١) حديث ابن عمر: " أصاب عمر أرضا. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٥٤ - ٣٥٥)، ومسلم (٣ / ١٢٥٥) .
التَّصَدُّقُ بِهَا عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ لاَ الْوَقْفِ، وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ: إِذَا قَال: بِحُقُوقِهَا تَدْخُل فِي الْوَقْفِ وَهَذَا أَوْلَى خُصُوصًا إِذَا زَادَ: بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَمِنْهَا، وَلَوْ وَقَفَ دَارًا بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَفِيهَا حَمَامَاتٌ يَطِرْنَ، أَوْ بَيْتًا وَفِيهِ كِوَارَاتُ عَسَلٍ يَدْخُل الْحَمَامُ وَالنَّحْل تَبَعًا لِلدَّارِ وَالْعَسَل كَمَا لَوْ وَقَفَ ضَيْعَةً وَذَكَرَ مَا فِيهَا مِنَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَالِيبِ وَآلاَتِ الْحِرَاثَةِ (١) .
وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: لَوْ وَقَفَ الْعَقَارَ بِبَقَرِهِ وَأَكَرَتِهِ - أَيْ عَبِيدُهُ الْحَرَّاثُونَ - صَحَّ اسْتِحْسَانًا تَبَعًا لِلْعَقَارِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ مِنَ الْحُكْمِ تَبَعًا مَا لاَ يَثْبُتُ مَقْصُودًا كَالشِّرْبِ فِي الْبَيْعِ وَالْبِنَاءِ فِي الْوَقْفِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مَعَهُ، لأَِنَّ مُحَمَّدًا أَجَازَ إِفْرَادَ بَعْضِ الْمَنْقُول بِالْوَقْفِ فَبِالتَّبَعِ أَوْلَى (٢) .
أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْل هَذَا التَّفْصِيل فِي بَابِ الْوَقْفِ وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَقْفِ اسْتِطْرَادًا فِي بَابِ الْبَيْعِ وَاعْتَبَرُوا أَنَّ مَا يَدْخُل فِي بَيْعِ الأُْصُول كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ وَالشَّجَرِ يَدْخُل فِي وَقْفِهَا كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَقْفَ نَاقِلٌ لِلْمَلِكِ كَالْبَيْعِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣ / ٣٧٣.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٧٢ - ٣٧٣.
التَّفْصِيل، وَبَيَانُ ذَلِكَ إِجْمَالًا فِيمَا يَأْتِي:
أ - وَقْفُ الأَْرْضِ يُدْخِل مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الشَّجَرَ بِكَوْنِهِ رَطْبًا لاَ يَابِسًا.
وَفِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ لاَ يَدْخُل فِي وَقْفِ الأَْرْضِ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ دُفْعَةً وَاحِدَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ، أَمَّا الْبَذْرُ وَالأُْصُول الَّتِي تَبْقَى فِي الأَْرْضِ سَنَتَيْنِ - كَالْقَتِّ - فَإِنَّهَا تَدْخُل فِي وَقْفِ الأَْرْضِ (١) .
ب - وَقْفُ الدَّارِ يُدْخِل فِيهَا الأَْرْضَ وَالْبِنَاءَ وَالْفِنَاءَ وَالأَْشْيَاءَ الثَّابِتَةَ الْمُتَّصِلَةَ بِهَا وَكَذَلِكَ يُدْخِل فِيهَا الشَّجَرَ الْمَغْرُوسَ لَكِنْ قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الشَّجَرَ بِالشَّجَرِ الرَّطْبِ دُونَ الْيَابِسِ، كَذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ وَقْفَ الدَّارِ يَتَنَاوَل الأَْرْضَ الَّتِي فِيهَا الدَّارُ إِنْ لَمْ تَكُنِ الأَْرْضُ مَوْقُوفَةً كَمِصْرَ وَالشَّامِ وَسَوَادِ الْعِرَاقِ (٢) .
_________
(١) منح الجليل ٢ / ٧٢٣، والشرح الكبير على حاشية الدسوقي ٣ / ١٧٠، ١٧١، ومغني المحتاج ٢ / ٨٠، ٨١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٧.
(٢) منح الجليل ٢ / ٧٢٥ - ٧٢٦، ومغني المحتاج ٢ / ٨٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٦ - ٢٠٧.
ج - وَقْفُ الشَّجَرِ يَدْخُل فِيهِ الأَْرْضُ الَّتِي فِيهَا الشَّجَرُ وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَيَتَنَاوَل حَرِيمَهَا، وَقِيل: لاَ يَتَنَاوَلُهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ وَقْفَ الشَّجَرِ لاَ يَتَنَاوَل الأَْرْضَ الَّتِي فِيهَا الشَّجَرُ لأَِنَّ اسْمَ الشَّجَرِ لاَ يَتَنَاوَلُهُ (١) .
ذِكْرُ الْحُدُودِ فِي وَقْفِ الْعَقَارِ:
٦٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَقْفَ الْعَقَارِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ حُدُودِهِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا، وَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْكَمَال بْنِ الْهُمَامِ قَوْلَهُ: إِذَا كَانَتِ الدَّارُ مَشْهُورَةً مَعْرُوفَةً صَحَّ وَقْفُهَا وَإِنْ لَمْ تُحَدَّدْ، اسْتِغْنَاءً لِشُهْرَتِهَا عَنْ تَحْدِيدِهَا.
وَقَدْ عَلَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ التَّحْدِيدِ، وَلاَ يَخْفَى مَا فِيهِ، بَل ذَلِكَ شَرْطٌ لِقَبُول الشَّهَادَةِ بِوَقْفِيَّتِهَا (٢) .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: بَابٌ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَقَدْ عَلَّقَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كَذَا أَطْلَقَ الْجَوَازَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ أَوِ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ مَشْهُورًا مُتَمَيِّزًا
_________
(١) منح الجليل ٢ / ٧٢٢، ومغني المحتاج ٢ / ٨٥ - ٨٦، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢.
بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ، وَإِلاَّ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّحْدِيدِ اتِّفَاقًا، لَكِنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ مَنْ قَال: اشْهَدُوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَمْلاَكِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا وَذَكَرَ مَصْرِفَهَا وَلَمْ يُحَدِّدْ شَيْئًا مِنْهَا صَارَتْ جَمِيعُهَا وَقْفًا وَلاَ يَضُرُّ جَهْل الشُّهُودِ بِالْحُدُودِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ بِالصِّيغَةِ الَّتِي لاَ تَحْدِيدَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْوَاقِفِ وَإِرَادَتِهِ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّحْدِيدُ لأَِجْل الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ لِيُبَيِّنَ حَقَّ الْغَيْرِ (١) .
ثَانِيًا: وَقْفُ الْمَنْقُول:
٦٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَنْقُول مِنْ أَثَاثٍ وَحَيَوَانٍ وَسِلاَحٍ (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيل اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣)، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: أَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ
_________
(١) فتح الباري ٥ / ٣٩٦.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، ومنح الجليل ٤ / ٣٧، والمهذب ١ / ٤٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩١، ٤٩٢، والقوانين الفقهية ص٣٧٤.
(٣) حديث " من احتبس فرسا في سبيل الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٥٧) من حديث أبي هريرة.