الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ مِنَ الْمُرْتَدِّ مَا يَجُوزُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْتَقَل إِلَى دِينِهِمْ. وَيَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَقْفُ الْمُرْتَدَّةِ لأَِنَّهَا لاَ تُقْتَل، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَقْفُ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ قَدْ صَدَرَ مِنَ الْمُسْلِمِ ثُمَّ ارْتَدَّ فَإِنَّ وَقْفَهُ يَكُونُ بَاطِلًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَتَّى وَلَوْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ عِلِيشٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ وَقْفَهُ صَحِيحٌ وَلاَ يَبْطُل (١) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُ الْوَاقِفِ مَالِكًا لِلْمَوْقُوفِ:

يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ مَالِكًا لِلْمَوْقُوفِ وَقْتَ الْوُقُوفِ مِلْكًا بَاتًّا وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِي وَقْفِ الْفُضُولِيِّ وَوَقْفِ الْحَاكِمِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا:: وَقْفُ الْفُضُولِيِّ:

٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْفُضُولِيِّ:

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، ٣٩٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٧، ومنح الجليل ٤ / ٤٧٣، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥، و٤ / ١٤٣، وأنس المطالب ٤ / ١٢٣، والمغني ٨ / ١٢٩.

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ وَقْفَ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ إِذَا أَجَازَ فِعْل الْفُضُولِيِّ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْل فِي الْحَقِيقَةِ صَادِرًا مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ الْمَالِكُ لَمْ يَجُزْ. .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةِ - فِي الْمَشْهُورِ - وَفِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقْفُ الْفُضُولِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلاَ وَلِيٍّ وَلاَ وَكِيلٍ (١) . وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِخُرُوجِ الْمَوْقُوفِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلاَفِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ لأَِنَّهُ يَخْرُجُ بِعِوَضٍ. (ر:: فُضُولِيُّ ف١١) . .

ثَانِيًا:: وَقْفُ الْحَاكِمِ:

٢٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقِفَ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى الْخَيْرَاتِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، إِلاَّ أَنَّ لِلْفُقَهَاءِ بَعْضَ الْقُيُودِ وَالتَّفْصِيل، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: وَلَوْ وَقَفَ السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِمَصْلَحَةٍ عَمَّتْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ

_________

(١) البحر الرائق ٥ / ٢٠٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٦، والخرشي ٧ / ٧٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٣، والفروع ٤ / ٣٦، ونيل المآرب ٢ / ١١.

يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَأَوْلاَدِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ حَتَّى وَإِنْ جَعَل آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ؛ لأَِنَّ بَيْتَ الْمَال هُوَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا أَبَّدَهُ عَلَى مَصْرِفِهِ الشَّرْعِيِّ يُثَابُ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ أُمَرَاءَ الْجَوْرِ الَّذِينَ يَصْرِفُونَهُ فِي غَيْرِ مَصْرِفِهِ الشَّرْعِيِّ، فَيَكُونُ قَدْ مَنَعَ مَنْ يَجِيءُ مِنْهُمْ وَيَتَصَرَّفُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ:: مَا يَقِفُهُ السَّلاَطِينُ عَلَى الْخَيْرَاتِ مَعَ عَدَمِ مِلْكِهِمْ لِمَا حَبَسُوهُ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ السُّلْطَانَ وَكِيلٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَوَكِيل الْوَاقِفِ، فَوَقْفُهُ صَحِيحٌ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، لَكِنْ تَأَوَّلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ عَلَى مَا إِذَا حَبَسَ الْمُلُوكُ مُعْتَقِدِينَ فِيهِ أَنَّهُمْ وُكَلاَءُ الْمُلاَّكِ، فَإِنْ حَبَسُوهُ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ مِلْكُهُمْ بَطَل تَحْبِيسُهُمْ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْعَبْدُوسِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ (٢) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِصِحَّةِ وَقْفِ الإِْمَامِ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَأَفْتَى بِهِ أَيْضًا أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَصْرُونَ لِلسُّلْطَانِ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ مُتَمَسِّكًا بِوَقْفِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَوَادَ الْعِرَاقِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ.

