الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
جَائِزٌ كَمَا إَذَا بَنَى خَانًا أَوْ سَاقِيَةً أَوْ جَعَل أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَشَرَطَ أَنْ يَنْزِل فِيهِ أَوْ يَشْرَبَ مِنْهُ أَوْ يُدْفَنَ فِيهِ، وَلأَِنَّ مَقْصُودَهُ الْقُرْبَةُ وَفِي الصَّرْفِ إِلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ (١)، قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَنْفَقَ الرَّجُل عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ (٢) .
لَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ وَأَبَا يُوسُفَ قَالُوا: إِنَّ انْتِفَاعَ الْمَوْقُوفِ بِغَلَّةِ الْوَقْفِ لاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالشَّرْطِ، فَلاَ يَحِل الأَْكْل مِنَ الْمَوْقُوفِ إِلاَّ إِذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ.
لَكِنَّ هَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَامًّا، أَمَّا إِذَا وَقَفَ شَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي جُمْلَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مِثْل أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَوْ مَقْبَرَةً فَلَهُ الدَّفْنُ فِيهَا أَوْ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا أَوْ سِقَايَةً أَوْ شَيْئًا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ كَأَحَدِهِمْ (٣) وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَبَّل بِئْرَ رُومَةَ وَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاَءِ الْمُسْلِمِينَ (٤) .
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٧، وفتح القدير ٦ / ٢٢٥ - ٢٢٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٤ - ٤٩٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠.
(٢) حديث: " ما أنفق الرجل على نفسه. . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٢٣) من حديث المقدام بن معد يكرب، وحسن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٥ - ط دار الجنان) .
(٣) فتح القدير ٦ / ٢٢٦، والمغني ٥ / ٦٠٤.
(٤) أثر عثمان بن عفان أنه سبل بئر رومة. أخرجه الترمذي (٥ / ٦٢٧) وقال: حديث حسن.
غَلَّةَ الْمَوْقُوفِ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَعَدَمُ الصِّحَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إَذَا شَرَطَ الاِنْتِفَاعَ بِغَلَّةِ الْوَقْفِ. قَال الشِّيرَازِيُّ: لأَِنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي حَبْسَ الْعَيْنِ وَتَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ، وَالْعَيْنُ مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْفَعَتُهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ مَعْنًى، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَشَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ فَلاَ يَصِحُّ لِفَسَادِ الشَّرْطِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى الْوَقْفِ بَاعَ فَلَهُ بَيْعُهُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ الْحَاجَةِ وَالْحَلِفِ عَلَيْهَا، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِلاَ يَمِينٍ (١) .
وَيَسْتَثْنِي الشَّافِعِيَّةُ مَسَائِل يَجُوزُ فِيهَا لِلْوَاقِفِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَوْقُوفِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ كَالْفُقَرَاءِ وَاتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ افْتَقَرَ، أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ وَقَفَ كِتَابًا لِلْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا أَوْ قِدْرًا لِلطَّبْخِ فِيهِ أَوْ كِيزَانًا لِلشُّرْبِ بِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَهُ الاِنْتِفَاعُ مَعَهُمْ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَفْسَهُ (٢) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، والمهذب ١ / ٤٤٨، والدسوقي ٤ / ٨٩، والخرشي ٧ / ٩٣.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٠.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْجِهَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ:
٤٤ - الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ لاَ تَنْقَطِعُ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاجِدِ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُنْقَطِعِ الاِبْتِدَاءِ أَوِ الْوَسَطِ أَوِ الاِنْتِهَاءِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُنْقَطِعَ الاِبْتِدَاءِ وَالاِنْتِهَاءِ:
٤٥ - كَمَنْ يَقِفُ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ فَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَيَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ فَإِذَا وُجِدَ الْوَلَدُ صُرِفَ إِلَيْهِ، وِلِلْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ (٢) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ سَيُوجَدُ. (ف٣٣) .
ثَانِيًا: إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُنْقَطِعَ الاِبْتِدَاءِ مُتَّصِل الاِنْتِهَاءِ:
٤٦ - كَمَنْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ (عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٣٦٥، والمهذب ١ / ٤٤٨، والمغني ٥ / ٦٢٢، ٦٢٣، والدسوقي ٤ / ٨٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤١٤، والدسوقي ٤ / ٨٩، ومنح الجليل ٤ / ٦٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٩، ٣٨٦، والمهذب ١ / ٤٤٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٥ - ٤٩٦، والمغني ٥ / ٦٠٧.
الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ) أَوْ عَلَى عَبْدٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ (أَيِ الْفُقَرَاءِ) فِي الْحَال، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِنْ حِيزَ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ قَبْل حُصُول مَانِعٍ لِلْوَاقِفِ مِنْ فَلَسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ مَوْتٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُل حَوْزٌ حَتَّى حَصَل لِلْوَاقِفِ مَانِعٌ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ (الْمَوْتِ أَوِ الْمَرَضِ أَوِ الْفَلَسِ) لَمْ يَتِمَّ الْوَقْفُ وَلِلْوَرَثَةِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ أَوِ الْمَوْتِ إِبْطَالُهُ وَلَهُمْ إِجَازَتُهُ، وَفِي حَالَةِ الْفَلَسِ كَانَ لِلْغَرِيمِ إِبْطَالُهُ وَأَخْذُهُ فِي دَيْنِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِيهِ طَرِيقَانِ: قَال الشِّيرَازِيُّ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال يَبْطُل قَوْلًا وَاحِدًا، لأَِنَّ الأَْوَّل بَاطِلٌ، وَالثَّانِي فَرْعٌ لأَِصْلٍ بَاطِلٍ فَكَانَ بَاطِلًا، وَمِنْهُمُ مَنْ قَال فِيهِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَصِحُّ لأَِنَّهُ لَمَّا بَطَل الأَْوَّل صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَصَارَ الثَّانِي أَصْلًا، فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُ يَصِحُّ فَإِنْ كَانَ الأَْوَّل لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ كَرَجُلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ صُرِفَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ وَهُمُ الْفُقَرَاءُ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ فَسَقَطَ حُكْمُهُ.
وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ كَالْعَبْدِ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا يُنْقَل فِي الْحَال إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، لأَِنَّ
الَّذِي وُقِفَ عَلَيْهِ فِي الاِبْتِدَاءِ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لِلْوَاقِفِ ثُمَّ لِوَارِثِهِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُجْعَل لِمَنْ بَعْدَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الاِنْتِقَال إِلَى الْفُقَرَاءِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَكُونُ لأَِقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُجْعَل لِلْفُقَرَاءِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الاِنْتِقَال إِلَيْهِمْ (١) .
ثَالِثًا: إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ:
٤٧ - كَمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ انْقِطَاعِ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِمَا إِذَا حَصَل حَوْزٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْل حُصُول مَانِعٍ لِلْوَاقِفِ مِنْ فَلَسٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ مَوْتٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ.
وَيَصِحُّ الْوَقْفُ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٠ - ٨١، والشرح الصغير ٢ / ٣٠٤، والمهذب ١ / ٤٤٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٧، ٤٩٨.
فَرَّقُوا بَيْنَ صُورَتَيْنِ:
الأُْولَى: لَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي ثُمَّ عَلَى رَجُلٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ لِوُجُودِ الصَّرْفِ فِي الْحَال وَالْمَآل.
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّهُ بَعْدَ أَوْلاَدِهِ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ لاَ لأَِقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَمَدِ الاِنْقِطَاعِ.
الثَّانِيَةُ: كَأَنْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي ثُمَّ عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، كَانَ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ أَيْضًا، وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُصْرَفُ بَعْدَ أَوْلاَدِهِ لأَِقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ (١) .
رَابِعًا: إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُنْقَطِعَ الاِنْتِهَاءِ:
٤٨ - كَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَلَمْ يَزِدْ، أَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى الْكَنِيسَةِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يُجْعَل آخِرُ الْوَقْفِ لِجِهَةٍ لاَ تَنْقَطِعُ، أَيْ أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ: الرِّوَايَةُ الأُْولَى: أَنَّ التَّأْبِيدَ غَيْرُ شَرْطٍ، وَلَوْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤١٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٠، مغني المحتاج ٢ / ٣٨٤، وحاشية القليوبي ٣ / ١٠٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٧ - ٤٩٨.
سَمَّى جِهَةً تَنْقَطِعُ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَلَمْ يَزِدْ جَازَ الْوَقْفُ، وَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَ إِلَى مِلْكِهِ لَوْ حَيًّا، وَإِلاَّ فَإِلَى مِلْكِ الْوَارِثِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ حَتَّى تُصْرَفَ الْغَلَّةُ بَعْدَ الأَْوْلاَدِ إِلَى الْفُقَرَاءِ (١) .
وَالْمَالِكِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ وَالْوَقْفِ الْمُؤَقَّتِ.
فَبِالنِّسْبَةِ لِلْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ إِذَا انْقَطَعَتِ الْجِهَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا رَجَعَ الْوَقْفُ لأَِقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ نَسَبًا وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَوِي فِي الأَْنْصِبَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ فِي أَصْل وَقْفِهِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، لأَِنَّ مَرْجِعَ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ لَيْسَ بِإِنْشَاءِ الْوَاقِفِ وَإِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، لَكِنْ لَوْ قَال الْوَاقِفُ إِنِ انْقَطَعَ الْوَقْفُ رَجَعَ لأَِقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَتِي لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْمَل بِشَرْطِهِ حَيْثُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَرْجِعِ، لأَِنَّ الْمَرْجِعَ صَارَ بِذَلِكَ فِي مَعْنَى الْحَبْسِ عَلَيْهِ فَيُقَدَّمُ الاِبْنُ فَابْنُهُ فَالأَْخُ فَابْنُهُ فَالْجَدُّ فَالْعَمُّ فَابْنُهُ وَيَشْتَرِكُ مَعَهُمْ أَقْرَبُ امْرَأَةٍ مِنْ فُقَرَاءِ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا كَانَتْ عَصَبَتُهُ كَالْبِنْتِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٥، وتبيين الحقائق ٣ / ٣٢٦ - ٣٢٧، وفتح القدير ٦ / ٢١٤ - ٢١٥.
