الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 78

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

أَحَدُهَا: لاَ يَنْتَقِضُ كَالْمُتَرَبِّعِ، وَالثَّانِي: يَنْتَقِضُ كَالْمُضْطَجِعِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ نَحِيفَ الْبَدَنِ بِحَيْثُ لاَ تَنْطَبِقُ أَلْيَاهُ عَلَى الأَْرْضِ انْتَقَضَ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَالْمُخْتَارُ الأَْوَّل.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِذَا نَامَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَأَلْصَقَ أَلْيَيْهِ بِالأَْرْضِ فَإِنَّهُ يُسْتَبْعَدُ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْهُ، وَلَكِنِ اتَّفَقَ الأَْصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ كَالْجَالِسِ الْمُمَكَّنِ، فَلَوِ اسْتَثْفَرَ وَتَلَجَّمَ بِشَيْءٍ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الاِنْتِقَاضُ أَيْضًا (١) .

١٤٦ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النَّوْمُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

أ - نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ فِي قَوْل كُل مَنْ يَقُول بِنَقْضِهِ بِالنَّوْمِ.

ب - وَنَوْمُ الْقَاعِدِ إِنْ كَانَ كَثِيرًا نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَنْقُضْ.

وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ: " فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ " وَحَدِيثِ: " فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ ".

وَقَوْل صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁: " كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لاَ نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ

_________

(١) الْمَجْمُوع ٢ / ١٢ ٢٣.

غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ " (١) وَقَالُوا: وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهُمَا فِي الْيَسِيرِ: لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ " وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ كَثْرَةٍ وَلاَ قِلَّةٍ، فَإِنَّ النَّائِمَ يَخْفِقُ رَأْسُهُ فِي يَسِيرِ النَّوْمِ، فَهُوَ يَقِينٌ فِي الْيَسِيرِ فَيَعْمَل بِهِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لاَ يُتْرَكُ لَهُ الْعُمُومُ الْمُتَيَقَّنُ، وَلأَِنَّ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ يُعَلَّل بِإِفْضَائِهِ إِلَى الْحَدَثِ، وَمَعَ الْكَثْرَةِ وَالْغَلَبَةِ يُفْضِي إِلَيْهِ، وَلاَ يَحِسُّ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ، بِخِلاَفِ الْيَسِيرِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَثِيرِ عَلَى الْيَسِيرِ لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي الإِْفْضَاءِ إِلَى الْحَدَثِ، وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: يَنْقُضُ، وَعَنْهُ: لاَ يَنْقُضُ نَوْمُ الْجَالِسِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا.

وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَحُكِيَ عَنْهُ لاَ يَنْقُضُ غَيْرُ نَوْمِ الْمُضْطَجِعِ.

ج - وَمَا عَدَا هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ هُوَ " نَوْمُ الْقَائِمِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ " فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رِوَايَاتٌ إِحْدَاهَا: يَنْقُضُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي تَخْصِيصِهِ مِنْ عُمُومِ أَحَادِيثِ

_________

النَّقْضِ نَصٌّ، وَلاَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ؛ لِكَوْنِ الْقَاعِدِ مُتَحَفِّظًا لاِعْتِمَادِهِ بِمَحَل الْحَدَثِ إِلَى الأَْرْضِ، وَالرَّاكِعُ وَالسَّاجِدُ يَنْفَرِجُ مَحَل الْحَدَثِ مِنْهُمَا.

وَالثَّانِيَةُ: لاَ يَنْقُضُ إِلاَّ إِذَا كَثُرَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الأَْصْحَابِ.

وَالثَّالِثَةُ: لاَ يَنْقُضُ نَوْمُ الرَّاكِعِ، وَيَنْقُضُ نَوْمُ السَّاجِدِ (١) .

وَأَمَّا نَوْمُ الْقَاعِدِ الْمُسْتَنِدِ وَالْمُحْتَبِي فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْوُضُوءِ.

فَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْقُضُ يَسِيرُهُ؛ لأَِنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَنْقُضُ يَسِيرُهُ.

قَال أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قِيل لَهُ: الْوُضُوءُ مِنَ النَّوْمِ؟ قَال: إِذَا طَال، قِيل: فَالْمُحْتَبِي؟ قَال: يَتَوَضَّأُ، قِيل: فَالْمُتَّكِئُ؟ قَال: الاِتِّكَاءُ شَدِيدٌ، وَالْمُتَسَانِدُ كَأَنَّهُ أَشَدُّ - يَعْنِي مِنَ الاِحْتِبَاءِ - وَرَأَى مِنْهَا كُلِّهَا الْوُضُوءَ إِلاَّ أَنْ يَغْفُوَ قَلِيلًا (٢) .

