الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ نَقْلًا عَنِ الْعِمَادِيَّةِ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْغَلَّةُ أَوِ السُّكْنَى لاَ يَمْلِكُ الإِْجَارَةَ وَلاَ الدَّعْوَى إِلاَّ بِتَوْلِيةٍ أَوْ إِذْنِ قَاضٍ، وَلَوِ الْوَقْفُ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الْغَلَّةِ لاَ الْعَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ قَال: أَمَّا فِي الإِْيجَارِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعِمَادِيَّةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَل قَال: وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْلِكُوا إِجَارَةَ الْوَقْفِ، وَقَال الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: لَوْ كَانَ الأَْجْرُ كُلُّهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِمَارَةِ وَلاَ شَرِيكَ مَعَهُ فِي الْغَلَّةِ، فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ إِجَارَتُهُ فِي الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ، وَأَمَّا الأَْرَاضِي: فَإِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْدِيمَ الْعُشْرِ وَالْخَارِجِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ وَجَعَل لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْفَاضِل لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ كَانَ كُل الأَْجْرِ لَهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَيَفُوتُ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ وَالْمُؤَنُ عَلَيْهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَنَحْوُهُ فِي الإِْسْعَافِ ثُمَّ قَال: فَقَدْ عُلِمَ صِحَّةُ إِيجَارِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ. ثُمَّ قَال: وَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّرَدُّدِ فِي صِحَّةِ إِيجَارِهِ إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ التَّوْلِيَةَ وَالنَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ (١) .

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِعَارَةُ شَخْصٍ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٩ - ٤٠٠، والبحر الرائق ٥ / ٢٣٦.

مَالِكٍ انْتِفَاعًا بِنَفْسِهِ فَقَطْ كَمُحْبَّسٍ عَلَيْهِ لِسُكْنَاهُ وَلاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهُ أَيْضًا (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنَافِعُ الْمَوْقُوفِ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ كَسَائِرِ الأَْمْلاَكِ، لَكِنْ لاَ يُؤَجِّرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ نَاظِرًا أَوْ أَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ، هَذَا إِنْ كَانَ الْوَقْفُ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ وَقَفَ دَارًا عَلَى أَنْ يُسَكِّنَهَا مُعَلِّمَ الصِّبْيَانِ فِي الْقَرْيَةِ مَثَلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَكِّنَهَا غَيْرَهُ بِأُجْرَةٍ وَلاَ بِغَيْرِهَا.

وَقَالُوا: وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَالنَّظَرُ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ لَهُ النَّظَرَ الْعَامَّ فَكَانَ أَوْلَى بِالنَّظَرِ فِيهِ، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَقْفِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يَنْبَنِي عَلَى أَقْوَال الْمِلْكِ (٢) .

وَقَال فِي الْمُهَذَّبِ: إِنْ لَمْ يَشْرُطِ الْوَاقِفُ نَاظِرًا فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِلَى الْوَاقِفِ، لأَِنَّهُ كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَشْرُطْهُ بَقِيَ عَلَى نَظَرِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لأَِنَّ الْغَلَّةُ لَهُ فَكَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ.

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٤٥.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، ٣٨٩، وروضة الطالبين ٥ / ٣٤٤.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ، لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَحَقُّ مَنْ يَنْتَقِل إِلَيْهِ، فَكَانَ الْحَاكِمُ أَوْلَى وَهُوَ الْمَذْهَبُ (١) .

أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ - وَلَمْ يُحَدِّدِ الْوَاقِفُ نَاظِرًا كَانَ النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي كَمَا يُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ (٢) .

ب - اتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي التَّأْجِيرِ:

٧٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ يُتَّبَعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي إِجَارَةِ الْمَوْقُوفِ فَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لاَ يُؤَجَّرَ الْمَوْقُوفُ أَصْلًا أَوْ أَنْ لاَ يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا صَحَّ الْوَقْفُ وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ، لأَِنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُتَّبَعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّهُ حَجْرٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ فِي الْمَنْفَعَةِ (٣) .

