الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
وَفِيمَا يَلِي ذِكْرُ بَعْضِ الأَْمْثِلَةِ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ:
أ - الْبَدْءُ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ تَقْدِيمُهُ أَوْ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَهُ:
٣٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّرْفِ مِنَ الْغَلَّةِ بِالأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ مِنْ فُقَرَاءِ قَرَابَتِي فَيُعْطَى مِنَ الْغَلَّةِ مَا يُغْنِيهِ، يُعْطَى الأَْقْرَبُ مِنْهُمْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (وَهُوَ قَدْرُ النِّصَابِ) ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الْبُطُونِ (١) .
وَلَوْ قَال الْوَاقِفُ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِلَّهِ ﷿ أَبَدًا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو مَا عَاشَا، وَمِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى الْمَسَاكِينِ عَلَى أَنْ يُبْدَأَ بِزَيْدٍ فَيُعْطَى مِنْ غَلَّةِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي كُل سَنَةٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَيُعْطَى عَمْرٌو قُوتَهُ لِسَنَةٍ جَازَ الْوَقْفُ، وَيُبْدَأُ بِزَيْدٍ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ أَلْفٌ ثُمَّ يُعْطَى عَمْرٌو قُوتَهُ لِسَنَةٍ، وَمَهْمَا فَضَل كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِجَمْعِهِ إِيَّاهُمَا أَوَّلًا بِقَوْلِهِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْكُل بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا، فَلَمَّا فَصَل فِي الْبَعْضِ عُمِل بِهِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ تَفِ الْغَلَّةُ بِمَا قَال يُقَدَّمُ زَيْدٌ، ثُمَّ إِنْ فَضَل عَنْهُ شَيْءٌ يُدْفَعُ إِلَى عَمْرٍو وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَبْدِئَةَ فُلاَنٍ
_________
(١) الإسعاف ص١١٨.
(٢) الإسعاف ص١٢٢ - ١٢٣.
بِكَذَا مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ أَوْ إِعْطَاءَهُ كَذَا كُل شَهْرٍ أَوْ كُل سَنَةٍ كَذَا، يُعْطَى ذَلِكَ مَبْدَأً عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفِ الْغَلَّةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْعَامِ الأَْوَّل بِحَقِّهِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ الْوَاقِفُ يُكَمَّل لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الثَّانِي. .
فَإِنْ قَال الْوَاقِفُ:: أَعْطُوهُ كَذَا مِنْ غَلَّةِ كُل عَامٍ وَجَاءَتْ سَنَةٌ لَمْ يَحْصُل فِيهَا شَيْءٌ فَلاَ يُعْطَى مِنْ رَيْعِ الْمُسْتَقْبَل عَنِ الْمَاضِي إِذَا لَمْ يَفِ بِحَقِّهِ؛ لأَِنَّهُ أَضَافَ الْغَلَّةَ إِلَى كُل عَامٍ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ صَرَفَ غَلَّةَ السَّنَةِ الأُْولَى إِلَى قَوْمٍ، وَغَلَّةَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى آخَرِينَ وَهَكَذَا مَا بَقُوا، اتُّبِعَ شَرْطُهُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ كَالْبُدَاءَةِ بِبَعْضِ أَهْل الْوَقْفِ دُونَ بَعْضٍ نَحْوَ: وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ يُبْدَأُ بِالدَّفْعِ إِلَى زَيْدٍ، أَوْ وَقَفْتُ عَلَى طَائِفَةِ كَذَا وَيُبْدَأُ بِالأَْصْلَحِ أَوِ الأَْفْقَهِ فَيُرْجَعُ إِلَى ذَلِكَ (٣) .
ب - تَفْضِيل بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ:
٣٣ - يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي وَقْفِهِ التَّسْوِيَةَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٨٩.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٣٩.
(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٦٠، والإنصاف ٧ / ٥٣، ومعونة أولي النهى ٥ / ٨٠٣.