_________

(١) حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال: الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ١ / ١٧٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٢٥، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٩٩ - ٢٠٠.

(٢) الْمُغْنِي ١ / ٢٧٥، وَالإِْنْصَاف ١ / ٢٠١.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ مُعْتَمِدًا بِمَحَل الْحَدَثِ عَلَى الأَْرْضِ أَنْ لاَ يَنْقُضَ مِنْهُ إِلاَّ الْكَثِيرُ؛ لأَِنَّ دَلِيل انْتِفَاءِ النَّقْضِ فِي الْقَاعِدِ لاَ تَفْرِيقَ فِيهِ فَيُسَوَّى بَيْنَ أَحْوَالِهِ (١) .

ثُمَّ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَنَابِلَةِ فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّوْمِ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.

فَقَال أَبُو يَعْلَى: لَيْسَ لِلْقَلِيل حَدٌّ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَقِيل: حَدُّ الْكَثِيرِ: مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ النَّائِمُ عَنْ هَيْئَتِهِ: مِثْل أَنْ يَسْقُطَ عَلَى الأَْرْضِ، وَمِنْهَا أَنْ يَرَى حُلْمًا.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ حَدَّ لَهُ؛ لأَِنَّ التَّحْدِيدَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِتَوْقِيفٍ، وَلاَ تَوْقِيفَ فِي هَذَا، فَمَتَى وَجَدْنَا مَا يَدُل عَلَى الْكَثْرَةِ: مِثْل سُقُوطِ الْمُتَمَكِّنِ وَغَيْرِهِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقِّنَةٌ فَلاَ تَزُول بِالشَّكِّ.

وَقَال: مَنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى عَقْلِهِ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّوْمَ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْل، وَقَال بَعْضُ أَهْل اللُّغَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ (٢)﴾: هِيَ ابْتِدَاءُ النُّعَاسِ فِي الرَّأْسِ، فَإِذَا وَصَل إِلَى الْقَلْبِ صَارَ نَوْمًا، وَلأَِنَّ النَّاقِضَ

_________

(١) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ١ / ١٧٥.

(٢) سُورَة الْبَقَرَة: ٢٥٥.

زَوَال الْعَقْل، وَمَتَى كَانَ ثَابِتًا وَحِسُّهُ غَيْرُ زَائِلٍ، مِثْل مَنْ يَسْمَعُ مَا يُقَال عِنْدَهُ وَيَفْهَمُهُ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ مِنْ حَقِّهِ.

وَإِنْ شَكَّ: هَل نَامَ أَمْ لاَ، أَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لاَ يَدْرِي أَرُؤْيَا هُوَ أَمْ حَدِيثُ نَفْسٍ؟ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ (١) .

الرَّأْيُ الثَّانِي:

١٤٧ - حُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدٍ الأَْعْرَجِ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ النَّوْمَ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ " (٢) .

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ مِرَارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ ثُمَّ يُصَلِّي وَلاَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَعَلَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَدَثُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلاَ يَزُول الْيَقِينُ بِالشَّكِّ (٣) .

قَال الْمَرْدَاوِيُّ: نَقَل الْمَيْمُونِيُّ: لاَ يَنْقُضُ

_________

(١) الْمُغْنِي ١ / ١٧٣ ١٧٦.

(٢) وَنِيل الأَْوْطَار ١ / ١٩٠. حَدِيث: الْمُغْنِي ١ / ١٧٣،

النَّوْمُ الْوُضُوءَ بِحَالٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِنْ ظَنَّ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَقَال الْخَلاَّل: هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ (١) .

ب - الإِْغْمَاءُ:

١٤٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْغْمَاءَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَمِنْهُ الْغَشْيُ (٢) .

(ر: إِغْمَاءٌ، ف٦) .

ج - الْجُنُونُ:

١٤٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ - قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا - يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.

(ر: جُنُونٌ، ف١٠) .

د - السُّكْرُ:

١٥٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السُّكْرَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ (٣) .

(ر: حَدَثٌ ف١١) .

رَابِعًا: مَسُّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ:

١٥١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ

_________

(١) الإِْنْصَاف ١ / ١٩٩، ٢٠١.

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٢، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص٢٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٣٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٢٥.

(٣) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٢، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٩٧.

بِمَسِّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ ذَكَرًا كَانَ أَمْ أُنْثَى أَمْ خُنْثَى، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَدَثٌ ف١٤، فَرْجٌ ف٥، ٤، مَسٌّ ف١٨، خُنْثَى ف٩) .