_________

(١) المهذب ١ / ٤٥٢ - ٤٥٣.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٤١٠، والبحر الرائق ٥ / ٢٥١، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٨٨ - ٩٦، والخرشي ٧ / ٩٢ - ١٠٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٣ - ٥٠٤، والإنصاف ٧ / ٦٩ - ٧٠.

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٦، والخرشي ٧ / ١٠٠، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠١.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنَ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي تَحْدِيدِ مُدَّةَ الإِْجَارَةِ أَوْ عَدَمِ التَّأْجِيرِ مَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ لِلتَّأْجِيرِ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لاَ تُؤَجَّرَ الدَّارُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ثُمَّ انْهَدَمَتْ وَلَيْسَ لَهُ جِهَةُ عِمَارَةٍ إِلاَّ بِإِجَارَةِ سِنِينَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ مُخَالَفَةُ شَرْطِ الْوَاقِفِ، لأَِنَّ اتِّبَاعَ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِهِ (١) .

كَذَلِكَ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ حَالَةَ مَا إِذَا كَانَ النَّاسُ لاَ يَرْغَبُونَ فِي اسْتِئْجَارِ الْمَوْقُوفِ الْمُدَّةَ الَّتِي شَرَطَهَا الْوَاقِفُ كَمَا إِذَا شَرَطَ أَنْ لاَ يُؤَجَّرَ الْمَوْقُوفُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَالنَّاسُ لاَ يَرْغَبُونَ فِي اسْتِئْجَارِهَا، وَكَانَتْ إِجَارَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ أَنْفَعَ وَأَدَرَّ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَيْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ بَل يَرْفَعُ الأَْمْرَ لِلْقَاضِي لِيُؤَجِّرَهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، لأَِنَّ لِلْقَاضِي وِلاَيَةَ النَّظَرِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْغَائِبِينَ وَالْمَوْتَى.

وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ شَيْئًا فَلِلْقَيِّمِ ذَلِكَ بِلاَ إِذْنِ الْقَاضِي (٢) .

هَذَا إِذَا كَانَ لِلْوَاقِفِ شَرْطٌ فِي التَّأْجِيرِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ مُدَّةً لِلتَّأْجِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ

_________

(١) الخرشي ٧ / ١٠٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٢.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٦، والإسعاف ص٦٤.

الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ التَّأْجِيرُ فِيهَا.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ تَأْجِيرُ الْمَوْقُوفِ فِيهَا إِذْ لاَ تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ فَتَجُوزُ الإِْجَارَةُ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالِبًا بِحَيْثُ لاَ يَلْحَقُهَا مَوْتٌ أَوْ هَدْمٌ لإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.

وَيَذْكُرُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالِبًا يَرْجِعُ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ فَيُؤَجَّرُ الدَّارُ وَالرَّقِيقُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَالدَّابَّةُ عَشْرَ سِنِينَ وَالثَّوْبُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَالأَْرْضُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ.

وَفِي قَوْلٍ: لاَ يُزَادُ عَلَى سَنَةٍ لاِنْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِهَا، وَفِي قَوْلٍ عَلَى ثَلاَثِينَ سَنَةً لأَِنَّهَا نِصْفُ الْعُمْرِ الْغَالِبِ.

وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: أَقَل مُدَّةٍ تُؤَجَّرُ الأَْرْضُ فِيهَا لِلزِّرَاعَةِ مُدَّةُ زِرَاعَتِهَا، وَأَقَل مُدَّةٍ تُؤَجَّرُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى يَوْمٌ (١) .

وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَهْمَل الْوَاقِفُ مُدَّةَ الإِْجَارَةِ قِيل: تُطْلَقُ الزِّيَادَةُ لِلْقَيَّمِ وَقِيل: تُقَيَّدُ بِسَنَةٍ مُطْلَقًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِذَا طَالَتْ تُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال الْوَقْفِ فَإِنَّ مَنْ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٤٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٦٣، وتحفة المحتاج ٦ / ١٧٢.

رَآهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ عَلَى طُول الزَّمَانِ يَظُنُّهُ مَالِكًا، قَال فِي الدُّرِّ: وَبِإِجَارَةِ السَّنَةِ يُفْتَى فِي الدَّارِ وَبِثَلاَثِ سِنِينَ فِي الأَْرْضِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمُصْلِحَةُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ زَمَانًا وَمَوْضِعًا، وَنَقَل صَاحِبُ الدُّرِّ عَنِ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَوِ احْتِيجَ لِذَلِكَ يَعْقِدُ عُقُودًا أَيْ عُقُودًا مُتَرَادِفَةً كُل عَقْدٍ سَنَةً بِكَذَا، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ هَذَا فِي الدَّارِ، أَمَّا فِي الأَْرْضِ فَيَصِحُّ كُل عَقْدٍ ثَلاَثَ سِنِينَ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُول: آجَرْتُكَ الدَّارَ الْفُلاَنِيَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ بِكَذَا وَآجَرْتُكَ إِيَّاهَا سَنَةَ خَمْسِينَ بِكَذَا، وَآجَرْتُكَ إِيَّاهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ بِكَذَا وَهَكَذَا إِلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ.

وَيَكُونُ الْعَقْدُ الأَْوَّل لاَزِمًا وَمَا عَدَا الْعَقْدَ الأَْوَّل لاَ يَكُونُ لاَزِمًا، لأَِنَّ جَمِيعَ مَا عَدَاهُ مُضَافٌ، وَذَكَرَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: أَنَّ الإِْجَارَةَ الْمُضَافَةَ تَكُونُ لاَزِمَةً فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (١) .

وَيُفَرِّقُ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا أَوْ دَارًا وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا وَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ إِجَارَةُ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ سِنِينَ وَلاَ يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٧.

جَازَ أَنْ تُكْرَى أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ لاَ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ دَارًا فَلاَ تُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ أَكْرَى النَّاظِرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّارِ أَوِ الأَْرْضِ - فَإِنْ كَانَ نَظَرًا (أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ) مَضَى وَلاَ يُفْسَخُ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

وَالْحُكْمُ فِي كُل مَا سَبَقَ إِذَا كَانَ الْكِرَاءُ لِغَيْرِ مَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ لِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ جَازَ الْكِرَاءُ كَعَشْرِ سِنِينَ وَنَحْوِهَا لِخِفَّةِ الْغَرَرِ، لأَِنَّ الْمَرْجِعَ لَهُ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ دَارًا عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو فَأَكَرَاهَا زَيْدٌ لِعَمْرٍو الَّذِي لَهُ الْمَرْجِعُ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ.

وَتَحْدِيدُ الْمُدَدِ السَّابِقَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ تَسْتَدْعِي الإِْجَارَةَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ تَقْتَضِي الْكِرَاءَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَهَدَّمَ الْوَقْفُ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهُ بِمَا يُبْنَى بِهِ وَلَوْ طَال الزَّمَانُ كَأَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ أَزْيَدَ بِقَدْرِ مَا تَقْتَضِي الضَّرُورَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ ضَيَاعِهِ وَانْدِرَاسِهِ (١) .

وَانْظُرْ (إِجَارَة ف٨٤)

تَقْدِيرُ أُجْرَةِ الْمَوْقُوفِ:

الأَْصْل أَنَّ إِجَارَةَ الْمَوْقُوفِ تَكُونُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ (٢) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٩٦، والشرح الصغير ٢ / ٣١٠ - ٣١١، والخرشي ٧ / ٩٣ - ٩٥.

(٢) الدر المختار ٣ / ٣٩٨، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٥، والخرشي ٧ / ٩٨ - ٩٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٥، وروضة الطالبين ٥ / ٣٥١ - ٣٥٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٦، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٤.

