الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. (١)
(ر: مِيَاه ف ١٣) .
عَاشِرًا - تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ:
١٣٨ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُتَوَضِّئِ تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا سُنَّ لَهُ فِعْلُهَا لِمَا يَسْتَقْبِل مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ. (٢)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْمَطْلَبِ بِأَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. (٣)
نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ:
١٣٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ هُوَ: إِخْرَاجُ الْوُضُوءِ عَنْ إِفَادَةِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَاسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ انْتِهَاءُ حُكْمِ الْوُضُوءِ الْمَنْقُوضِ أَوْ رَفْعُ اسْتِمْرَارِ حُكْمِهِ مِمَّا كَانَ يُبَاحُ بِهِ مِنْ صَلاَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا يَنْتَهِي حُكْمُ
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٤٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ١٩، وَالْمَجْمُوع ١ / ٨٧ ٨٩، وَالْمُغْنِي ١ / ١٧، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ١٢١.
(٢) الشَّرْح الصَّغِير ١ / ١٢٩
(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٨٤ ٨٥.
النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ. (١)
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ، بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:
أَوَّلًا - الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُمَا:
١٤٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ - فِي الْجُمْلَةِ - إِلَى أَنَّ مِنَ الْمَعَانِي النَّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ، أَيِ الْعِلَل الْمُؤَثِّرَةِ فِي إِخْرَاجِ الْوُضُوءِ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ - خُرُوجَ شَيْءٍ مِنَ السَّبِيلَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ (٢)﴾ .
وَالْغَائِطُ حَقِيقَةً: الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ النَّاسُ حَاجَتَهُمْ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ مُرَادَةً، فَجُعِل مَجَازًا عَنِ الأَْمْرِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ، وَلِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ تَحَوُّجٌ إِلَيْهِ لِتُفْعَل فِيهِ تَسَتُّرًا عَنِ النَّاسِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ، حَتَّى لَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنَ الْغَائِطِ أَيِ الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ١ / ٢٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٩، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ١ / ٢٤، وَالدَّرّ الْمُخْتَار ١ / ٩٠ - ٩١، وَالاِخْتِيَار ١ / ٩، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ١١٤، وَالشَّرْح الصَّغِير ١ / ١٣٥، وَالْخَرَشِيّ ١ / ١٥.
(٢) سُورَة الْمَائِدَة: ٦، وَسُورَة النِّسَاء: ٤٣.
لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِجْمَاعًا.
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي كَوْنِ الْخَارِجِ مُعْتَادًا كَالْبَوْل وَالْغَائِطِ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ، بَل يَكُونُ نَادِرًا كَالدُّودِ وَالْحَصَى، وَفِي كَوْنِ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ - الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ - أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، مِنْ تَحْتِ الْمَعِدَةِ أَوْ مِنْ فَوْقِهَا، وَكَانَ السَّبِيلاَنِ مَفْتُوحَيْنِ أَوْ مَسْدُودَيْنِ أَوْ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الخ. (١)
(ر: حَدَث ف ٦ - ١٠) .
ثَانِيًا: خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ:
١٤١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ، أَوْ عَدَمِ نَقْضِهِ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ غَيْرَ السَّبِيلَيْنِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَيَبْقَى الْوُضُوءُ إِلاَّ إِذَا انْتَقَضَ بِسَبَبٍ آخَرَ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ الْخَارِجَةَ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ غَيْرَ السَّبِيلَيْنِ - كَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِمَا - نَاقِضَةٌ لِلْوُضُوءِ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. (٢)
(ر: حَدَث ف ١٠) .
_________
(١) الاِخْتِيَار ١ / ٩، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ١ / ٢٤ ٢٥، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٩٠ ٩٣، وَالشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَيْهِ ١ / ١٣٥ ١٣٧، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ١١٤ ١١٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٣٢ ٣٣، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٩٥ ١٩٧.
(٢) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ١ / ٢٥ ٣٢، وَالاِخْتِيَار ١ / ٩، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٩٠ ٩٢، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٩٧ ١٩٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٢٤ ١٢٥.
ثَالِثًا: زَوَال الْعَقْل (الْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ):
زَوَال الْعَقْل قَدْ يَكُونُ بِالنَّوْمِ أَوِ الْجُنُونِ أَوِ السُّكْرِ أَوِ الإِْغْمَاءِ أَوِ الْغَشْيُ.