وَقَال النَّوَوِيُّ:: لَوْ رَأَى الإِْمَامُ وَقْفَ أَرْضِ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٩٣.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٧٦، والفروق للقرافي ٣ / ٧.

الْغَنِيمَةِ كَمَا فَعَل عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جَازَ إِذَا اسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فِي النُّزُول عَنْهَا بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ.

وَتَوَقَّفَ السُّبْكِيُّ فِي وَقْفِ الإِْمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَال سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ (١) .

وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَقِفَ الإِْمَامُ الأَْرْضَ الْمَغْنُومَةَ وَأَنْ يَقِفَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، قَال الْبَهُوتِيُّ: الأَْوْقَافُ الَّتِي مِنْ بَيْتِ الْمَال وَكَأَوْقَافِ السَّلاَطِينِ فَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الأَْخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَال التَّنَاوُل مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرِ الْمَشْرُوطَ (٢) .

شُرُوطُ الْوَاقِفِينَ:

٢٧ - الْوَقْفُ قُرْبَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ يَضَعُهَا الْوَاقِفُ فِيمَنْ يَشَاءُ وَبِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَخْتَارُهَا، وَلَهُ أَنْ يَضَعَ مِنَ الشُّرُوطِ عِنْدَ إِنْشَاءِ الْوَقْفِ مَا لاَ يُخَالِفُ حُكْمَ الشَّرْعِ، وَالشُّرُوطُ الَّتِي يَضَعُهَا الْوَاقِفُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا، وَلاَ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا إِذَا لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ أَوْ تُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ؛ إِذْ إِنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّرْعِ كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ.

فَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: شَرَائِطُ الْوَاقِفِ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٧.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١١٨، ١١٩، ٥١٣.

مُعْتَبَرَةٌ إِذَا لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ وَهُوَ مَالِكٌ، فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً، وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ صِنْفًا مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْوَضْعُ فِي كُلِّهِمْ قُرْبَةً (١)، (وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلدَّرْدِيرِ:: وَاتُّبِعَ وُجُوبًا شَرْطُ الْوَاقِفِ إِنْ جَازَ شَرْعًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لَمْ يُتَّبَعْ (٢) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الأَْصْل أَنَّ شَرَائِطَ الْوَاقِعِ مَرْعِيَّةٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُنَافِي الْوَقْفَ (٣) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الشُّرُوطُ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا إِذَا لَمْ تُفْضِ إِلَى الإِْخْلاَل بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ، وَلاَ يَجُوزُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى بَعْضِهَا مَعَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ (٤) .

وَيُقَسِّمُ ابْنُ الْقَيِّمِ شُرُوطَ الْوَاقِفِينَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: شُرُوطٌ مُحَرَّمَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَشُرُوطٌ مَكْرُوهَةٌ لِلَّهِ ﷾ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَشُرُوطٌ تَتَضَمَّنُ تَرْكَ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشُرُوطٌ تَتَضَمَّنُ فِعْل مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَالأَْقْسَامُ الثَّلاَثَةُ الأُْولَى لاَ حُرْمَةَ لَهَا وَلاَ اعْتِبَارَ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ هُوَ الشَّرْطُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦١، ٤١٦.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٨٨.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٦.

(٤) كشاف القناع ٤ / ٢٦٣، والإنصاف ٧ / ٥٦، والفروع ٤ / ٦٠١.

الْمُتَّبَعُ الْوَاجِبُ الاِعْتِبَارِ (١) .

٢٨ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تُعْتَبَرُ جَائِزَةً وَيَجِبُ الْعَمَل بِهَا، وَالشُّرُوطُ الَّتِي تُخَالِفُ الشَّرْعَ أَوْ تُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ، وَبِتَتَبُّعِ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الشُّرُوطِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ.

أ - شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ وَمُبْطِلَةٌ لِلْوَقْفِ، مَانِعَةٌ مِنِ انْعِقَادِهِ؛ لأَِنَّهَا تُنَافِي لُزُومَ الْوَقْفِ.

ب - شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ إِذَا شَرَطَهَا الْوَاقِفُ صَحَّ الْوَقْفُ وَبَطَل الشَّرْطُ.