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ بَيَانُهُ كَالآْتِي:

أ - الإِْجَارَةُ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل:

٧٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجَارَةِ الْمَوْقُوفِ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل.

فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يُؤَجِّرَ النَّاظِرُ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى غَيْرِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُؤَجِّرَ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ مَوْقُوفَةً عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَلَوْ أَجَّرَهَا بِالأَْقَل فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ غَيْرَ صَحِيحٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - قَال الْحَارِثِيُّ عَنْهُ: هُوَ الأَْصَحُّ - لاِنْتِفَاءِ الإِْذْنِ فِيهِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَيَضْمَنُ النَّاظِرُ قِيمَةَ النَّقْصِ الَّذِي لاَ يُتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً، لأَِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَال غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ فَضَمِنَ مَا نَقَصَهُ بِعَقْدِهِ، كَالْوَكِيل إِذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْل أَوْ أَجَّرَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْل (١) .

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قِيَاسًا

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٦، والإنصاف ٧ / ٧٣، وكشاف القناع ٤ / ٢٦٩.

عَلَى جَوَازِ الإِْعَارَةِ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ لاَ يَجُوزُ (١) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ النَّاظِرُ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل سَوَاءٌ أَكَانَ النَّاظِرُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ غَيْرَهُ، لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْوَقْفِ بِسَبَبِ الأُْجْرَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل يَسِيرًا وَهُوَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً أَيْ يَقْبَلُونَهُ وَلاَ يَعُدُّونَهُ غَبْنًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْغَبْنُ فَاحِشًا فَلاَ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ، وَاعْتُبِرَ خِيَانَةً مِنَ الْمُتَوَلِّي إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأُجْرَةِ الْمِثْل. لَكِنْ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ بِالأَْقَل أَيْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لِلضَّرُورَةِ وَمَثَّلُوا لَهَا بِمَا يَأْتِي:

أ - إِذَا نَابَتِ الْوَقْفَ نَائِبَةٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ كَانَ الدَّارُ عَلَيْهَا مُرْصَدٌ. وَالْمُرْصَدُ دَيْنٌ عَلَى الْوَقْفِ يُنْفِقُهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِعِمَارَةِ الدَّارِ لِعَدَمِ مَالٍ حَاصِلٍ فِي الْوَقْفِ.

ب - إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِي إِجَارَتِهَا إِلاَّ بِالأَْقَل.

وَيَذْكُرُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَ الْمُتَوَلِّي بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْل، وَكَانَ الْغَبْنُ فَاحِشًا وَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٠، ٣٩٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٤٠، والإنصاف ٧ / ٧٣.

ضَرُورَةٌ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَلْزَمُهُ تَمَامُ أُجْرَةِ الْمِثْل (١) .

قَال أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْل: عَلَى أَصْل أَصْحَابِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ غَاصِبًا، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لاَ يَصِيرُ غَاصِبًا وَيَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْل، فَقِيل لَهُ: أَتُفْتِي بِهَذَا؟ قَال: نَعَمْ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ أَبْطَل بِالتَّسْمِيَةِ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى إِلَى تَمَامِ أَجْرِ الْمِثْل وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ، فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل، كَمَا لَوْ أَجَّرَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ (٢) . وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْخَصَّافِ أَنَّ الْوَاقِفَ أَيْضًا إِذَا آجَرَ بِالأَْقَل مِمَّا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَمْ تَجُزْ وَيُبْطِلُهَا الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مَأْمُونًا وَفَعَل ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ أَقَرَّهُ الْقَاضِي فِي يَدِهِ وَأَمَرَهُ بِالإِْجَارَةِ بِالأَْصْلَحِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهَا فِي يَدِ مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِ (٣) .

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٩٨.

(٢) الإسعاف ص٦٥.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٠١.