أ - النَّوْمُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ إِلَى رَأْيَيْنِ:
١٤٢ - الرَّأْيُ الأَْوَّل:
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ النَّوْمَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ " الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ " (١)،
_________
(١) حَدِيث: " الْعَيْن وِكَاء السه. . " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ١٦١ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، وَحُسْنه النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوعِ (٢ / ١٤) .
وَحَدِيثِ إِنَّ الْعَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ " (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل:
١٤٣ - أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالنَّائِمُ عِنْدَهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَوَرِّكًا، أَوْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا عَلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيل عَنْهُ لَسَقَطَ، أَوْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ سَاجِدًا.
أ - فَإِنْ كَانَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَوَرِّكًا نُقِضَ وُضُوؤُهُ لِحَدِيثِ: " إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا " (٢) إِنَّ مَنِ اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ غَايَةَ الاِسْتِرْخَاءِ بِحَالَةِ الاِضْطِجَاعِ، فَيَكُونُ بِمَظِنَّةِ خُرُوجِ الرِّيحِ.
ب - وَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ نَامَ مُتَوَرِّكًا لِزَوَال مَقْعَدَيْهِمَا مِنَ الأَْرْضِ.
وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيل عَنْهُ لَسَقَطَ: فَهَذَا لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْعَدَتُهُ
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّ الْعَيْنَيْنِ وِكَاء السه. . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٤ / ٩٧ ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان، وَذِكْر الهيثمي فِي الْمَجْمَعِ (١ / ٢٤٧ ط الْمُقَدِّسِي) أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا ضَعِيفًا.
(٢) حَدِيث: " إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا. . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ١٣٩ حِمْص) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ، وَنُقِل ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (١ / ٣٣٦ - ط الْعِلْمِيَّة) عَنِ التِّرْمِذِيَّ أَنَّ أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ ضِعْفَا هَذَا الْحَدِيثِ.
زَائِلَةً مِنَ الأَْرْضِ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَتْ زَائِلَةً نَقَضَ بِالإِْجْمَاعِ بَيْنَ أَئِمَّتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ زَائِلَةٍ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ يَنْقُضُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الطَّحَاوِيِّ.
وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ، وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
ج - وَإِنْ كَانَ النَّائِمُ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ لاَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: " لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ سَاجِدًا " (١) وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ إِنْ كَانَ عَلَى هَيْئَةِ السُّجُودِ بِأَنْ كَانَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَإِلاَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
د - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضِ إِذَا كَانَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا فَنَامَ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: فَالصَّحِيحُ انْتِفَاضُ وُضُوئِهِ؛ لِلْحَدِيثِ: " إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ".
هـ - وَلَوْ نَامَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ جَنْبِهِ، إِنِ انْتَبَهَ قَبْل سُقُوطِهِ، أَوْ حَالَةَ
_________
سُقُوطِهِ، أَوْ سَقَطَ نَائِمًا وَانْتَبَهَ مِنْ سَاعَتِهِ - لاَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، وَإِنِ اسْتَقَرَّ بَعْدَ السُّقُوطِ نَائِمًا ثُمَّ انْتَبَهَ انْتَقَضَ؛ لِوُجُودِ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَنْتَقِضُ بِالسُّقُوطِ؛ لِزَوَال الاِسْتِمْسَاكِ حَيْثُ سَقَطَ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: إِنِ انْتَبَهَ قَبْل أَنْ تُزَايِل مَقْعَدَتُهُ الأَْرْضَ لَمْ يَنْتَقِضْ، وَإِنْ زَايَلَهَا وَهُوَ نَائِمٌ انْتَقَضَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ الأَْوَّل.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الصَّحِيحُ أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا الْحَدَثُ: مَا لاَ يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ، فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ - وَهُوَ النَّوْمُ هُنَا - مَقَامَهُ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ (١) .
١٤٤ - وَلِلْمَالِكِيَّةِ طَرِيقَتَانِ فِي اعْتِبَارِ النَّوْمِ نَاقِضًا:
الأُْولَى: طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي النَّقْضِ صِفَةُ النَّوْمِ وَلاَ عِبْرَةَ بِهَيْئَةِ النَّائِمِ مِنَ اضْطِجَاعٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَمَتَى كَانَ النَّوْمُ ثَقِيلًا: نُقِضَ، سَوَاءٌ كَانَ النَّائِمُ مَضْطَجِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا، وَعَلاَمَةُ النَّوْمِ الثَّقِيل هُوَ مَا لاَ يَشْعُرُ
_________
(١) حَدِيث: تَبْيِين الْحَقَائِقِ ١ / ٩ - ١٠، وَرَدّ الْمُحْتَارِ مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٩٥ - ٩٦.
صَاحِبُهُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ أَوْ كَانَ بِيَدِهِ مِرْوَحَةٌ فَسَقَطَتْ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ غَيْرَ ثَقِيلٍ فَلاَ يَنْتَقِضُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: اعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ صِفَةَ النَّوْمِ مَعَ الثِّقَل، وَصِفَةَ النَّائِمِ مَعَ النَّوْمِ غَيْرِ الثَّقِيل، وَقَالُوا: إِنَّ النَّوْمَ ثَقِيلٌ يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الثَّقِيل فَيَجِبُ الْوُضُوءُ فِي الاِضْطِجَاعِ وَالسُّجُودِ، وَلاَ يَجِبُ فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ.
وَعُزِيَ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ.
وَلَكِنَّ الطَّرِيقَةَ الأُْولَى هِيَ الأَْشْهَرُ عِنْدَهُمْ (١) .
١٤٥ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَيْفَمَا كَانَ إِلاَّ نَوْمَ الْمُتَمَكِّنِ مَقْعَدُهُ مِنَ الأَْرْضِ أَوْ غَيْرِهَا، فَلاَ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ، وَإِنِ اسْتَنَدَ إِلَى مَا لَوْ زَال لَسَقَطَ لأَِمْنِ خُرُوجِ شَيْءٍ حِينَئِذٍ مِنْ دُبُرِهِ.
وَلاَ عِبْرَةَ لاِحْتِمَال خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ، لأَِنَّهُ نَادِرٌ، وَالنَّادِرُ لاَ حُكْمَ لَهُ، وَلأَِثَرِ أَنَسٍ ﵁ قَال: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ
_________
(١) حَاشِيَة الصَّاوِي عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ١ / ١٤١، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ١ / ٨ ٦.
يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ " (١) . وَفِي رِوَايَةٍ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ " (٢) .
وَحُمِل عَلَى نَوْمِ الْمُتَمَكِّنِ مَقْعَدُهُ فِي الأَْرْضِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَدَخَل فِي ذَلِكَ مَا لَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا (٣) .
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ مَسَائِل تَتَعَلَّقُ بِالتَّفْرِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَنَّ نَوْمَ الْمُتَمَكِّنِ مَقْعَدُهُ لاَ يَنْقُضُ وَغَيْرُهُ يَنْقُضُ:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَالأَْصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ لِلنَّائِمِ مُمَكَّنًا أَنْ يَتَوَضَّأَ؛ لاِحْتِمَال خُرُوجِ حَدَثٍ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ الْعُلَمَاءِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ تَيَقَّنَ النَّوْمَ وَشَكَّ هَل كَانَ مُمَكَّنًا أَمْ لاَ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ أَلْيَاهُ أَوْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأَْرْضِ، فَإِنْ زَالَتْ قَبْل الاِنْتِبَاهِ
_________
(١) حَدِيث أَنَس: حَدِيث: مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٣٤.
انْتَقَضَ؛ لأَِنَّهُ مَضَى لَحْظَةٌ وَهُوَ نَائِمٌ غَيْرَ مُمَكَّنٍ، وَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ الاِنْتِبَاهِ أَوْ مَعَهُ، أَوْ لَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا سَبَقَ لَمْ يَنْتَقِضْ؛ لأَِنَّ الأَْصْل الطَّهَارَةُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهَ مِنَ الأَْرْضِ مُسْتَنِدًا إِلَى حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لاَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَ الْحَائِطُ لَسَقَطَ أَمْ لاَ، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَلِيل النَّوْمِ وَكَثِيرُهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ، فَنَوْمُ لَحْظَةٍ وَنَوْمُ يَوْمَيْنِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَال أَصْحَابُنَا: لاَ فَرْقَ فِي نَوْمِ الْقَاعِدِ الْمُمَكَّنِ بَيْنَ قُعُودِهِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُفْتَرِشًا أَوْ مُتَوَرِّكًا أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْحَالاَتِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَقْعَدُهُ لاَصِقًا بِالأَْرْضِ أَوْ غَيْرِهَا مُتَمَكِّنًا، وَسَوَاءٌ الْقَاعِدُ عَلَى الأَْرْضِ وَرَاكِبُ السَّفِينَةِ، وَالْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدَّوَابِّ، فَلاَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الأَْصْحَابُ.
وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا - وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِمَا بِيَدَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا - فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: