الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ إِلَى نَائِبِهِ وَهُوَ الْفَقِيرُ وَمِثْل ذَلِكَ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: مَنْ قَال دَارِي وَقْفٌ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفَهُ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى مَا يُوَجِّهُهُ الْمَالِكُ إِنْ أَمْكَنَ سُؤَالُهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ سُؤَالُهُ صُرِفَ فِي غَالِبِ مَا يُقْصَدُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ غَالِبًا فِي عُرْفِ أَهْل بَلَدِ الْوَاقِفِ كَأَهْل الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ لَهُمْ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ بِالاِجْتِهَادِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُصْرَفُ إِلَى وَرَثَتِهِ نَسَبًا عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ فَلاَ يَمْلِكُونَ نَقْل الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ، وَيَقَعُ الْحَجْبُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ كَالإِْرْثِ فَلِلْبِنْتِ مَعَ الاِبْنِ الثُّلُثُ وَلَهُ الْبَاقِي وَلِلأَْخِ مِنَ الأُْمِّ مَعَ الأَْخِ لِلأَْبِ السُّدُسُ وَلَهُ مَا بَقِيَ، فَإِنْ عُدِمُوا فَيُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَقْفًا عَلَيْهِمْ، وَنَصُّ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَبْطُل وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَبُطْلاَنُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ ذِكْرِ التَّأْبِيدِ.
لَكِنْ قَال مُحَمَّدٌ: لَوْ قَال: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ وَصَدَقَةُ الْوَقْفِ وَيُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، لأَِنَّ ذِكْرَ الصَّدَقَةِ يَدُل عَلَى التَّأْبِيدِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لأَِنَّ مَحَل الصَّدَقَةِ فِي
الأَْصْل الْفُقَرَاءُ (١) .
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ مَجْهُولَةٍ كَالْوَقْفِ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِهَةُ مُبْهَمَةً كَالْوَقْفِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ، لأَِنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ مُنْجَزٌ فَلَمْ يَصِحَّ (٢) .
الْوَقْفُ عَلَى الأَْوْلاَدِ:
٥٠ - إِذَا ذَكَرَ الْوَاقِفُ طَبَقَةً وَاحِدَةً فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ كَأَنْ يَقُول: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي أَوْ وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَال يَنْفَرِدُ بِالاِسْتِحْقَاقِ مَنْ يَكُونُ مَوْجُودًا مِنْ أَوْلاَدِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، لأَِنَّ الْوَلَدَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى كَمَا قَالَهُ أَهْل اللُّغَةِ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لأَِنَّهُ جَعَلَهُ لَهُمْ، وَإِطْلاَقُ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ
_________
(١) الإسعاف ص١٦، الطبعة الثانية طبعة هندية، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٥ - ٣٦٦، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٥٧ - ٣٥٨، وفتح القدير ٦ / ٢٠٢، والدسوقي ٤ / ٨٧ - ٨٨، والشرح الصغير ٢ / ٣٠٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٨، ونيل المآرب ٢ / ١٤.
(٢) المهذب ١ / ٤٤٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٨٥، ونيل المآرب ٢ / ١٣، وروضة القصاة للسمناني ٢ / ٧٩٤.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ وَلَدٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ جَمِيعَ غَلَّةِ الْوَقْفِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (١) .
وَإِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي الاِسْتِحْقَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الزَّاغَوَانِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَاخْتَارَهُ فِي الإِْقْنَاعِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَدْخُل فِي الاِسْتِحْقَاقِ الْوَلَدُ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ الْوَقْفِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (٢) .
٥١ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُول أَوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ فِيمَا لَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَدْخُل أَوْلاَدُ الأَْوْلاَدِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ لأَِنَّ الْوَلَدَ حَقِيقَةً
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٤٣٦ - ٤٣٧، والإسعاف ٩٥ - ٩٦، وفتح القدير ٦ / ٢٤٢ - ٢٤٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٣، والمهذب ١ / ٤٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) فتح القدير ٦ / ٢٤٣، وأحكام الأوقاف ص١٠٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، ٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٧، والروضة ٥ / ٣٣٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٧٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٨، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٠٨، والإنصاف ٧ / ٧٤ وما بعدها.
