الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأَمْسَكَ عَلَى فِيهِ فَوَعَظَهُ، وَقَال: وَيْحَكَ كُل شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، فَقَال: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأَمْسَكَ عَلَى فِيهَا فَوَعَظَهَا، وَقَال: وَيْحَكِ كُل شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ (١) .
ج - الْوَعْظُ قَبْل صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ:
١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا أَرَادَ صَلاَةَ الاِسْتِسْقَاءِ يُسْتَحَبُّ لَهُ وَعْظُ النَّاسِ وَتَذْكِيرُهُمْ بِالْخَيْرِ، وَأَمْرُهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي وَبِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَبِأَدَاءِ الْحُقُوقِ إِلَى أَصْحَابِهَا.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (اسْتِسْقَاء ف ٩ وَمَا بَعْدَهَا) .
د - الْوَعْظُ بَعْدَ صَلاَةِ الْكُسُوفِ:
١٩ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْوَعْظُ بَعْدَ صَلاَةِ الْكُسُوفِ.
قَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَسْتَقْبِل الإِْمَامُ النَّاسَ بَعْدَ سَلاَمِهِ، فَيُذَكِّرُهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ وَيُكَبِّرُوا وَيَتَصَدَّقُوا (٢) .
_________
(١) الشرح الكبير مع المغني ٩ / ٦٤، وكشاف القناع ٥ / ٣٩٣. وأثر ابن عباس أورده ابن قدامة في المغني (١١ / ١٧٩ - ط دار هجر) وعزاه إلى أبي إسحاق الجوزجاني.
(٢) التاج والإكليل ٢ / ٢٠٢.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ خُطْبَةَ لِصَلاَةِ الْكُسُوفِ (١) .
وَنَصُّ الْحَنَفِيَّةِ: عَلَى أَنَّهُ يَدْعُو الإِْمَامُ بَعْدَ الصَّلاَةِ جَالِسًا مُسْتَقْبَل الْقِبْلَةِ إِنْ شَاءَ، أَوْ يَدْعُو قَائِمًا مُسْتَقْبَل النَّاسِ، وَإِذَا دَعَا يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ وَالتَّكْبِيرُ وَالاِسْتِغْفَارُ وَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ لِصَلاَةِ الْكُسُوفِ خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلاَةِ كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ فِي الأَْرْكَانِ (٣) .
(ر: صَلاَةُ الْكُسُوفِ ف٧)
هـ - وَعْظُ السُّلْطَانِ:
٢٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ وَعْظِ السُّلْطَانِ وَأَمْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا كَانَ عَادِلًا (٤) .
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ وَعْظِ السُّلْطَانِ إِذَا كَانَ جَائِرًا.
_________
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٩٨، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٢٥.
(٢) مراقي الفلاح ص٢٩٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٢٥، وكشاف القناع ٢ / ٦١.
(٣) أسنى المطالب ١ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ١ / ٣١٨.
(٤) الكنز الأكبر ص١٨٩.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى جَوَازِ وَعْظِ السُّلْطَانِ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ.
وَأَمَّا تَخْشِينُ الْقَوْل: فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى أَنَّ تَخْشِينَ الْقَوْل لَهُ كَقَوْلِهِ: يَا ظَالِمُ، يَا مَنْ لاَ يَخَافُ اللَّهَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَذَلِكَ إِنْ كَانَ يُحَرِّكُ فِتْنَةً يَتَعَدَّى شَرُّهَا إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ. أَمَّا إِنْ كَانَ هَذَا الشَّرُّ لاَ يَعُودُ إِلاَّ عَلَى الْوَاعِظِ فَهُوَ جَائِزٌ وَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ (١) . وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ وَعْظِ السُّلْطَانِ وَتَخْوِيفِهِ وَتَحْذِيرِهِ مِنَ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ.
قَال أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (٣): أَوْجَبُ مَا يَكُونُ هَذَا عَلَى مَنْ وَاكَلَهُمْ وَجَالَسَهُمْ وَكُل مَنْ أَمْكَنُهُ نُصْحُ السُّلْطَانِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٣، وإحياء علوم الدين ٢ / ٣٤٣ ط دار المعرفة، والآداب الشرعية ١ / ١٩٥ - ١٩٧، والكنز الأكبر ص٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) حديث: " إن من أعظم الجهاد كلمة عدل. . " أخرجه الترمذي (٤ / ٤٧١) من حديث أبي سعيد الخدري وقال: حديث حسن غريب.
(٣) حديث: " الدين النصيحة. . " أخرجه مسلم (١ / ٧٤) من حديث تميم الداري.
لَزِمَهُ ذَلِكَ، قَال مَالِكٌ: وَذَلِكَ إِذَا رَجَا أَنْ يَسْمَعَ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّ تَرْكَ الإِْنْكَارِ عَلَى السُّلْطَانِ الْجَائِزِ أَفْضَل.
وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لاَ يَتَعَرَّضُ لِلسُّلْطَانِ؛ فَإِنَّ سَيْفَهُ مَسْلُولٌ (٢) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا قُلْنَا بِالإِْنْكَارِ عَلَى السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ مِنَ الأَْئِمَّةِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِالتَّعْرِيفِ وَالْوَعْظِ بِالْكَلاَمِ اللَّطِيفِ، وَيَذْكُرُ لَهُ الْعَاقِبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، فَيَجِبُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مُوسَى وَهَارُونَ حِينَ أَرْسَلَهُمَا إِلَى عَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (٣) . أَيْ كَنِّيَاهُ، وَقِيل: الْقَوْل اللَّيِّنُ هُوَ الَّذِي لاَ خُشُونَةَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ مُوسَى أُمِرَ أَنْ يَقُول لِفِرْعَوْنَ قَوْلًا لَيِّنًا فَمَنْ دُونَهُ أَحْرَى بِأَنْ يَقْتَدِيَ بِذَلِكَ فِي خِطَابِهِ وَأَمْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَكَلاَمِهِ (٤) .
و وَعَظُ الْبُغَاةِ:
٢١ - إِذَا بَعَثَ الإِْمَامُ إِلَى الْبُغَاةِ مَنْ يَسْأَلُهُمْ وَيَكْشِفُ لَهُمُ الصَّوَابَ فَأَبَوُا الرُّجُوعَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ وَعْظِهِمْ:
_________
(١) التاج والإكليل ١ / ٢٧٧، والكنز الأكبر ص١٩٠، والآداب الشرعية ١ / ١٩٧.
(٢) الآداب الشرعية ١ / ١٩٧.
(٣) سورة طه / ٤٤.
(٤) الكنز الأكبر ص٢٠٢.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ وَعْظِ الْبُغَاةِ وَتَخْوِيفِهِمُ الْقِتَال، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ لاَ قَتْلُهُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَال، لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْفَرِيقَيْنِ، فَإِنْ فَاءُوا وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ (١)، لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْبَغِي لأَِهْل الْعَدْل إِذَا لَقُوا أَهْل الْبَغْيِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْعَدْل، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ ﵁ أَنَّهُ بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ إِلَى أَهْل حَرُورَا حَتَّى نَاظَرَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ رُبَّمَا يَحْصُل مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ بِالْوَعْظِ وَالإِْنْذَارِ، فَالأَْحْسَنُ أَنْ يُقَدَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْقِتَال، لأَِنَّ الْكَيَّ آخِرُ الدَّوَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا مَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ فَحَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كَحَال الْمُرْتَدِّينَ وَأَهْل الْحَرْبِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ (٣) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ اسْتِحْبَابَ وَعْظِهِمْ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، وَتَحْسِينَ اتِّحَادِ كَلِمَةِ الدِّينِ لَهُمْ وَعَدَمَ شَمَاتَةِ الْكَافِرِينَ (٤) .
(ر: بُغَاة ف١٠) .
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ٤٢٨، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٥٢ - ٥٤، وكشاف القناع ٦ / ١٦٢.
(٢) سورة الحجرات / ٩.
(٣) المبسوط للسرخسي ١٠ / ١٢٨.
(٤) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦.
التَّكَسُّبُ بِالْوَعْظِ:
٢٢ - لاَ يَحِل لِلْوَاعِظِ سُؤَال النَّاسِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فِي مَجْلِسِ الْوَعْظِ، لأَِنَّهُ اكْتِسَابُ الدُّنْيَا بِالْعِلْمِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
حُضُورُ النِّسَاءِ مَجَالِسَ الْوَعْظِ:
٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ حُضُورِ النِّسَاءِ مَجَالِسَ الْوَعْظِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ شَابَّةً وَذَلِكَ لِخَشْيَةِ الْفِتْنَةِ.
أَمَّا الْعَجَائِزُ فَلَهُنَّ حُضُورُ مَجَالِسِ الْوَعْظِ وَذَلِكَ لأَِمْنِ الْفِتْنَةِ (٢)، فَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُول: " لَوْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيل، قَال: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيل مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ " (٣) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣١٩، والآداب الشرعية ٢ / ٩١.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٠، وانظر شرح مسلم للنووي ٤ / ٤٠٥ - ٤٠٦، وفتح الباري شرح البخاري ١ / ٤٢٤، ٢ / ٤٧١.
(٣) حديث عائشة: " لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء. . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٤٩)، ومسلم (١ / ٣٢٩) واللفظ لمسلم.
وَفَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَفَاءُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْغَدْرِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ لِلْفِعْل وَفَى، يُقَال: وَفَى يَفِي وَفَاءً وَوَفْيًا أَيْ تَمَّ، وَوَفَّى فُلاَنٌ نَذْرَهُ: أَدَّاهُ، وَوَفَّى بِعَهْدِهِ: عَمِل بِهِ.
وَأَوْفَى الْكَيْل: أَتَمَّهُ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئًا. وَأَوْفَى فُلاَنًا حَقَّهُ: أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَافِيًا تَامًّا، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ: وَفَّى نَذْرَهُ وَأَوْفَاهُ: أَيْ أَبْلَغَهُ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١) . قَال الْفَرَّاءُ: أَيْ بَلَّغَ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ فِي قَوْلِهِمْ: الْزَمِ الْوَفَاءَ: مَعْنَى الْوَفَاءِ فِي اللُّغَةِ: الْخُلُقُ الشَّرِيفُ الْعَالِي الرَّفِيعُ.