أَوْ تَفْضِيل بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَلَوْ قَال الْوَاقِفُ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى بَنِي فُلاَنٍ عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أُفَضِّل مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ وَمَاتَ قَبْل أَنْ يُفَضِّل بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَانَتِ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لِعَدَمِ اتِّصَال التَّفْضِيل بِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ قَال: فَضَّلْتُ فُلاَنًا فَجَعَلْتُ لَهُ كُل الْغَلَّةِ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ تَخْصِيصٌ وَلَيْسَ بِتَفْضِيلٍ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يُعْطِيَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا ثُمَّ يَزِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَلَوْ زَادَ وَقَال: عَلَى بَنِي فُلاَنٍ وَنَسْلِهِمْ وَفَضَّل وَاحِدًا مِنْهُمْ وَوَلَدَهُ وَنَسْلَهُ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا جَازَ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلِنَسْلِهِ أَبَدًا وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لأَِنَّ التَّفْضِيل يَلْتَحِقُ بِأَصْل الْوَقْفِ بِسَبَبِ اشْتِرَاطِهِ فِيهِ، وَلَوْ فَضَّل وَاحِدًا بِنِصْفِ غَلَّةِ سَنَةٍ مَثَلًا جَازَ وَيَكُونُ أُسْوَةَ شُرَكَائِهِ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَوْ قَال: فَضَّلْتُ فُلاَنًا عَلَى إِخْوَتِهِ بِنِصْفِ الْغَلَّةِ - وَكَانُوا ثَلاَثَةً - اسْتَحَقَّ الْمُفَضَّل ثُلُثَيْهَا وَأَخَوَاهُ ثُلُثَهَا؛ لأَِنَّ النِّصْفَ صَارَ لَهُ بِالتَّفْضِيل وَالنِّصْفَ الآْخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَثْلاَثًا لِتَسَاوِيهِمْ فِيهِ فَيَكُونُ لِكُلٍّ سُدُسٌ وَالنِّصْفُ مَعَ السُّدُسِ ثُلُثَانِ (١) .
وَلَوْ قَال: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى بَنِي فُلاَنٍ عَلَى أَنْ أُعْطِيَ غَلَّتَهَا لِمَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ ثُمَّ جَعَل
_________
(١) الإسعاف ص١٢٦.
لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ رَتَّبَهُمْ فِيهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، أَوْ فَضَّل بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ جَازَ، وَلَوْ جَعَلَهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدَّةً فَمَضَتْ، أَوْ مُطْلَقًا فَمَاتَ بَطَلَتْ مَشِيئَتُهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ (١) .
وَكَذَا يُعْمَل بِشَرْطِ الْوَاقِفِ لَوْ سَوَّى بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ كَقَوْلِهِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى سَوَاءٌ، أَوْ فَضَّل الذَّكَرَ عَلَى الأُْنْثَى، أَوِ الأُْنْثَى عَلَى الذَّكَرِ (٢) .
أَوْ قَال: عَلَى أَنَّ لِلْكَبِيرِ ضِعْفَ مَا لِلصَّغِيرِ، أَوْ لِلْعَالِمِ ضِعْفَ مَا لِلْجَاهِل، أَوْ لِلْعَائِل ضِعْفَ مَا لِلْغَنِيِّ، أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْفِ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ فَكَذَلِكَ تَفْضِيلُهُ وَتَرْتِيبُهُ (٣) .
جـ - تَخْصِيصُ الرَّيْعِ لأَِهْل مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ:
٣٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ خَصَّصَ الْوَاقِفُ رَيْعَ الْوَقْفِ لأَِهْل مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتُبِرَ شَرْطُهُ وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ عَيَّنَ الْوَاقِفُ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَشَرَطَ أَنَّ مَنِ انْتَقَل عَنْهُ خَرَجَ اعْتُبِرَ
_________
(١) الإسعاف ص١٢٨.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٨٧، والروضة ٥ / ٣٣٨ - ٣٣٩، والمهذب ١ / ٤٥٠، وكشاف القناع ٤ / ٢٦٠، والإنصاف ٧ / ٥٣.