وَعُرْفًا إِنَّمَا هُوَ وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ وَإِنَّمَا يُسَمَّى وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَدًا مَجَازًا وَلأَِنَّ الْوَاقِفَ اقْتَصَرَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ عَلَى طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْبَطْنُ الأَْوَّل وَلَمْ يُوجَدْ نَصٌّ أَوْ شَرْطٌ بِدُخُول أَوْلاَدِ الاِبْنِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَوْلاَدَ الاِبْنِ فَقَطْ دُونَ الإِْنَاثِ يَدْخُلُونَ لأَِنَّ وَلَدَ وَلَدِهِ وَلَدٌ لَهُ بِدَلِيل قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ (٢) وَ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيل﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا (٤)، وَلاَ يَدْخُل فِي ذَلِكَ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ لأَِنَّهُمْ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، وَلأَِنَّ أَوْلاَدَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إِلَى آبَائِهِمْ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ:
بَنُونَا بَنُو آبَائِنَا وَبَنَاتُنَا
بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَال الأَْبَاعِدِ (٥)
_________
(١) الإسعاف ص٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٧، والروضة ٥ / ٣٣٥ - ٣٣٦، والمغني ٥ / ٦٠٩.
(٢) سورة الأعراف / ٣١.
(٣) سورة البقرة / ٤٠.
(٤) حديث: " ارموا بني إسماعيل. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٤١٣) من حديث سلمة بن الأكوع.
(٥) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦ / ٤٤، ومنح الجيل ٤ / ٧٣، والروضة ٥ / ٣٣٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٨، وشرح المنتهى ٢ / ٥٠٨، والإنصاف ٧ / ٧٤.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ أَوْلاَدَ الأَْوْلاَدِ يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا أَوْلاَدَ الْبَنِينَ أَوْ أَوْلاَدَ الْبَنَاتِ لأَِنَّ الْبَنَاتَ أَوْلاَدُهُ، وَأَوْلاَدُهُنَّ أَوْلاَدُ أَوْلاَدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى﴾ (١) وَهُوَ وَلَدُ بِنْتِهِ - وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ (٢) يَعْنِي الْحَسَنَ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ " الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ " إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ أَوْلاَدٌ حِينَ الْوَقْفِ عَلَى الْوَلَدِ وَكَانَ لَهُ أَوْلاَدُ أَوْلاَدٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ يُحْمَل عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ وَصِيَانَةً لِكَلاَمِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الإِْلْغَاءِ كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَيَكُونُ وَلَدُ الاِبْنِ عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ الصُّلْبِيِّ قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ وَلَدُ صُلْبٍ حِينَ الْوَقْفِ عَلَى الْوَلَدِ فَيُخْتَصُّ بِوَلَدِ الاِبْنِ وَلَوْ أُنْثَى، لأَِنَّ لَفْظَ الْوَلَدِ يَعُمُّهُ دُونَ مَنْ دُونَهُ مِنَ الْبُطُونِ وَدُونَ وَلَدِ الْبِنْتِ فِي الصَّحِيحِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَبِهِ أَخَذَ
_________
(١) سورة الأنعام / ٨٤ - ٨٥.
(٢) حديث: " إن ابني هذا سيد. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٠٧) من حديث أبي بكرة.
هِلاَلٌ، لأَِنَّ أَوْلاَدَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إِلَى آبَائِهِمْ لاَ آبَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ بِخِلاَفِ وَلَدِ الاِبْنِ، وَقَال فِي الإِْسْعَافِ: وَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ، وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْخَصَّافِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَلاَ وَلَدُ وَلَدٍ وَكَانَ لَهُ وَلَدُ وَلَدِ وَلَدٍ فَالْغَلَّةُ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ أَسْفَل مِنَ الْبُطُونِ، وَعَمَّ نَسْلُهُ الأَْقْرَبَ وَالأَْبْعَدَ إِلاَّ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُل عَلَى التَّرْتِيبِ (١) .