ج - شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ فِيهَا، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ بِأَنْوَاعِهَا تَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ.

فَقَدْ يَكُونُ الشَّرْطُ بَاطِلًا فِي مَذْهَبٍ صَحِيحًا فِي مَذْهَبٍ آخَرَ، بَل أَحْيَانًا يَخْتَلِفُ فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ فِي الْمِثَال الْوَاحِدِ فَيُبْطِلُهُ بَعْضُهُمْ وَيُصَحِّحُهُ غَيْرُهُمْ.

وَبَيَاْنُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

٢٩ -

٢٩ - الْقِسْمُ الأَْوَّل:: شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ وَمُبْطِلَةٌ لِلْوَقْفِ مَانِعَةٌ مِنِ انْعِقَادِهِ، وَهِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي تُنَافِي لُزُومَ الْوَقْفِ وَتُنَافِي مُقْتَضَاهُ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ

_________

(١) إعلام لموقعين ٣ / ٩٧ ط مكتبة الكليات الأزهرية.

يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ عِنْدَ إِنْشَاءِ الْوَقْفِ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ؛ أَيْ فِي إِبْقَاءِ وَقْفِهِ وَالرُّجُوعِ فِيهِ مَتَى شَاءَ، أَوْ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّ لَهُ حَقَّ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ أَوْ رَهْنِهِ.

وَمِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُفْسِدُ الْوَقْفَ وَتُبْطِلُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنَ الْوَقْفِ أَوِ انْتِفَاعِهِ بِهِ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ أَنْ يُنْفِقَ مِنَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ (١) .

وَمِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لاَ يَنْتَفِعَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَيُدْخِل مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ، لأَِنَّهَا شُرُوطٌ تُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ فَأَفْسَدَتْهُ (٢) .

٣٠ - الْقِسْمُ الثَّانِي: شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ، إِذَا شَرَطَهَا الْوَاقِفُ صَحَّ الْوَقْفُ وَبَطَل الشَّرْطُ، وَالأَْمْثِلَةُ فِي هَذَا الْقِسْمِ تَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ وَاقِفَ الْكُتُبِ لَوْ شَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ لاَ تُعَارَ الْكُتُبُ إِلاَّ بِرَهْنٍ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ الْمُعَارَ أَمَانَةٌ عِنْدَ

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ٣٦٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، والمغني ٥ / ٦٠٤ - ٦٠٥، والدر المختار ٣ / ٣٨٧.

(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٦١، والإنصاف ٧ / ٥٧.

الْمُسْتَعِيرِ وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ (١) .

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:

أ - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ يَتَوَلَّى مِنْ أَوْلاَدِهِ إِدَارَةَ الْوَقْفِ الْعَزْل وَالنَّصْبُ وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ وَلاَ يُدَاخِلُهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْقُضَاةِ وَالأُْمَرَاءِ وَإِنْ دَاخَلُوهُمْ فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، فَهَذَا شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَفِيهِ تَفْوِيتُ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَتَعْطِيل الْوَقْفِ فَلاَ يُقْبَل، وَلأَِنَّ الشَّرَائِطَ الْمُخَالِفَةَ لِلشَّرْعِ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ (٢) .

ب - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لاَ يَعْزِل الْقَاضِي أَوِ السُّلْطَانُ الْمُتَوَلِّيَ عَلَى الْوَقْفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ لَوْ كَانَ خَائِنًا؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَبَطَل (٣) .

ج - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْقَاضِي أَوِ السُّلْطَانِ كَلاَمٌ فِي الْوَقْفِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ وَلِلْقَاضِي الْكَلاَمُ؛ لأَِنَّ نَظَرَهُ أَعْلَى، وَهَذَا شَرْطٌ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ لِلْوَقْفِ وَلاَ مَصْلَحَةَ فَلاَ يُقْبَل (٤) .

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:

أ - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ إِصْلاَحَ الْوَقْفِ عَلَى

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٦٧، والحطاب ٦ / ٣٦.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٠.

(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٦٥، وفتح القدير ٦ / ٢٣٢.

