الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤

ذمِّيًّا لأَِنَّ الذِّمِّيَّ مَوْضِعُ قُرْبَةٍ وَلِهَذَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ (١)، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَفَتْ عَلَى أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ (٢) .

وَإِذَا كَانَ الأَْصْل فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ جِهَةَ قُرْبَةٍ إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي الأَْصَحِّ لَمْ يَشْتَرِطُوا ظُهُورَ الْقُرْبَةِ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْوَقْفَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ قُرْبَةٌ وَلِهَذَا جَازَ عِنْدَهُمُ الْوَقْفُ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ لاَ يُجِيزُونَ الْوَقْفَ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ وَحْدَهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ قُرْبَةً فِي نَظَرِهِمْ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يُجْعَل الْوَقْفُ بَعْدَ الأَْغْنِيَاءِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَيَجُوزُ، كَمَا لاَ يَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْوَقْفُ عَلَى طَائِفَةِ الأَْغْنِيَاءِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ نَظَرًا إِلَى اشْتِرَاطِ ظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ (٣) .

وَنَظَرًا لاِشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةَ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، ٣٦١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٩، ٣٨٠، والمهذب ١ / ٤٤٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢، ٤٩٣، والمغني ٥ / ٦٤٤، ٦٤٦.

(٢) أثر أن صفية وقفت على أخ لها يهودي. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦ / ٣٣) بلفظ. . عن ابن عمر أن صفية ابنة حي أوصت لابن أخ لها يهودي.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٥٧، والدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ٧٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨١، وكشاف القناع ٤ / ٢٤٧.

قُرْبَةٍ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ: كَالْوَقْفِ عَلَى الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَبُيُوتِ النَّارِ وَلَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَإِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى إِظْهَارِ الْكُفْرِ؛ لأَِنَّ الْقُرْبَةَ تَتَحَقَّقُ بِكَوْنِهَا قُرْبَةً فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ وَبِكَوْنِهَا قُرْبَةً فِي نَظَرِ الْوَاقِفِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: شَرْطُ وَقْفِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِخِلاَفِ الْوَقْفِ عَلَى بَيْعَةٍ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ فَقَطْ، أَوْ عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا فَقَطْ، وَيُعَلِّل الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ صِحَّةِ وَقْفِ الذِّمِّيِّ عَلَى الْكَنِيسَةِ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ خِطَابُهُمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَكَمَا لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْكَنَائِسِ فَلاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَرَمَّتِهَا أَوْ حُصُرِهَا وَقَنَادِيلِهَا، وَهَذَا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَقَال عِيَاضٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنِيسَةِ مُطْلَقًا صَحِيحٌ غَيْرُ لاَزِمٍ سَوَاءٌ أَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ الْوَقْفِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ يَدِ الْوَاقِفِ أَمْ لاَ، وَلِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ، وَفَصَل ابْنُ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَال: إِنَّ وَقْفَ الْكَافِرِ عَلَى عُبَّادِ الْكَنِيسَةِ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَأَمَّا عَلَى مَرَمَّتِهَا أَوْ عَلَى الْجَرْحَى أَوِ الْمَرْضَى الَّتِي فِيهَا فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عِمَارَةُ كَنَائِسِ غَيْرِ الْمُتَعَبِّدِ: كَكَنَائِسِ نُزُول الْمَارَّةِ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا كَمَا قَال

الزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُمَا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِالْكَنِيسَةِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِجَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُجْتَازِينَ وَصَلاَحِيَتِهِمْ لِلْقُرْبَةِ فَإِنْ خَصَّ أَهْل الذِّمَّةِ بِوَقْفٍ عَلَى الْمَارَّةِ مِنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ (١) .

وَلاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ أَوْ سِلاَحٍ لِقِتَالٍ غَيْرِ جَائِزٍ أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى كِتَابَةِ التَّوْارَةِ وَالإِْنْجِيل لأَِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ مُبَدَّلَةٌ (٢) وَلِذَلِكَ غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَقَال:: ابْن الْخَطَّاب؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً،. . . . . . وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَخِي مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي " (٣) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ:

٣٩ - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ، أَيْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّمَلُّكِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، ٣٦١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٧٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، وشرح متنهى الإرادات ٢ / ٤٩٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢.

(٣) حديث: " أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب. . " أخرجه أحمد (٣ / ٣٨٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٧٤) وذكر أن فيه راويا ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما.

حَقِيقَةً كَزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ، أَوْ حُكْمًا كَمَسْجِدٍ وَرِبَاطٍ وَسَبِيلٍ (١)، وَلأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوَهَا يُعْتَبَرُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ أَنَّهُ عُيِّنَ فِي نَفْعٍ خَاصٍّ لَهُمْ (٢) .

لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّطْبِيقِ، وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الشَّرْطِ الْمَسَائِل الآْتِيَةُ:

أ - الْوَقْفُ عَلَى مَنْ سَيُوجَدُ:

٤٠ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْوَقْفَ عَلَى مَنْ سَيُوجَدُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَقْفِ، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ صَحَّ الْوَقْفُ لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَوْقُوفُ إِلَى أَنْ يُوجَدَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِ زَيْدٍ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، أَوْ عَلَى مَكَانٍ هَيَّأَهُ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ صَحَّ فِي الأَْصَحِّ، وَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ إِلَى أَنْ يُولَدَ لِزَيْدٍ أَوْ يُبْنَىَ الْمَسْجِدُ فَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ الَّتِي تُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَلَدِ أَوْ إِلَى الْمَسْجِدِ (٣) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَوْقُوفُ:

_________

(١) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٧٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٩.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٥، والمغني ٥ / ٦٤٦.

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، ٤١٤، ٤٣٨.

أَوَّلُهَا لِلإِْمَامِ مَالِكٍ قَال: الْوَقْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ صَحِيحٌ إِلاَّ أَنَّهُ غَيْرُ لاَزِمٍ، فَلِلْوَاقِفِ بَيْعُهُ قَبْل وِلاَدَةِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ يَأْسٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنْ غَفَل عَنْهُ حَتَّى حَصَل لَهُ وَلَدٌ تَمَّ الْوَقْفُ.

وَالثَّانِي لاِبْنِ الْقَاسِمِ، قَال:: الْوَقْفُ لاَزِمٌ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهِ وَلاَ يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ إِلاَّ إِذَا حَصَل يَأْسٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيُوقَفُ أَمْرُ ذَلِكَ الْحَبْسِ لِلإِْيَاسِ فَإِذَا يَئِسَ مِنَ الْوَلَدِ كَانَ لَهُ بَيْعُهُ.

وَالثَّالِثُ:: لاِبْنِ الْمَاجِشُونِ، قَال: يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إِلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ حَوْزُهُ وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ كَانَ الْحَبْسُ وَالْغَلَّةُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ كَانَ لأَِقْرَبِ النَّاسِ لِلْوَاقِفِ. .

قَال الدُّسُوقِيُّ: وَمَحَل الْخِلاَفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ وُلِدَ لَهُ سَابِقًا، أَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ وُلِدَ لَهُ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ بِلاَ نِزَاعٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزُّرْقَانِيُّ (١) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَقْفِ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ أَوْ عَلَى فَقِيرِ أَوْلاَدِهِ وَلاَ فَقِيرَ فِيهِمْ فَلاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيُعْتَبَرُ بَاطِلًا؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ لاَ يُمَلَّكُ فَلاَ يُفِيدُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ الْمَوْجُودِ

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٨٩، ومنح الجليل ٤ / ٦٦.

تَبَعًا لاَ أَصَالَةً كَقَوْل الْوَاقِفِ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِي مَا تَنَاسَلُوا (١) .

ب - الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل:

٤١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوَقْفِ عَلَى الْحَمْل ابْتِدَاءً، وَصَحَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازَ الْوَقْفِ عَلَى الْحَمْل ابْتِدَاءً وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل تَبَعًا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ لاَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ أَيْضًا حَيْثُ قَالُوا: لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى جَنِينٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَقْصُودًا أَمْ تَابِعًا، حَتَّى لَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي وَكَانَ لَهُ أَوْلاَدٌ وَلَهُ جَنِينٌ عِنْدَ الْوَقْفِ لَمْ يَدْخُل، نَعَمْ إِنِ انْفَصَل دَخَل مَعَهُمْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ قَدْ سَمَّى الْمَوْجُودِينَ أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَلاَ يَدْخُل كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْل وَالْعَقِبِ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي الْوَقْفِ الْحَمْل الْحَادِثُ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَجَازُوا الْوَقْفَ عَلَى الْحَمْل إِذَا كَانَ تَبَعًا، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ إِذَنْ وَهُوَ لاَ يُمَلَّكُ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل تَبَعًا

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٩، ٣٨٦، والمهذب ١ / ٤٤٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٥ - ٤٩٦، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٦ / ٢٤٢.

كَقَوْل وَاقِفٍ: وَقَفْتُ كَذَا عَلَى أَوْلاَدِي وَفِيهِمْ حَمْلٌ فَيَشْمَلُهُ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال ابْنُ عَرَفَةَ نَقْلًا عَنِ الْمُتِيطِيِّ: الْمَشْهُورُ الْمَعْمُول عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى الْحَمْل، قَال ابْنُ الْهِنْدِيِّ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل، وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ (٢) .