(٣) المغني ٥ / ٦١٧ - ٦١٨.
شَرْطُهُ، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَشَرَطَ أَنَّ مَنِ انْتَقَل إِلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ صَارَ خَارِجًا فَانْتَقَل مِنْهُمْ وَاحِدٌ صَارَ خَارِجًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْوَاقِفُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَشَرَطَ أَنَّ مَنِ انْتَقَل إِلَى مَذْهَبِ أَهْل السُّنَّةِ صَارَ خَارِجًا اعْتُبِرَ شَرْطُهُ، وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ مَنِ انْتَقَل مِنْ مَذْهَبِ أَهْل السُّنَّةِ إِلَى غَيْرِهِ فَصَارَ خَارِجًا أَوْ رَافِضِيًّا خَرَجَ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ خَصَّصَ أَهْل مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لِصَرْفِ غَلَّةِ وَقْفِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ بِالتَّدْرِيسِ فِي مَدْرَسَتِهِ فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُمْ لِغَيْرِهِمْ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِشَرْطِ كَوْنِهِمْ عَلَى مَذْهَبِ فُلاَنٍ يُرَاعَى شَرْطُهُ. وَكَذَا لَوْ خَصَّ طَائِفَةً بِمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ اخْتُصَّ بِهِمْ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ خَصَّصَ الْوَاقِفُ الْمَدْرَسَةَ بِأَهْل مَذْهَبٍ كَالْحَنَابِلَةِ أَوِ الشَّافِعِيَّةِ تَخَصَّصَتْ، وَكَذَلِكَ الرِّبَاطُ وَالْخَانِقَاهْ كَالْمَقْبَرَةِ إِذَا خَصَّصَهَا بِأَهْل مَذْهَبٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ قَبِيلَةٍ تَخَصَّصَتْ إِعْمَالًا لِلشَّرْطِ، وَإِنْ خَصَّصَ الإِْمَامَةَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ بِمَذْهَبٍ تَخَصَّصَتْ بِهِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْرُوطُ لَهُ الإِْمَامَةُ
_________
(١) البحر الرائق ٥ / ٢٦٦، والإسعاف ص١٠٦.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٨٨، والخرشي ٧ / ٩٢.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٣٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥.
فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلاَةِ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ السُّنَّةِ أَوْ لِظَاهِرِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلاَةِ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ خَصَّصَ الْمُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ بِمَذْهَبٍ لَمْ يُخْتَصَّ بِهِمْ؛ لأَِنَّ إِثْبَاتَ الْمَسْجِدِيَّةِ تَقْتَضِي عَدَمَ الاِخْتِصَاصِ، فَاشْتِرَاطُ التَّخْصِيصِ يُنَافِيهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ اخْتَصَّ بِهِمْ، قَال صَاحِبُ التَّلْخِيَصِ: اخْتُصَّ بِهِمْ عَلَى الأَْشْبَهِ، لاِخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي أَحْكَامِ الصَّلاَةِ (١) .
د - شَرْطُ الإِْدْخَال وَالإِْخْرَاجِ:
٣٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي وَقْفِهِ الإِْدْخَال وَالإِْخْرَاجَ (٢) .
وَالْمَقْصُودُ بِالإِْدْخَال تَرَتُّبُ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَلَى صِفَةٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالإِْخْرَاجِ تَرَتُّبُ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَلَى صِفَةٍ فَهُوَ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنَ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيقُ الاِسْتِحْقَاقِ بِصِفَةٍ، فَكَأَنَّ الْوَاقِفَ
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٦٢ - ٢٦٣، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣١، والدسوقي ٤ / ٨٧، و٩٨، والمهذب ١ / ٤٥٠، والروضة ٥ / ٣٣٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٦١، والمغني ٥ / ٦١٨.