٥٢ - وَيَسْتَوِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَقُول الْوَاقِفُ: عَلَى وَلَدِي بِصِيغَةِ الإِْفْرَادِ، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ، فَمَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامٍ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ بِصِيغَةِ الإِْفْرَادِ، أَمَّا إِذَا قَال الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي بِلْفِظِ الْجَمْعِ، فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الاِخْتِيَارِ أَنَّهُ يَشْمَل جَمِيعَ الْبُطُونِ لِعُمُومِ اسْمِ الأَْوْلاَدِ، وَيُقَدَّمُ الْبَطْنُ الأَْوَّل، فَإِذَا انْقَرَضَ فَالثَّانِي، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْبُطُونِ عَلَى
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٧، والإسعاف ص٩٦، وفتح القدير ٦ / ٢٤٣، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٧، والمغني ٥ / ٦٠٩، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٧٨.
السَّوَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبِعِيدُهُمْ، لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ فَفِيهَا: رَجُلٌ وَقَفَ أَرْضًا عَلَى أَوْلاَدِهِ وَجَعَل آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ قَال هِلاَلٌ: يُصْرَفُ الْوَقْفُ إِلَى الْبَاقِي فَإِذَا مَاتُوا يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ لاَ إِلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْخُلاَصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَخِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ (١) .
وَإِنْ خَصَّصَ فِي وَقْفِهِ الذُّكُورَ دُونَ الإِْنَاثِ اخْتُصَّ بِهِمْ، وَكَذَا إِذَا ذَكَرَ أَوْلاَدَهُ بِالاِسْمِ فَقَال: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ فَلاَ يَشْمَل الْمَسْكُوتَ عَنْهُ مِنْ أَوْلاَدِهِ (٢) .
الْوَقْفُ عَلَى الأَْوْلاَدِ وَأَوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ:
٥٣ - لَوْ قَال الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي، وَوَلَدِ وَلَدِي فَقَطْ، أَيْ لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى الْبَطْنَيْنِ وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْغَلَّةِ، وَلاَ يُقَدَّمُ الصُّلْبِيُّ عَلَى وَلَدِ الاِبْنِ، لأَِنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُ مَا يَدُل عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الأَْوْلاَدُ وَأَوْلاَدُهُمْ صُرِفَتِ الْغَلَّةُ إِلَى الْفُقَرَاءِ لاِنْقِطَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلاَ يَدْخُل الْبَطْنُ الثَّالِثُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرِ الْوَلَدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلَوْ زَادَ فَذَكَرَ الْبَطْنَ الثَّالِثَ بِأَنْ قَال: عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٨.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٩٢، ومواهب الجليل ٦ / ٤٤، وكشاف القناع ٤ / ٢٨١، وفتح القدير ٦ / ٢٤٣.
وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي عَمَّ نَسْلَهُ فَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ إِلَى أَوْلاَدِهِ مَا تَنَاسَلُوا لاَ لِلْفُقَرَاءِ مَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلاَدِهِ وَإِنْ سَفُل، وَيَشْتَرِكُ جَمِيعُ الْبُطُونِ فِي الْغَلَّةِ لِعَدَمِ مَا يَدُل عَلَى التَّرْتِيبِ إِلاَّ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُل عَلَى التَّرْتِيبِ كَأَنْ يَقُول: الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، أَوْ يَقُول: عَلَى وَلَدِي ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي وَهَكَذَا، أَوْ يَقُول: بَطَنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَحِينَئِذٍ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْوَاقِفُ (١) .
أَمَّا لَوْ ذَكَرَ الأَْوْلاَدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِأَنْ قَال: عَلَى أَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِي فَإِنَّ الْغَلَّةَ تُصْرَفُ إِلَى أَوْلاَدِهِ وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا، وَلاَ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ مَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَاقِيًا وَإِنْ سَفُل، لأَِنَّ اسْمَ الأَْوْلاَدِ يَتَنَاوَل الْكُل بِخِلاَفِ اسْمِ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ ثَلاَثَةِ بُطُونٍ حَتَّى يُصْرَفَ إِلَى النَّوَافِل (٢) مَا تَنَاسَلُوا، وَالأَْقْرَبُ وَالأَْبْعَدُ فِي الْغَلَّةِ سَوَاءٌ، فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ وَالأُْنْثَى مِثْل الذَّكَرِ (٣) .
