الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
ضَعْفِهِ، وَأَنْ يَدْخُل تَحْتَ أَصْلٍ عَامٍّ، وَأَنْ لاَ يُعْتَقَدَ سُنِّيَّةُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَأْيٍ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الأَْصَحِّ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ كُل عُضْوٍ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَتِهِ، وَالْمُرَادُ تَرْكُ الأَْوْلَى.
قَال النَّوَوِيُّ: دُعَاءُ الأَْعْضَاءِ لاَ أَصْل لَهُ.
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الأَْذْكَارُ الَّتِي يَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُل عُضْوٍ لاَ أَصْل لَهَا عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ. (١)
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ - الدُّعَاءُ بَعْدَ الْوُضُوءِ:
١١٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ:
فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُول الْمُتَوَضِّئُ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ وَهُوَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَقَدْ رَفَعَ يَدَيْهِ وَبَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٦ - ٨٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وَحَاشِيَة الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ١ / ١٣٥، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ١ / ١٨١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤٤، وَشَرْح الْمِنْهَاجِ لِلْمَحَلِّيِّ ١ / ٥٦، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٣٧ - ١٣٨.
لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، لِخَبَرِ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغُ أَوْ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُول: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُل مِنْ أَيِّهَا شَاءَ (١)، ثُمَّ يَقُول الْمُتَوَضِّئُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ - زَادَهُ التِّرْمِذِيُّ عَلَى خَبَرِ مُسْلِمٍ (٢) - سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، لِخَبَرِ: مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٣) أَيْ لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ إِبْطَالٌ، أَيْ يُصَانُ صَاحِبُهُ مِنْ تَعَاطِي مُبْطِلٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ أَنْ
_________
(١) حَدِيث: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢١٠) مِنْ حَدِيثِ عُمَر بْن الْخَطَّابِ.
(٢) حَدِيث: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ. . " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٧٨ ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال: هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَاب
(٣) حَدِيث: " مَنْ تَوَضَّأَ فَقَال: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. . " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (٦ / ٢٥ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعًا، وَصَوْب النَّسَائِيّ كَوْنه مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي سَعِيد.
يَقُول بَعْدَ الْوُضُوءِ: وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآل مُحَمَّدٍ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: وَيَقُول الْمُتَوَضِّئُ بَعْدَ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ مِنَ الَّذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلاَثًا (١) .
وَالْحِكْمَةُ - كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ - فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلاَةِ وَغَيْرِهِمَا بِالاِسْتِغْفَارِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي، وَعَنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ اللاَّئِقِ بِجَلاَلِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَجَل مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحْيِي مِنْ عَمَلِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ، كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلاَتِهِ.
وَالاِسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا، وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ.
فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَل فِيهِ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٨ - ١٠٩، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٧، وَفَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، وَحَاشِيَة الْبُنَانِيّ عَلَى الزُّرْقَانِيّ ١ / ٧٣، وَحَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٣٤، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ وَحَاشِيَة الشبراملسي ١ / ١٨١.
الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الإِْقْلاَعِ عَنْهُ، وَهَذَا الاِسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الإِْصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ.
وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتُصَّ بِالنَّوْعِ الأَْوَّل، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي - بَل كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا - فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ، وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ، وَالْعَزْمُ عَلَى الإِْقْلاَعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ (١) .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ - تَنْشِيفُ الأَْعْضَاءِ مِنْ بَلَل مَاءِ الْوُضُوءِ:
١١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَنْشِيفِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ بَلَل مَائِهِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّنْشِيفُ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى سَلْمَانُ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ (٢)، وَلأَِنَّهُ ﷺ بَعْدَ غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ نَاوَلَتْهُ مَيْمُونَةُ ﵂ خِرْقَةً فَلَمْ
_________
(١) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٩.
(٢) حَدِيث سَلْمَانَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّة. . " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (٢ / ١١٨٠ ط الْحَلَبِيّ) وَأَشَارَ الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (١ / ٢٢٩ ط دَارَ الْجِنَان) إِلَى انْقِطَاعٍ فِي إِسْنَادِهِ.
