الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
السَّابِعَ عَشَرَ - الْجُلُوسُ بِمَكَانٍ مُرْتَفِعٍ:
١٠٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ الْجُلُوسَ فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، تَحَرُّزًا عَنِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَل فِي الْوُضُوءِ؛ لِوُقُوعِ الْخِلاَفِ فِي نَجَاسَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ، زَادَ الْمَالِكِيَّةُ الْجُلُوسَ مَعَ التَّمَكُّنِ.
وَعَبَّرَ الْكَمَال بِحِفْظِ ثِيَابِهِ مِنَ الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ. قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَهُوَ أَشْمَل؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا وَلاَ يَتَحَفَّظُ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَتَوَقَّى الْمُتَوَضِّئُ الرَّشَاشَ الْمُتَطَايِرَ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ. (١)
الثَّامِنَ عَشَرَ - التَّوَضُّؤُ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ:
١١٠ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ التَّوَضُّؤَ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ؛ لأَِنَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ حُرْمَةً.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ بِالْفِعْل، وَشَأْنُ الْمَكَانِ الطَّهَارَةُ لِيَخْرُجَ بَيْتُ الْخَلاَءِ قَبْل الاِسْتِعْمَال، فَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِيهِ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا بِالْفِعْل لَكِنْ لَيْسَ شَأْنُهُ الطَّهَارَةَ، وَأَوْلَى
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٦، وفتح الْقَدِير ١ / ٣٦، وحاشية الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٣، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦٢.
غَيْرُهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُتَنَجِّسَةِ بِالْفِعْل. (١)
التَّاسِعَ عَشَرَ - تَرْكُ الاِسْتِعَانَةِ:
١١١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ عَدَمَ الاِسْتِعَانَةِ، وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَنْ يَتَوَلَّى الشَّخْصُ وُضُوءَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَكِل طَهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلاَ صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا إِلَى أَحَدٍ، يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلاَّهَا بِنَفْسِهِ (٢)، وَتُبَاحُ مُعَاوَنَةُ الْمُتَوَضِّئِ كَتَقْرِيبِ مَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ صَبِّهِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَضُوئِهِ (٣) . وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: " صَبَبْتُ
_________
(١) رَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٥، وَالشَّرْح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٠.
(٢) حَدِيث: " كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَكِل طَهُوره إِلَى أَحَد. . " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ١٢٩ ط الْحَلَبِيّ)، وَضَعَّفَهُ الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (١ / ١٠٤ ط دَار الْجِنَان) لِجَهَالَة أَحَد رُوَاته وَضِعْف آخَر.
(٣) حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: " أَنَّهُ أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُضُوئِهِ. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١ / ٢٢٩) .
عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي الْوُضُوءِ (١) . وَتَرْكُ الْمُعَاوَنَةِ أَفْضَل.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ تَرْكُ الاِسْتِعَانَةِ بِالصَّبِّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأَِنَّهُ الأَْكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ، وَلأَِنَّ الاِسْتِعَانَةَ نَوْعٌ مِنَ التَّنَعُّمِ وَالتَّكَبُّرِ، وَذَلِكَ لاَ يَلِيقُ بِالْمُتَعَبِّدِ، وَالأَْجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ، وَهِيَ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَقِيل: تُكْرَهُ، وَالاِسْتِعَانَةُ بِغَسْل الأَْعْضَاءِ لاَ بِالصَّبِّ مَكْرُوهَةٌ، أَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِإِحْضَارِ الْمَاءِ فَهِيَ لاَ بَأْسَ بِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ فَلاَ تَكُونُ الاِسْتِعَانَةُ خِلاَفَ الأَْوْلَى وَلاَ مَكْرُوهَةً دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، بَل قَدْ تَجِبُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّطَهُّرُ إِلاَّ بِهَا وَلَوْ بِبَذْل أُجْرَةٍ مَثَلًا.
وَالْمُرَادُ بِتَرْكِ الاِسْتِعَانَةِ الاِسْتِقْلاَل بِالأَْفْعَال لاَ طَلَبُ الإِْعَانَةِ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ أَعَانَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَإِذَا اسْتَعَانَ بِالصَّبِّ فَلْيَقِفِ الْمُعِينُ عَلَى يَسَارِ الْمُتَوَضِّئِ لأَِنَّهُ أَعْوَنُ وَأَمْكَنُ وَأَحْسَنُ أَدَبًا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ عَدَمُ
_________
(١) حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال: " صَبَبْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَاءَ فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ١٣٨ ط الْحَلَبِيّ)، وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (١ / ٢٩٤ ط الْعِلْمِيَّة) .