جَعَل لَهُ حَقًّا فِي الْوَقْفِ إِذَا اتَّصَفَ بِكَذَا أَعْطَاهُ، وَلَمْ يَجْعَل لَهُ حَقًا إِذَا انْتَفَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ. وَقَيَّدَ تُرَتُّبُ الاِسْتِحْقَاقِ وَعَدَمُهُ عَلَى الصِّفَةِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. .
وَمَثَّل الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَوْ عَلَى الشَّبَابِ أَوِ الصِّغَارِ أَوِ الأَْحْدَاثِ ثُمَّ زَال وَصْفُهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ؛ لأَِنَّ الاِسْتِحْقَاقَ قَدْ عُلِّقَ بِوَصْفٍ، فَإِذَا زَال الْوَصْفُ يَزُول الاِسْتِحْقَاقُ بِزَوَالِهِ (١) .
وَمَثَّل الشَّافِعِيَّةُ لِلإِْخْرَاجِ بِصِفَةٍ كَأَنْ يَقُول الْوَاقِفُ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي عَلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ بَنَاتِي فَلاَ حَقَّ لَهَا أَوْ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَغْنَى مِنْ أَوْلاَدِي فَلاَ حَقَّ لَهُ فِيهِ. .
وَأَمَّا الإِْدْخَال بِصِفَةٍ فَهُوَ أَنْ يَقُول: مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ بَنَاتِي فَلاَ حَقَّ لَهَا فِيهِ، فَإِنْ طُلِّقَتْ أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا عَادَ إِلَيْهَا حَقُّهَا (٢) .
وَمَثَّل الْحَنَابِلَةُ:: بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ بِشَرْطِ كَوْنِهِمْ فُقَرَاءَ أَوْ صُلَحَاءَ، أَوْ يَقُول الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي، وَمَنْ فَسَقَ مِنْهُمْ أَوِ اسْتَغْنَى فَلاَ شَيْءَ لَهُ، أَوْ مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ فَلَهُ وَمَنْ نَسِيَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةُ بِقَيْدٍ آخَرَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الإِْخْرَاجُ وَالإِْدْخَال مِنْ أَهْل
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٩٧.
(٢) المهذب ١ / ٤٥٠، والروضة ٥ / ٣٣٩.
الْوَقْفِ لاَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ إِنْ شَرَطَ فِيهِ إِدْخَال مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْوَقْفِ؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ فَأَفْسَدَهُ (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يُقَيِّدُوا الإِْدْخَال وَالإِْخْرَاجَ بِأَيِّ قَيْدٍ، جَاءَ فِي الإِْسْعَافِ: لَوِ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي وَظِيفَةِ مَنْ يَرَى زِيَادَتَهُ، وَأَنْ يَنْقُصَ مِنْ وَظِيفَةِ مَنْ يَرَى نُقْصَانَهُ مِنْ أَهْل الْوَقْفِ، وَأَنْ يُدْخِل مَعَهُمْ مَنْ يَرَى إِدْخَالَهُ، وَأَنْ يُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى إِخْرَاجَهُ جَازَ، ثُمَّ إِذَا زَادَ أَحَدًا مِنْهُمْ أَوْ نَقَصَهُ مَرَّةً أَوْ أَدْخَل أَحَدًا أَوْ أَخْرَجَ أَحَدًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ شَرْطَهُ وَقَعَ عَلَى فِعْلٍ يَرَاهُ فَإِذَا رَآهُ وَأَمْضَاهُ فَقَدِ انْتَهَى مَا رَآهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا مَا دَامَ حَيًّا يَقُول عَلَى أَنَّ لِفُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ أَنْ يَزِيدَ فِي مُرَتَّبِ مَنْ يَرَى زِيَادَتَهُ، وَأَنْ يَنْقُصَ مِنْ مُرَتَّبِ مَنْ يَرَى نُقْصَانَهُ، وَأَنْ يَنْقُصَ مَنْ زَادَهُ، وَيَزِيدَ مَنْ نَقَصَهُ مِنْهُمْ وَأَنْ يُدْخِل مَعَهُمْ مَنْ يَرَى إِدْخَالَهُ وَيُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى إِخْرَاجَهُ مَتَى أَرَادَ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى رَأْيًا بَعْدَ رَأْيٍ وَمَشِيئَةٍ بَعْدَ مَشِيئَةٍ مَا دَامَ حَيًّا ثُمَّ إِذَا أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ يَسْتَقِرُّ أَمْرُ الْوَقْفِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ لَهُ فِي أَصْل الْوَقْفِ (٢) .