يَرُدَّهَا فَجَعَل يَنْفُضُ بِيَدِهِ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ تَرْكَ التَّنْشِيفَ أَفْضَل.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ التَّنْشِيفَ.
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ أَنَّ الْمَسْنُونَ تَرْكُ التَّنْشِيفِ إِلاَّ لِعُذْرٍ؛ لأَِنَّهُ يُزِيل أَثَرَ الْعِبَادَةِ.
وَقَالُوا: إِذَا كَانَ التَّنْشِيفُ لِعُذْرٍ فَلاَ يُسَنُّ تَرْكُهُ بَل يَتَأَكَّدُ سَنُّهُ، كَأَنْ خَرَجَ عَقِبَ وُضُوئِهِ فِي هُبُوبِ رِيحٍ تَنَجَّسَ، أَوْ آلَمَهُ شِدَّةٌ نَحْوَ بَرْدٍ، أَوْ كَانَ يَتَيَمَّمُ عَقِبَ الْوُضُوءِ لِكَيْ لاَ يَمْنَعَ الْبَلَل فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ التَّيَمُّمَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي رَأْيٍ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَأْيٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنْشِيفُ. (٢)
(ر: تَنْشِيفٌ ف ٣) .
_________
(١) حَدِيث: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ غَسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ أَتَتْهُ مَيْمُونَة. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١ / ٣٨٢) .
(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٩، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٤، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ١ / ٧٤، وَالْخَرَشِيّ ١ / ١٤٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٢٦١، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ١ / ١٧٩، وَحَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٣٣، وقليوبي وَعَمِيرَة عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ١ / ١٣٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٦ - ١٠٧.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ - تَرْكُ نَفْضِ الْيَدِ أَوِ الْمَاءِ:
١٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَدَمِ نَفْضِ مَاءِ الْوُضُوءِ عَنِ الأَْعْضَاءِ أَوْ عَنِ الْيَدِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ عَدَمُ نَفْضِ يَدِهِ، لِحَدِيثِ: إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلاَ تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ (١)، وَلأَِنَّهُ يُشْعِرُ بِكَرَاهَةِ أَمْرِ الطَّهَارَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي رَأْيٍ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الشَّرْحِ: لاَ يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂ (٢) وَيُكْرَهُ نَفْضُ يَدِهِ.
وَقَال فِي غَايَةِ الْمَطْلَبِ - كَمَا نَقَل عَنْهُ الْبُهُوتِيُّ - هَل يُبَاحُ نَفْضُ يَدِهِ أَوْ يُكْرَهُ؟ - وَجْهَانِ، الأَْصَحُّ: لاَ يُكْرَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ إِلَى
_________
(١) حَدِيث: " إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلاَ تَنْفُضُوا أَيْدِيكُمْ. . " أَخْرَجَهُ ابْن حِبَّانَ فِي الْمَجْرُوحِينَ (١ / ٢٠٣ نَشْر دَارَ الْمَعْرِفَة)، وَنَقَل ابْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَال: هَذَا حَدِيث مُنْكِر، عِلَل الْحَدِيثِ (١ / ٣٦ ط السَّلَفِيَّة) .
(٢) حَدِيث ميونة: تَقَدَّمَ ف١١٩، وَتُقَدِّمُ تَخْرِيجه.
أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُتَوَضِّئِ نَفْضُ الْمَاءِ وَتَرْكُهُ. (١)
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: الشُّرْبُ مِنْ فَضْل مَاءِ الْوُضُوءِ:
١٢١ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ أَنْ يَشْرَبَ الْمُتَوَضِّئُ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي زَادَ فِي الإِْنَاءِ، لِمَا وَرَدَ " عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ " (٢) .
قَال الْكَمَال: يَشْرَبُ الْمُتَوَضِّئُ فَضْل وُضُوئِهِ قَائِمًا مُسْتَقْبِلًا، قِيل: وَإِنْ شَاءَ قَاعِدًا.
وَقَال الْحَصَكْفِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ وَغَيْرُهُمَا: يَشْرَبُ الْمُتَوَضِّئُ بَعْدَ الْوُضُوءِ مِنْ فَضْل وُضُوئِهِ - التَّشْبِيهُ فِي الشُّرْبِ مُسْتَقْبِلًا قَائِمًا لاَ فِي كَوْنِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ - مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا. . . وَالْمُرَادُ شُرْبُ كُل الْفَضْل أَوْ بَعْضِهِ.
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٩، وَحَاشِيَة الطَّحَاوِيّ عَلَى الدُّرِّ ١ / ٧٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦١، وَشَرْح الْمِنْهَاجِ وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ١ / ٥٥، وَشَرْح الْمَنْهَجِ ١ / ١٣٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٧، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ١ / ١٢٢، وَمَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٣٠١.
(٢) حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ فَضْل وَضَوْئِهِ. . " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (١ / ٧٠ ط الْمَكْتَبَة التِّجَارِيَّة) .
وَيَقُول عَقِبَ الشُّرْبِ: اللَّهُمَّ اشْفِنِي بِشِفَائِكَ، وَدَاوِنِي بِدَوَائِكَ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْوَهَل وَالأَْمْرَاضِ وَالأَْوْجَاعِ. قَال فِي الْحِلْيَةِ: وَالْوَهَل هُنَا - بِالتَّحْرِيكِ - الضَّعْفُ وَالْفَزَعُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ مَأْثُورًا، وَهُوَ حَسَنٌ. (١)
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ - صَلاَةُ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ:
١٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُتَوَضِّئُ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ؛ لِحَدِيثِ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِل بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يُصَلِّي سُنَّةَ الْوُضُوءِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ الأَْوْقَاتُ الْخَمْسَةُ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاَةُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوه أَوْلَى مِنْ فِعْل الْمَنْدُوبِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٧، وَحَاشِيَة الطحطاوي عَلَى الدُّرِّ ١ / ٧٥، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ص ٤٣، وَحَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٣٥، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ١ / ٢٤.
(٢) حَدِيث: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢٠٩ ٢١٠) مِنْ حَدِيثِ عُقْبَة بْن عَامِر.
صَلاَةِ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ عَقِبَ كُل وُضُوءٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَيَفْعَل هَذِهِ الصَّلاَةَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ لَهَا سَبَبًا (١) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ يُنْظَرُ (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ ف ٢٣ وَمَا بَعْدَهَا)
الثَّلاَثُونَ - تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ:
١٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ. . أَيِّ التَّوَضُّؤِ عَلَى وُضُوءٍ قَائِمٍ لَمْ يُنْقَضْ.
فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ قَبْل أَنْ تُفْعَل بِهِ عِبَادَةٌ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ فَضْل فِيهِ. (٢)
وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: مُصْطَلَحُ تَجْدِيدٍ ف ٢)
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٨٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وَحَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٣٥، وَصَحِيح مُسْلِم بِشَرْح النَّوَوِيّ ٣ / ٩٠ - ٩٣، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى.
(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨١، ٨٥، وَالشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٣١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٣، ٧٤، وَالْمُغْنِي ١ / ١٤٣.
الْوَاحِدُ وَالثَّلاَثُونَ - عَدَمُ نَقْصِ مَاءِ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ:
١٢٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِل بِالصَّاعِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ لاَ يُحَدُّ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ، وَالْمَقْصُودُ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ هُوَ فَضِيلَةُ الاِقْتِصَادِ وَتَرْكُ الإِْسْرَافِ. أَوْرَدَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْحِلْيَةِ: نَقَل غَيْرُ وَاحِدٍ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَا يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِقْدَارٍ، وَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ أَدْنَى مَا يَكْفِي فِي الْغُسْل صَاعٌ وَفِي الْوُضُوءِ مُدٌّ؛ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِل بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لاَزِمٍ، بَل هُوَ بَيَانُ أَدْنَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ.
وَقَال ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُجْزِئُ أَقَل مِنْ مُدٍّ فِي الْوُضُوءِ وَلاَ أَقَل مِنْ صَاعٍ
_________
(١) حَدِيث: " كَانَ رَسُول ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١ / ٣٠٤)، وَمُسْلِم (١ / ٢٥٨) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.