وَالَّذِي تُفِيدُهُ عِبَارَاتُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْل حَيْثُ قَالُوا: إِذَا وَقَفَ الرَّجُل أَرْضَهُ عَلَى وَلَدِهِ وَمِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَقْفًا صَحِيحًا، فَإِنَّمَا يَدْخُل تَحْتَ الْوَقْفِ الْوَلَدُ الْمَوْجُودُ يَوْمَ وُجُودِ الْغَلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ الْوَقْفِ أَوْ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، هَذَا قَوْل هِلاَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بَلْخٍ ﵏، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَكَذَا لَوْ قَال: عَلَى وَلَدِي وَعَلَى مَنْ يَحْدُثُ لِي مِنَ الْوَلَدِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْمَسَاكِينِ. وَلَوْ قَال: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَنْ يَحْدُثُ لِي مِنَ الْوَلَدِ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ، فَإِذَا أُدْرِكَتِ الْغَلَّةُ تُقْسَمُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ تُصْرَفُ الْغَلَّةُ الَّتِي تُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَلَدِ مَا يَبْقَى هَذَا الْوَلَدُ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ وَلَدٌ صُرِفَتِ الْغَلَّةُ إِلَى الْفُقَرَاءِ (٣) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٥، ٤٩٦، والإنصاف ٧ / ٢٢.

(٢) الحطاب ٦ / ٢٢، ومنح الجليل ٤ / ٣٨.

(٣) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٧١.

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ قَوْلَهُ:: ثُمَّ الْمُسْتَحِقُّ مِنَ الْوَلَدِ - أَيْ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَْوْلاَدِ - كُل مَنْ أَدْرَكَ خُرُوجَ الْغَلَّةِ عَالِقًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ حَتَّى لَوْ حَدَثَ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْغَلَّةِ بِأَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ اسْتَحَقَّ، وَمَنْ حَدَثَ إِلَى تَمَامِهَا فَصَاعِدًا لاَ يَسْتَحِقُّ؛ لأَِنَّا نَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ الأَْوَّل فِي الْبَطْنِ عِنْدَ خُرُوجِ الْغَلَّةِ فَاسْتَحَقَّ، فَلَوْ مَاتَ قَبْل الْقِسْمَةِ فَلِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا فِي وَلَدِ الزَّوْجَةِ، أَمَّا إِذَا وَلَدَتْ مُبَانَةٌ لِدُونِ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الإِْبَانَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ بِلاَ حِل وَطْئِهَا (١) .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ:: أَنْ لاَ يَعُودَ الْوَقْفُ عَلَى الْوَاقِفِ::

وَيَشْمَل هَذَا حَالَتَيْنِ: الأُْولَى أَنْ يَقِفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ. .

أ - أَنْ يَقِفَ عَلَى نَفْسِهِ:

٤٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الأَْوَّل: عَدَمُ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ لِتَعَذُّرِ تَمْلِيكِ الإِْنْسَانِ مِلْكَهُ لِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ حَاصِلٌ وَتَحْصِيل الْحَاصِل مُحَالٌ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٨.

فِي الأَْصَحِّ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يُنْقَضْ لأَِنَّهَا مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ.

وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ صِحَّةُ وَقْفِ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، قَالُوا: لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الشَّيْءِ وَقْفًا غَيْرُ اسْتِحْقَاقِهِ مِلْكًا، وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ (١) .

ب - أَنْ يَشْتَرِطَ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ:

٤٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ أَوِ اشْتِرَاطِ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالزُّهْرِيِّ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْوَقْفِ. قَال فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: مَنْ وَقَفَ شَيْئًا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٧، والدسوقي ٤ / ٨٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٤، والإنصاف ٧ / ١٧.

عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى غَلَّتَهُ كُلَّهَا أَوِ اسْتَثْنَى بَعْضَهَا لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً صَحَّ، أَوِ اسْتَثْنَى غَلَّتَهُ أَوْ بَعْضَهَا لِوَلَدِهِ كَذَلِكَ صَحَّ، أَوِ اسْتَثْنَى الأَْكْل مِنْهُ أَوِ الاِنْتِفَاعَ لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِهْلِهِ أَوِ اشْتَرَطَ أَنْ يُطْعَمَ صَدِيقُهُ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً صَحَّ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ.

وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ بِمَا رُوِيَ عَنْ حُجْرٍ الْمَدَرِيِّ: إِنَّ فِي صَدَقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُل أَهْلُهُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ (١) وَيَدُل لَهُ أَيْضًا قَوُل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا وَقَفَ: " لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ " (٢)، وَكَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ ثُمَّ بِنْتِهِ حَفْصَةَ ثُمَّ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال الْحَنَابِلَةُ وَلأَِنَّهُ لَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ كَانَ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فَكَذَا هُنَا.

وَاسْتَدَل أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا بِأَنَّ الْوَقْفَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَإِذَا شَرَطَ الْبَعْضَ أَوِ الْكُل لِنَفْسِهِ فَقَدْ جَعَل مَا صَارَ مَمْلُوكًا لِلَّهِ تَعَالَى لِنَفْسِهِ لاَ أَنَّهُ يَجْعَل مِلْكَ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ

_________

(١) حديث: " حجر المدري: إن في صدقة رسول الله. . ". أخرجه الأثرم كما في المغني لابن قدامة (٨ / ١٩١ - ط هجر) .

(٢) أثر عمر لما وقف: لا جناح على من وليها. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩٢)، ومسلم (٣ / ١٢٥٥) .