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٦١، والمغني ٥ / ٦١٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥.
(٢) الإسعاف ص٣٤ - ٣٥، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣١.
وَلَوْ قَال الْوَاقِفُ: عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أَحْرِمَ وَأُخْرِجَ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ تَكُونُ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا، وَإِنْ أَخْرَجَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَوْ أَخْرَجَهُمْ إِلاَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّ، وَلَيْسَ لَهُ حِرْمَانُ الْجَمِيعِ قِيَاسًا، وَإِذَا مَاتَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَوْ أَخْرَجَهُمْ كُلَّهُمْ بِنَاءً عَلَى الاِسْتِحْسَانِ تَكُونُ الْغَلَّةُ لِلْمَسَاكِينِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا حَرَّمَهُمْ غَلَّتَهَا أَبَدًا فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ وَانْقَطَعَتْ مَشِيئَتُهُ فِيهَا وَصَارَتْ لِلْمَسَاكِينِ (١) .
حُكْمُ مُخَالَفَةِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ:
٣٦ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ مُخَالَفَةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ فِي مَسَائِل مِنْهَا:
أ - شَرَطَ الْوَاقِفُ عَدَمَ الاِسْتِبْدَال، فَلِلْقَاضِي الاِسْتِبْدَال لِلْمَصْلَحَةِ.
ب - لَوْ شَرَطَ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَعْزِل النَّاظِرَ فَلَهُ عَزْل غَيْرِ الأَْهْل.
ج - لَوْ شَرَطَ أَنْ لاَ يُؤَجِّرَ وَقْفَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَالنَّاسُ لاَ يَرْغَبُونَ فِي اسْتِئْجَارِ سَنَةٍ أَوْ كَانَ فِي الزِّيَادَةِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ، فَلِلْقَاضِي الْمُخَالَفَةُ دُونَ النَّاظِرِ.
_________
(١) الإسعاف ص١٢٧.
د - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِفَاضِل الْغَلَّةِ عَلَى مَنْ يَسْأَل فِي مَسْجِدِ كَذَا، فَلِلْقَيِّمِ التَّصَدُّقُ عَلَى سَائِل غَيْرِ هَذَا الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى مَنْ لاَ يَسْأَل.
هـ - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ خُبْزًا وَلَحْمًا مُعَيَّنًا كُل يَوْمٍ فَلِلْقَيِّمِ دَفْعُ الْقِيمَةِ مِنَ النَّقْدِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ فِي أَخْذِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ أَوْ أَخْذُ الْقِيمَةِ. .
وتَجُوزُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْقَاضِي عَلَى مَعْلُومِ الإِْمَامِ إِذَا كَانَ لاَ يَكْفِيهِ وَكَانَ عَالِمًا تَقِيًّا. .
ز - يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ مُخَالَفَةُ الشُّرُوطِ إِذَا كَانَ أَصْل الْوَقْفِ لِبَيْتِ الْمَال (١) .
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ:
٣٧ - الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي تَنْتَفِعُ بِالْمَوْقُوفِ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجِهَةُ مُعَيَّنَةً كَشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يَأْتِي:
الشَّرْطُ الأَْوَّل:: كَوْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ جِهَةَ بِرٍّ وَقُرْبَةٍ:
٣٨ - يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْجِهَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا جِهَةَ بِرٍّ وَقُرْبَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَمْ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٩.