هَل يَدْخُل أَوْلاَدُ الْبِنْتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ:
٥٤ - اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي دُخُول وَلَدِ الْبِنْتِ،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٧، والإسعاف ص٩٨.
(٢) النوافل جمع نافلة، ومن معانيها: ولد الولد (المصباح المنير) .
(٣) الإسعاف ص٩٨.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ اعْلَمْ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ دُخُول أَوْلاَدِ الْبَنَاتِ فِي الأَْوْلاَدِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ قَال: عَلَى أَوْلاَدِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَوْ بِلَفْظِ اسْمِ الْجِنْسِ كَوَلَدِي وَسَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَطْنِ الأَْوَّل أَوْ ذَكَرَ الْبَطْنَ الثَّانِيَ مُضَافًا إِلَى الْبَطْنِ الأَْوَّل الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الْوَاقِفِ كَأَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِي أَوِ الْعَائِدِ عَلَى الأَْوْلاَدِ كَأَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِهِمْ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَقَال الْخَصَّافُ: يَدْخُلُونَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
وَقَال عَلِيٌّ الرَّازِيُّ: إِنْ ذَكَرَ الْبَطْنَ الثَّانِي بِلَفْظِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الْوَاقِفِ كَوَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي لاَ يَدْخُلُونَ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الأَْوْلاَدِ كَأَوْلاَدِي، وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِهِمْ دَخَلُوا.
وَقَال شَمْسُ الأَْئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: لاَ يَدْخُلُونَ فِي الْبَطْنِ الأَْوَّل رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الدُّخُول لأَِنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ اسْمٌ لِمَنْ وَلَدَهُ وَلَدُهُ، وَابْنَتُهُ وَلَدُهُ، فَمَنْ وَلَدَتْهُ بِنْتُهُ يَكُونُ وَلَدَ وَلَدِهِ حَقِيقَةً (١) .
وَفِي الإِْسْعَافِ: قَال هِلاَلٌ: لَوْ قَال الْوَاقِفُ وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ تَكُونُ الْغَلَّةُ بَيْنَ أَوْلاَدِهِ وَأَوْلاَدِ ابْنِهِ. لأَِنَّهُ سَوَّى بَيْنِهِمَا فِي
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٤.
الذِّكْرِ وَيَدْخُل وَلَدُ الْبِنْتِ.
وَنَقَل صَاحِبُ الإِْسْعَافِ قَوْل عَلِيٍّ الرَّازِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ، ثُمَّ قَال: وَالصَّحِيحُ مَا قَال هِلاَلٌ، لأَِنَّ اسْمَ وَلَدِ الْوَلَدِ كَمَا يَتَنَاوَل أَوْلاَدَ الْبَنِينَ يَتَنَاوَل أَوْلاَدَ الْبَنَاتِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ قَال الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي فُلاَنٍ وَفُلاَنَةٍ وَأَوْلاَدِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَل الْحَافِدَ أَيْ وَلَدَ الْبِنْتِ، لَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَوَلَدُهُ بِمَنْزِلَتِهِ دَخَل وَلَدُ الْبِنْتِ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ (فَمَنْ مَاتَ) مِنْ تَمَامِ صِيغَةِ الْوَقْفِ، فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ لَمْ يَدْخُل وَلَدُ الْبِنْتِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ تَمَامِ الْوَقْفِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ حِينَ الْوَقْفِ الإِْدْخَال وَالإِْخْرَاجَ وَالتَّغْيِيرَ وَالتَّبْدِيل وَذَكَرَ أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ.
فَإِنْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى ابْنَتِي وَوَلَدِهَا دَخَل أَوْلاَدُهَا الذُّكُورُ وَالإِْنَاثُ فَإِنْ مَاتُوا كَانَ لأَِوْلاَدِ الذُّكُورِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَلاَ شَيْءَ لاِبْنِ بِنْتٍ ذَكَرٍ وَلاَ لاِبْنِ بِنْتٍ أُنْثَى.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي دُخُول وَلَدِ الْبِنْتِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ فِيمَا لَوْ قَال الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي، أَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِي.
_________
(١) الإسعاف ص٩٧.