الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
وَالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَالأُْجْرَةِ لِلأَْجِيرِ. . وَهَكَذَا (١) .
وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) .
ب - الشُّرُوطُ:
٧ - الشُّرُوطُ: كُل مَا يَشْرِطُهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا وَلاَ يُخَالِفُ نَصًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلاَّ كَانَ بَاطِلًا (٣)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَل حَرَامًا (٤) . وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ (٥) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَصِحُّ مِنَ الشُّرُوطِ وَمَا لاَ يَصِحُّ، فِي كُل عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ (بَيْع ف٢٧) وَ(إِجَارَة ف٢٧) وَ(رَهْن ف١١، وَ٢٣)،
_________
(١) تفسير القرطبي ٦ / ٣٢، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٩٦.
(٢) سورة المائدة / ١.
(٣) أحكام القرآن للقرطبي ٦ / ٣٢، ٣٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٩، والمغني ٨ / ٤٨٢، ٤٨٣.
(٤) حديث: " المسلمون على شروطهم. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢٦) من حديث عمرو بن عوف المزني، وقال: حديث حسن صحيح.
(٥) حديث: " من اشترط شرطا ليس في كتاب الله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٧٠)، ومسلم (٢ / ١١٤٣) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
وَ(مُزَارَعَة ف٩ - ١٩) وَ(نِكَاح ف١٣٢ - ١٣٣) .
ج - النَّذْرُ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ النَّذْرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِمَا كَانَ طَاعَةً مِنْهُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَذْر ف٥) .
ثَانِيًا: مَا يُسْتَحَبُّ الْوَفَاءُ بِهِ:
مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ الْوَفَاءُ بِهَا مَا يَلِي:
أ - الْمَعْرُوفُ:
٩ - التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ الَّذِي نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّارِعُ كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ يُسْتَحَبُّ الْوَفَاءُ بِهَا؛ لأَِنَّهَا تَبَرُّعٌ، وَالتَّبَرُّعُ لاَ يُجْبَرُ الإِْنْسَانُ عَلَيْهِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَيْ (وَصِيَّة وَهِبَة ف٥، ٦) .
ب - الْوَعْدُ:
١٠ - الْوَعْدُ لُغَةً يَدُل عَلَى تَرْجِيَةٍ بِقَوْلٍ، يُقَال: وَعَدْتُهُ أَعِدُهُ وَعْدًا، وَيُسْتَعْمَل فِي الْخَيْرِ حَقِيقَةً وَفِي الشَّرِّ مَجَازًا (١) .
وَالْوَعْدُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِخْبَارٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَل (٢) .
وَالْوَعْدُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ الْوَفَاءُ بِهَا
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس.
(٢) فتح العلي المالك ١ / ٢٥٤ - ٢٥٧.
إِذَا كَانَ الْوَعْدُ مُجَرَّدًا عَنْ حَاجَةٍ أَوْ سَبَبٍ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ تَسْتَدْعِي الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ كَانَ الْوَفَاءُ وَاجِبًا، فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: لَوْ ذَكَرَا الْبَيْعَ بِلاَ شَرْطٍ، ثُمَّ ذَكَرَا الشَّرْطَ عَلَى وَجْهِ الْعِدَّةِ جَازَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، إِذِ الْمَوَاعِيدُ قَدْ تَكُونُ لاَزِمَةً، فَيُجْعَل لاَزِمًا لِحَاجَةِ النَّاسِ (١) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَعْدَ مُلْزِمٌ وَيُقْضَى بِهِ إِذَا دَخَل الْمَوْعِدُ بِسَبَبِ الْوَعْدِ فِي شَيْءٍ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَعْد) .
ثَالِثًا: مَا يُبَاحُ الْوَفَاءُ بِهِ:
١١ - نَذْرُ الْمُبَاحِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُبَاحُ الْوَفَاءُ بِهَا كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ الْمُبَاحِ وَصِحَّةِ الاِلْتِزَامِ بِالْمُبَاحَاتِ، وَحُكْمِ الْوَفَاءِ بِهِ إِنْ قِيل بِانْعِقَادِهِ وَصِحَّتِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَذْر ف١٨، ١٩) .
رَابِعًا: مَا يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ:
مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهَا مَا يَلِي:
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٠، ١٢١.
(٢) الفروق للقرافي ٤ / ٢٥.
أ - نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ:
١٢ - نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ، وَيَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١)، فَمَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَقْتُل فُلاَنًا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نَذْر ف١٦) .
ب - الْيَمِينُ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ:
١٣ - مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَقَدْ عَصَى بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، بَل الْوَاجِبُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف١١٨) .