وَالأُْخْتِ وَالْعَمَّةِ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْفُ فِي الْغَلَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْهُ قُدِّمَ الْبَنَاتُ عَلَى الأُْخْوَةِ لاَ عَلَى الاِبْنِ فَتَأْخُذُ الْبَنَاتُ مَا يَكْفِيهِنَّ وَلاَ يَأْخُذْنَ الْجَمِيعَ، وَلاَ يَدْخُل فِيهِ الْوَاقِفُ وَلَوْ فَقِيرًا، فَإِنْ كَانَ الأَْقْرَبُ غَنِيًّا فَلِمَنْ يَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ. وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ مُؤَقَّتًا كَمَنْ وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقَيَّدَهُ بِحَيَاتِهِمْ أَوْ حَيَاةِ فُلاَنٍ أَوْ قَيَّدَ بِأَجَلٍ كَعَشَرَةِ أَعْوَامٍ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا رَجَعَ مَلِكًا لِرَبِّهِ أَوْ لِوَارِثِهِ إِنْ مَاتَ، فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِشَيْءٍ وَأَطْلَقَ فَيَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ جَمِيعِهِمْ مَرْجِعَ الأَْحْبَاسِ عَلَى الأَْصَحِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَمِنْهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ رُجُوعُهُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ أَوْ لِوَارِثِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ.
وَإِذَا رَجَعَ مَرْجِعَ الأَْحْبَاسِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ أَيْ لأَِقْرَبِ عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ وَلاِمْرَأَةٍ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا عَصَّبَتْ كَالْبِنْتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ أَوِ انْقَرَضُوا فَلِلْفُقَرَاءِ (١) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَهُمْ رَأْيَانِ، الأَْوَّل وَهُوَ الأَْظْهَرُ: صِحَّةُ الْوَقْفِ لأَِنَّ مَقْصُودَ الْوَقْفِ الْقُرْبَةُ وَالدَّوَامُ وَإِذَا بُيِّنَ مَصْرِفُهُ ابْتِدَاءً سَهُل إِدَامَتُهُ عَلَى سَبِيل الْخَيْرِ. وَالثَّانِي: بُطْلاَنُ الْوَقْفِ لاِنْقِطَاعِهِ.
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٨٥ - ٨٧، والشرح الصغير ٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦.
وَعَلَى الأَْظْهَرِ فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ فَلَهُمْ رَأْيَانِ:
فَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا.
وَالثَّانِي: يَرْتَفِعُ الْوَقْفُ وَيَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ أَوْ وَارِثِهِ إِنْ مَاتَ.
وَعَلَى الرَّأْيِ الأَْوَّل الَّذِي يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ، لَهُمْ رَأْيَانِ فِي مَصْرِفِهِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الأَْظْهَرُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ لأَِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الأَْقَارِبِ مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (١) .
وَيَخْتَصُّ الْمَصْرِفُ وُجُوبًا - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَوَارِزْمِيُّ وَغَيْرُهُ بِفُقَرَاءَ قَرَابَةِ الرَّحِمِ لاَ الإِْرْثِ فِي الأَْصَحِّ فَيُقَدَّمُ ابْنُ بِنْتٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَقَارِبُ صَرَفَ الإِْمَامُ الرَّيْعَ إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ النَّصِّ، وَقِيل: يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لأَِنَّ الْوَقْفَ يَؤُول إِلَيْهِمْ فِي الاِنْتِهَاءِ (٢) .
_________
(١) حديث: " الصدقة على المسكين. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٨) من حديث سلمان بن عامر. وقال: حديث حسن.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٤، والمهذب ١ / ٤٤٨ وما بعدها.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيُصْرَفُ بَعْدَ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ نَسَبًا حِينَ الاِنْقِطَاعِ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ، وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ فَلاَ يَمْلِكُونَ نَقْل الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ (١) .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ الْجِهَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا مَعْلُومَةً:
٤٩ - الأَْصْل فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ الْجِهَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا مَعْلُومَةً، فَإِذَا لَمْ تُحَدَّدِ الْجِهَةُ أَصْلًا فِي الْوَقْفِ كَمَا إِذَا قَال الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ وَسَكَتَ، وَلَمْ يُحَدِّدْ مَصْرِفًا، أَوْ إِذَا كَانَتِ الْجِهَةُ مَجْهُولَةً أَوْ مُبْهَمَةً كَالْوَقْفِ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ صِحَّتَهُ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الْوَاقِفَ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفًا بِأَنْ قَال: وَقَفْتُ وَسَكَتَ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْجِهَةَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ صَحِيحًا لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَوْقُوفُ:
فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَذَلِكَ لأَِنَّ قَوْلَهُ وَقَفْتُ يَقْتَضِي إِزَالَتَهُ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٨.