خَامِسًا: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ:

١٥٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ بَشَرَةِ الرَّجُل بَشَرَةَ الأُْنْثَى، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَدَثٌ ف١٣، أُنُوثَةٌ ف٢١) .

سَادِسًا: الرِّدَّةُ:

١٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الاِرْتِدَادِ عَنِ الإِْسْلاَمِ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى - نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ بِذَاتِهَا لَيْسَتْ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مُحْبِطَةً لِلْعَمَل فِي حَال اتِّصَالِهَا بِالْمَوْتِ، وَعَلَيْهِ فَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ ثُمَّ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ بِرِدَّتِهِ ذَاتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنِ انْتَقَضَ لِسَبَبٍ آخَرَ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ إِنِ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ فَهِيَ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَل وَالثَّوَابِ وَإِنْ لَمْ تَتَّصِل بِهِ فَهِيَ مُحْبِطَةٌ لِلثَّوَابِ دُونَ الْعَمَل، بِمَعْنَى أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِْسْلاَمِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لاَ يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ السَّابِقِ وَلاَ يُطَالَبُ بِإِعَادَتِهِ،

وَمَنِ اتَّصَلَتْ رِدَّتُهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يُثَبْ أَيْضًا.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: إِنَّ الرِّدَّةَ عَنِ الإِْسْلاَمِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١)﴾ فَمَنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ وَارْتَدَّ انْتَقَضَ هَذَا الْوُضُوءُ بِالرِّدَّةِ ذَاتِهَا وَبِمُجَرَّدِ حُدُوثِهَا؛ لأَِنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ فَيُحْبَطُ بِنَصِّ الآْيَةِ، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ فَأَفْسَدَهَا الشِّرْكُ كَالصَّلاَةِ وَالتَّيَمُّمِ، وَقَالُوا: الآْيَةُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَحِيل مِنْهُ الرِّدَّةُ شَرْعًا، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ ﷺ لاَ يُشْرِكُ وَلاَ يَقَعُ مِنْهُ إِشْرَاكٌ.

وَرَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَدْبَ الْوُضُوءِ مِنَ الرِّدَّةِ.

وَقَال الصَّاوِيُّ: مَعْنَى إِحْبَاطِ الْعَمَل مِنْ حَيْثُ الثَّوَابِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ بُطْلاَنِ ثَوَابِهِ إِعَادَتُهُ؛ فَلِهَذَا لاَ يُطَالَبُ بَعْدَهَا بِقَضَاءِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ عَلَى الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ - أَيْ عَوْدَتِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ - بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَلَغَ حِينَئِذٍ، فَوَجَبَ

_________

(١) سُورَة الزُّمَرِ: ٦٥.

عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِمُوجِبِهِ، وَهُوَ إِرَادَةُ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ (١) .

سَابِعًا: الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلاَةِ:

١٥٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلاَةِ لاَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَتُفْسِدُ الصَّلاَةَ.

وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ الْوُضُوءَ مِنَ الضَّحِكِ فِي الصَّلاَةِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ - إِلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي صَلاَةٍ كَامِلَةً - وَهِيَ مَا لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ - تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَتُفْسِدُ الصَّلاَةَ (٣) .

(ر: حَدَثٌ ف١٥ - ١٦، قَهْقَهَةٌ ف٤ - ٥) .

_________

(١) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٣ / ٤٨، ١٥ / ٢٧٧، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ١٢٢، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ٣٠٠، وَالشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٤٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ١٣٣، وَالْمَجْمُوع ٢ / ٥، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٧ / ٣١٣، وَالإِْنْصَاف ١ / ٢١٩.

(٢) الشَّرْح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ١٢٣، وَحَاشِيَة البجيرمي ١ / ١٧٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٣٢، وَالْمَجْمُوع ٢ / ٦٢، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٣١، وَالْمُغْنِي ١ / ١٧٧.

(٣) الاِخْتِيَار ١ / ١١، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ١ / ٣٢، وَفَتْح الْقَدِير ١ / ٣٤ - ٣٥.

ثَامِنًا: أَكْل مَا مَسَّتْهُ النَّارُ:

١٥٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِأَكْل مَا مَسَّتْهُ النَّارُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لاَ يَجِبُ الْوُضُوءُ بِأَكْل شَيْءٍ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي طَلْحَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ ﵃ وَبِهِ قَال جُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَل كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ " (١)، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُل " (٢)، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَعْنِي الْخَارِجَ النَّجِسَ وَلَمْ يُوجَدْ، وَبِمَا رَوَى جَابِرٌ

_________