(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٨، والبحر الرائق ٥ / ٢٤١.

مُسْتَحَقِّهِ فَيُلْغَى الشَّرْطُ وَالْوَقْفُ صَحِيحٌ وَيَصْلُحُ مِنْ غَلَّتِهِ، كَأَرْضٍ مُوَظَّفَةٍ - أَيْ عَلَيْهَا مَغْرَمٌ لِحَاكِمٍ ظَالِمٍ - - وَشَرَطَ وَاقِفُهَا أَنَّ التَّوْظِيفَ مِنْ غَلَّتِهَا (١) .

ب - لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ عَدَمَ الْبَدْءِ بِإِصْلاَحِ الْمَوْقُوفِ إِذَا كَانَ فِي حَاجَةٍ إِلَى الإِْصْلاَحِ كَالْبِنَاءِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى تَرْمِيمٍ فَلاَ يُتَّبَعُ شَرْطُهُ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال الْوَقْفِ مِنْ أَصْلِهِ، بَل يَبْدَأُ بِمَرَمَّتِهِ لِتَبْقَى عَيْنُهُ.

ج - لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ لِنَفَقَةٍ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ عَدَمَ الْبَدْءِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَيَبْطُل شَرْطُهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الشُّرُوطُ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا إِذَا لَمْ تُفْضِ إِلَى الإِْخْلاَل بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ وَلاَ تَجُوزُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى بَعْضِهَا مَعَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ بِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ شَرَطَ فِي الْقُرُبَاتِ أَنْ يُقَدِّمَ فِيهَا الصِّنْفَ الْمَفْضُول فَقَدْ شَرَطَ خِلاَفَ شَرْطِ اللَّهِ كَشَرْطِهِ فِي الإِْمَامَةِ تَقْدِيمَ غَيْرِ الأَْعْلَمِ (٣) .

وَلَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّ لِلنَّاظِرِ فِعْل مَا يَهْوَاهُ مُطْلَقًا أَوْ مَا يَرَاهُ مُطْلَقًا فَشَرْطٌ بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ، وَعَلَى النَّاظِرِ بَيَانُ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٩.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٩٠.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٦٣.

الْمَصْلَحَةِ؛ أَيِ التَّثَبُّتِ وَالتَّحَرِّي، فَيَعْمَل بِمَا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ. . وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ فِي اسْتِحْقَاقِ رَيْعِ الْوَقْفِ الْعُزُوبَةَ فَالْمُتَأَهِّل أَحَقُّ مِنَ الْمُتَعَزِّبِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ (١) .

٣١ - الْقِسْمُ الثَّالِثُ: شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلشَّرْعِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْوَقْفِ وَلاَ بِالْمُسْتَحِقِّينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَلأَِنَّ الْوَاقِفَ مَالِكٌ فَلَهُ أَنْ يَجْعَل مَالَهُ حَيْثُ يَشَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً (٢) .

وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْغَالِبِ هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِتَوْزِيعِ رَيْعِ الْوَقْفِ وَبَيَانِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَصِفَاتِهِمْ وَزَمَنِ الاِسْتِحْقَاقِ وَمِقْدَارِ مَا يُعْطَى وَهَكَذَا، وَقَدْ وَقَفَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ شُرُوطًا، وَلَوْ لَمْ يَجِبِ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِهِ فَائِدَةٌ، وَقَدْ وَقَفَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵁ عَلَى وَلَدِهِ وَجَعَل لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلاَ مُضَرٍّ بِهَا، فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلاَ حَقَّ لَهَا فِيهِ، وَلأَِنَّ الْوَاقِفَ مُتَلَقٍّ مِنْ جِهَتِهِ فَاتَّبَعَ شَرْطَهُ، وَنَصُّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ (٣) .

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٢٦١ - ٢٦٢.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦١، ومعونة أولي النهى ٥ / ٧٩٨.

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٤٢٧، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٨٨ - ٨٩، روضة الطالبين ٥ / ٣٣٨ - ٣٣٩، والمهذب ١ / ٤٥٠، والمغني ٥ / ٦١٧ - ٦١٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٨.