وَالْوَفَاءُ اصْطِلاَحًا: مُلاَزِمَةُ طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، وَمُحَافَظَةُ الْعُهُودِ، وَحِفْظُ مَرَاسِمِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُخَالَطَةُ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً، حُضُورًا وَغَيْبَةً.
_________
(١) سورة النجم / ٣٧.
وَفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) بِحِفْظِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَالْقِيَامُ بِمُوجَبِهِ (٢) .
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْوَفَاءِ بِمَعْنَى: تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَارَةً، وَبِمَعْنَى الْقَضَاءِ تَارَةً أُخْرَى، وَبِمَعْنَى الأَْدَاءِ أَيْضًا (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتِ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِيفَاءُ:
٢ - الاِسْتِيفَاءُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرٌ لِلْفِعْل اسْتَوْفَى، يُقَال: اسْتَوْفَى فَلاَنٌ حَقَّهُ أَيْ: أَخَذَهُ وَافِيًا تَامًّا. وَيُقَال: اسْتَوْفَى مِنْهُ مَالَهُ: لَمْ يُبْقِ عَلَيْهِ شَيْئًا (٤)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٥) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَفَاءِ وَالاِسْتِيفَاءِ: أَنَّ الْوَفَاءَ يَكُونُ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَالاِسْتِيفَاءُ يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ أَوْ وَكِيلِهِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيفَاء ف٢٤ - ٢٥) .
ب - الإِْسْقَاطُ
٣ - الإِْسْقَاطُ لُغَةً: الإِْيقَاعُ وَالإِْلْقَاءُ، يُقَال:
_________
(١) سورة المائدة / ١.
(٢) تفسير روح المعاني ٦ / ٤٨.
(٣) المغني ٤ / ٣٣، والبدائع ٥ / ٢١٣.
(٤) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
(٥) قليوبي ٤ / ٣٣٥، والمغني ١٠ / ٢٨٨.
أَسْقَطَتِ الْحَامِل: أَلْقَتِ الْجَنِينَ. وَقَوْل الْفُقَهَاءِ: سَقَطَ الْفَرْضُ، أَيْ سَقَطَ طَلَبُهُ وَالأَْمْرُ بِهِ (١) .
وَالإِْسْقَاطُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ وَلاَ إِلَى مُسْتَحِقٍّ، وَتَسْقُطُ بِذَلِكَ الْمُطَالَبَةُ بِهِ (٢) .
كَمَا يُسْتَعْمَل الإِْسْقَاطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي إِسْقَاطِ الْجَنِينِ أَيِّ السِّقْطِ، يَعْنِي تَضَعُهُ قَبْل التَّمَامِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَفَاءِ وَالإِْسْقَاطِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِمَّا شُغِلَتْ بِهِ مِنْ حُقُوقٍ.
ج - الإِْبْرَاءُ:
٤ - مِنْ مَعَانِي الإِْبْرَاءِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ. قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: بَرِئَ: تَخَلَّصَ وَتَنَزَّهَ وَتَبَاعَدَ، فَالإِْبْرَاءُ عَلَى هَذَا جَعْل الْمَدِينِ بَرِيئًا مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ (٤) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَلاَ تُجَاهَهُ - كَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَحَقِّ السُّكْنَى الْمُوصَى بِهِ - فَتَرْكُهُ لاَ يُعْتَبَرُ إِبْرَاءً، بَل هُوَ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ (٥) .
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) الذخيرة ١ / ١٥٢ ط. وزارة الأوقاف الكويتية.
(٣) قواعد الفقه للبركتي.
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٥) فتح القدير ٣ / ٣٥٦ ط بولاق، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٧٦ ط بولاق.
(ر: إِبْرَاء ف١) وَقَال الْبَرَكَتِيُّ: الإِْبْرَاءُ مِنَ الدَّيْنِ هُوَ: جَعْل الْمَدْيُونِ بَرِيئًا مِنَ الدَّيْنِ.
وَأَصْل الْبَرَاءِ التَّلَخُّصُ وَالتَّقَصِّي مِمَّا يُكْرَهُ مُجَاوَرَتُهُ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَفَاءِ وَالإِْبْرَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِمَّا شُغِلَتْ بِهِ مِنْ حُقُوقٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الْوَفَاءُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَعْتَرِيهَا الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْوُجُوبِ وَالاِسْتِحْبَابِ وَالْحُرْمَةِ. . . وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَحَل التَّصَرُّفِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ:
أ - الْعُقُودُ:
٦ - مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا مُقْتَضَيَاتُ الْعُقُودِ الَّتِي يَعْقِدُهَا الإِْنْسَانُ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِْجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ.
فَهَذِهِ الْعُقُودُ إِذَا تَمَّتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشَرَائِطِهَا وَجَبَ الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَاهَا، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي،
_________
(١) قواعد الفقه للبركتي.