اسْتِعَانَةِ الْمُتَوَضِّئِ بِغَيْرِهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ، وَأَمَّا اسْتِعَانَتُهُ ﷺ بِالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ فَكَانَتْ لِتَعْلِيمِ الْجَوَازِ.
وَقَال ابْنُ مَوْدُودٍ: يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي وُضُوئِهِ بِغَيْرِهِ إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ؛ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِثَوَابِهِ وَأَخْلَصَ لِعِبَادَتِهِ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَظَاهِرُ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ أَصْلًا إِذَا كَانَتْ بِطِيبِ قَلْبٍ وَمَحَبَّةٍ مِنَ الْمُعِينِ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ.
وَقَال: حَاصِلُهُ: أَنَّ الاِسْتِعَانَةَ فِي الْوُضُوءِ إِنْ كَانَتْ بِصَبِّ الْمَاءِ أَوِ اسْتِقَائِهِ أَوْ إِحْضَارِهِ فَلاَ كَرَاهَةَ بِهَا أَصْلًا وَلَوْ كَانَتْ بِطَلَبِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْغَسْل وَالْمَسْحِ فَتُكْرَهُ بِلاَ عُذْرٍ. (١)
الْعِشْرُونَ - مَسْحُ الرَّقَبَةِ:
١١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ مَسْحُ الْمُتَوَضِّئِ رَقَبَتَهُ بِظَهْرِ يَدَيْهِ، لِعَدَمِ اسْتِعْمَال بِلَّتِهِمَا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيل: إِنَّهُ سَنَّةٌ.
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، وَالاِخْتِيَار ١ / ٩، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦١، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٦.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: لاَ يُسَنُّ مَسْحُ الرَّقَبَةِ، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ حُكِيَ بِلَفْظِ " قِيل " وَالنَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّقَبَةِ بِدْعَةٌ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُنْدَبُ مَسْحُ الرَّقَبَةِ بِالْمَاءِ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ ﷺ، بَل يُكْرَهُ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ (١) .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ - تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ:
١١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَحْرِيكِ الْخَاتَمِ فِي الْوُضُوءِ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ تَحْرِيكُ الْمُتَوَضِّئِ خَاتَمَهُ الْوَاسِعَ - وَمِثْلُهُ الْقُرْطُ - وَكَذَا الضَّيِّقُ إِنْ عَلِمَ وُصُول الْمَاءِ، وَإِلاَّ فُرِضَ.
وَقَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ تَوَضَّأَ وَكَانَ خَاتَمُهُ ضَيِّقًا فَلاَ بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَهُ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٤، وَفَتْح الْقَدِير ١ / ٣٦، وَالْبَحْر الرَّائِق ١ / ٢٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٠ - ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤١، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٣٧، وَالْمُغْنِي ١ / ١٠٧، وَالْخَرَشِيّ ١ / ١٤٠، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٣ - ١٠٤.
يَدْخُل فِيهِ الْمَاءُ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو رَافِعٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ (١) .
وَإِذَا شَكَّ فِي وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ وَجَبَ تَحْرِيكُهُ لِيَتَبَيَّنَ وُصُول الْمَاءِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُهُ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْخَاتَمَ الْمَأْذُونَ فِيهِ لاَ يَجِبُ نَزْعُهُ وَلاَ تَحْرِيكُهُ فِي الْوُضُوءِ وَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا لاَ يَصِل الْمَاءُ تَحْتَهُ، فَإِنْ نَزَعَهُ غَسَل مَحَلَّهُ إِنْ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ الْمَاءَ وَصَل تَحْتَهُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَيَجِبُ نَزْعُهُ إِنْ كَانَ حَرَامًا وَأَجْزَأَ تَحْرِيكُهُ إِنْ كَانَ وَاسِعًا. (٢)
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ - الْبَدْءُ بِمُقَدَّمِ الأَْعْضَاءِ:
١١٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ فِي الْوُضُوءِ الْبَدْءُ بِأَعْلَى الْوَجْهِ، وَأَطْرَافِ الأَْصَابِعِ، وَمُقْدَّمِ الرَّأْسِ.
_________
(١) حَدِيث أَبِي رَافِع: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ. . " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ١٥٣ ط الْحَلَبِيّ) وَضَعْف إِسْنَادِهِ الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (١ / ١١٧ ط دَار الْجِنَان) .