ج - الشُّرُوطُ غَيْرُ الْمَشْرُوعَةِ:
١٤ - يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِالشُّرُوطِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَل حَرَامًا (٤) .
_________
(١) المغني ٩ / ٣، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٩٦.
(٢) حديث: " من نذر أن يطيع الله. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٨١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) الاختيار ٤ / ٤٧، والمنثور ٣ / ١٠٧.
(٤) حديث: " المسلمون على شروطهم. . . " سبق تخريجه ف٧.
(ر: شَرْط ف٢١) مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْوَفَاءُ:
١٥ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْوَفَاءُ فِي الْجُمْلَةِ، التَّكْلِيفُ (الْبُلُوغُ وَالْعَقْل)، لأَِنَّ الْوَفَاءَ إِنَّمَا يَجِبُ أَوْ يُنْدَبُ أَوْ يُبَاحُ نَتِيجَةَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا الإِْنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ وَيُوجِبُ بِهَا حَقًّا عَلَى نَفْسِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ تَنْعَقِدُ بِإِرَادَتَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، أَوْ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ، فَلاَ يُؤَاخَذُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِهَذِهِ الْعُقُودِ، لأَِنَّ عُقُودَهُمَا لاَ تَنْعَقِدُ فِي الْجُمْلَةِ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ (أَهْلِيَّة ف١٩ - ٢٣، صَفَر ف٣٢ وَمَا بَعْدَهَا، جُنُون ف١٥ وَمَا بَعْدَهَا، عَقْد ف٢٨، ٢٩) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَفَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ:
يَتَعَلَّقُ بِالْوَفَاءِ عِدَّةُ أَحْكَامٍ مِنْهَا:
أَوَّلًا: مَا يَتِمُّ بِهِ الْوَفَاءُ:
يَتَحَقَّقُ الْوَفَاءُ وَيَتِمُّ بِمَا يَأْتِي:
أ - التَّسْلِيمُ: ١٦ - يَتَحَقَّقُ الْوَفَاءُ فِي الْعُقُودِ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٤٠، ٢٤٢، ط عيسى الحلبي، والأشباه لابن نجيم ص٣٠٩، والمنثور ٢ / ٢٩٥ - ٣٠١، وروضة الطالبين ٣ / ٢٩٣.
عَلَيْهِ، فَفِي الْبَيْعِ مَثَلًا يَكُونُ الْوَفَاءُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَتَسْلِيمِ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ (١) .
وَهَكَذَا فِي كُل الْعُقُودِ يَكُونُ الْوَفَاءُ بِهَا بِتَسْلِيمِ مُقْتَضَاهَا.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي كُل عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (تَسْلِيم ف٤ وَمَا بَعْدَهَا، قَبْض ف٥ - ١١) .
ب - الرَّدُّ:
١٧ - مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْوَفَاءُ رَدُّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعَقْدِ أَوْ فَسْخِهِ أَوِ اسْتِحْقَاقِهِ (٢) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ (رَدّ ف٣ - ٧، ١٢، اسْتِرْدَاد ف٤ - ٦، إِجَارَة ف٥٨، قَرْض ف١٨، إِعَارَة ف٢١، ٢٢) .
ج - الْقِيَامُ بِالْعَمَل:
١٨ - قِيَامُ الشَّخْصِ بِأَدَاءِ الْعَمَل الْمَطْلُوبِ مِنْهُ يُعْتَبَرُ وَفَاءً بِمَا تَعَهَّدَ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ: قِيَامُ الأَْجِيرِ بِالْعَمَل الْمُوكَل إِلَيْهِ أَوِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ - سَوَاءٌ أَكَانَ أَجِيرًا خَاصًّا أَوْ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا - يُعْتَبَرُ وَفَاءً بِهَذَا الْعَمَل.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَة ف١٠٦، ١٣٠) .
_________
(١) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢، ٤٣، والدسوقي ٣ / ١٤٧.
(٢) ينظر القواعد لابن رجب ص٥٣، القاعدة الثانية والأربعون.
د - الْحَوَالَةُ:
١٩ - الْحَوَالَةُ هِيَ نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى أُخْرَى، فَإِذَا أَحَال الْمَدِينُ الدَّائِنَ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ دَيْنَهُ، وَاسْتَوْفَتِ الْحَوَالَةُ جَمِيعَ شَرَائِطِهَا، كَانَ ذَلِكَ وَفَاءً مِنَ الْمَدِينِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَوَالَة ف١٠٦) .