(٢) الدُّرُّ الْمُخْتَار ١ / ٨٦، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٨، وَالشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٠٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وَالْمُغْنِي ١ / ١٠٨.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ الْبَدْءُ فِي الْغُسْل أَوِ الْمَسْحِ بِمُقَدَّمِ الْعُضْوِ، بِأَنْ يَبْدَأَ فِي الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ نَازِلًا إِلَى ذَقْنِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، وَيَبْدَأُ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إِلَى نُقْرَةِ الْقَفَا، (١) وَفِي الرَّجُل مِنَ الأَْصَابِعِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. (٢)
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ - عَدَمُ الْكَلاَمِ:
١١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمَ الْمُتَوَضِّئُ أَثْنَاءَ وُضُوئِهِ بِلاَ حَاجَةٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلاَمُ عَلَى الْوُضُوءِ.
وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هُنَا تَرْكُ الأَْوْلَى.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْكَرَاهَةُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ (٣) .
(٣)
_________
(١) نَقْرَة الْقَفَا: حُفْرَةٌ فِي آخِرِ الدِّمَاغِ (الْمِصْبَاح الْمُنِير) .
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٨، وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٥، وَالشَّرْح الصَّغِير ١ / ١٢٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢.
(٣) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦٨، وَفَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٣٧، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ١ / ١٢١، وَالشَّرْح الصَّغِير ١ / ١٢٦.
السَّلاَمُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ وَرَدُّهُ:
١١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِلْقَاءِ السَّلاَمِ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ وَحُكْمِ رَدِّهِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ السَّلاَمُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ كَمَا يُشْرَعُ رَدُّهُ. قَال شَيْخُ الإِْسْلاَمِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْرَعُ السَّلاَمُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ.
قَال فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلاَمِ الأَْكْثَرِ لاَ يُكْرَهُ السَّلاَمُ وَلاَ الرَّدُّ وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَل؛ لِفِعْلِهِ ﷺ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ أَمَّ هَانِئٍ ﵂ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِل، فَقَال: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: أَمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَال: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ (١) .
وَقَال أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُكْرَهُ السَّلاَمُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلاَمَ. (٢)
_________
(١) حَدِيثُ أَمِّ هَانِئٍ: " أَنَّهَا سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِل " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (الْفَتْحُ ١ / ٣٥٧)، وَمُسْلِمٌ (١ / ٤٩٨) .
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وَحَاشِيَة الشبراملسي عَلَى نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ ١ / ١٨٠، وَحَاشِيَة الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ١ / ١٣٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٤، وَالإِْنْصَاف ١ / ١٣٨، وَالدُّسُوقِيّ ١ / ١٩٩، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الْخَرَشِيّ ١ / ٢٣٦.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ - الدُّعَاءُ عِنْدَ كُل عُضْوٍ:
١١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ غَسْل أَوْ مَسْحِ الأَْعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَوْل الدُّعَاءِ عِنْدَ كُل عُضْوٍ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ غَسْل كُل عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَدُعَاءُ الأَْعْضَاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالأَْفْقَهْسِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ أَنْ يَقُول بَعْدَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
وَعِنْدَ الاِسْتِنْشَاقِ: اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلاَ تُرِحْنِي رَائِحَةَ النَّارِ.
وَعِنْدَ غَسْل الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.
وَعِنْدَ غَسْل يَدِهِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي
بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا.
وَعِنْدَ غَسْل يَدِهِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لاَ تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلاَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي.
وَعِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ: اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي تَحْتَ عَرْشِكَ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظَل عَرْشِكَ.
وَعِنْدَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
وَعِنْدَ مَسْحِ عُنُقِهِ: اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ.
وَعِنْدَ غَسْل رِجْلِهِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِل الأَْقْدَامُ.
وَعِنْدَ غَسْل رِجْلِهِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ اجْعَل ذَنْبِي مَغْفُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَتِجَارَتِي لَنْ تَبُورَ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْوَارِدَ مِنَ الدُّعَاءِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١) مِنْ طُرُقٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا - فَارْتَقَى إِلَى مَرْتَبَةِ الْحُسْنِ كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ - فَيُعْمَل بِهِ، وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ يُعْمَل بِهِ فِي فَضَائِل الأَْعْمَال بِشَرْطِ عَدَمِ شِدَّةِ
_________
(١) حَدِيث: " الذِّكْر عِنْد كُل عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاء "، ذِكْره الْعَيْنِيّ فِي الْبِنَايَةِ (١ / ١٩١ ط الْفِكْر) وَخَرَجَ طَرْقه وَذِكْر عِلَّة كُلّ طَرِيقٍ مِنْهَا.