ثَانِيًا: وَفَاءُ دَيْنِ الْغَيْرِ:
٢٠ - يَصِحُّ وَفَاءُ دَيْنِ الْغَيْرِ وَضَمَانُهُ (الْكَفَالَةُ بِهِ)، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَفَاءُ بِإِذْنِ الْمَدِينِ أَوْ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْوَفَاءُ رِفْقًا بِالْمَدِينِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ - عَلَى مَا نَقَلَهُ الدُّسُوقِيُّ - مَنْ أَدَّى عَنْ رَجُلٍ دَيْنًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَازَ إِنْ فَعَلَهُ رِفْقًا بِالْمَطْلُوبِ، فَإِنْ أَرَادَ الضَّرَرَ بِطَلَبِهِ وَإِعْنَاتَهُ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ (١) .
وَالْوَفَاءُ إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْمَدِينِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَدِينِ بِهَذَا الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِهِ.
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (كَفَالَة ف٤١، ٤٢، ٤٣، دَيْن ف٣١، ٣٢) .
_________
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٣٣٤.
ثَالِثًا: وَفَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ:
٢١ - يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَوَفَاؤُهُ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ إِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مَا يُوَفَّى مِنْهُ دَيْنُهُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُفْلِسًا وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لِدَيْنِهِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - يَرَوْنَ صِحَّةَ ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَأَدَائِهِ وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فَإِنَّهُ ضَمِنَ دَيْنَ مَيِّتٍ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَال: هَل عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَال: هَل عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَال: فَصَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَال أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُول اللَّهِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ (١) .
وَقَالُوا: لأَِنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ إِنْسَانٌ بِوَفَائِهِ جَازَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِدَيْنِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ مُفْلِسًا، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لِدَيْنِهِ فَقَدْ سَقَطَ دَيْنُهُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلاَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِدَيْنٍ سَاقِطٍ، لَكِنْ لَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِوَفَائِهِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا (٢) .
_________
(١) حديث سلمة بن الأكوع: " أن النبي ﷺ أتي بجنازة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٧٤) .
(٢) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٧٠، وفتح القدير ٦ / ٣١٧، والدسوقي ٣ / ٣٣١، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٠، والمغني ٤ / ٥٩٣.
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَالَة ف٢١، ٢٢، رُجُوع ف٢٠، ٢١، دَيْن ف٧٨) .
عَدَمُ الْوَفَاءِ وَأَسْبَابُهُ:
لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الإِْنْسَانِ أَسْبَابٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - الْمُمَاطَلَةُ:
٢٢ - مَنْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ حَالٌّ، وَكَانَ مُوسِرًا قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَلاَ عُذْرَ لَهُ فِي عَدَمِ الْوَفَاءِ، وَقَدْ طَلَبَ الدَّائِنُ دَيْنَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ فَوْرًا بَعْدَ الطَّلَبِ.
فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مُمَاطِلًا، وَهُوَ ظَالِمٌ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (١) . وَيَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ لِظُلْمِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٢) . وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٣) .
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ كَذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ اتِّخَاذِ الْوَسَائِل الَّتِي تَحْمِل الْمَدِينَ الْمُوسِرَ عَلَى الْوَفَاءِ،
_________
(١) حديث: " مطل الغني ظلم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٦٦) ومسلم (٣ / ١١٩٧) .
(٢) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٢) من حديث الشريد بن سويد، وحسن إسناده ابن حجر في فتح الباري (٥ / ٦٤) .
(٣) فتح القدير شرح الهداية ٦ / ٣٧٦، والمنظم للحكام بهامش تبصرة الحكام ٢ / ٢٣٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٧، وكشاف القناع ٣ / ٤١٨، ٤١٩.
سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ حَبْسِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل، وَمُخْتَلِفُونَ عَلَى بَعْضِهَا (١) .
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَطْل ف٩ - ١٦، حَبْس ف٧٩ - ٨٢، إِعْسَار ف١٥) .
ب - الإِْعْسَارُ:
٢٣ - إِذَا كَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا وَثَبَتَ إِعْسَارُهُ بِالْبَيِّنَةِ بِأَنْ شَهِدَ عَدْلاَنِ أَنَّهُمَا لاَ يَعْرِفَانِ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا وَلاَ بَاطِنًا، وَحَلَفَ الْمَدِينُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُخْلَى سَبِيلُهُ وَلاَ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي، لأَِنَّ حَبْسَهُ لاَ تَحْصُل بِهِ فَائِدَةٌ، وَلأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الإِْنْظَارَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) .
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى الْمَدِينُ الإِْعْسَارَ وَصَدَّقَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يُحْبَسْ، وَوَجَبَ إِنْظَارُهُ، وَلَمْ تَجُزْ مُلاَزَمَتُهُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِعْسَار ف١٥) .
ج - الإِْفْلاَسُ:
٢٤ - الإِْفْلاَسُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الرَّجُل أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْوَفَاءِ.
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٠.