الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
الإِْصْبَعِ مِنَ الأُْذُنِ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ مَسْحُ الأُْذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَيَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ مَاءً جَدِيدًا، وَيُشْتَرَطُ فِي تَحْصِيل السُّنَّةِ تَرْتِيبُ الأُْذُنِ عَلَى الرَّأْسِ - قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: كَمَا هُوَ الأَْصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ - وَلَوْ أَخَذَ بِأَصَابِعِهِ مَاءً لِرَأْسِهِ ثُمَّ أَمْسَكَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ وَلَمْ يَمْسَحِ الرَّأْسَ بِهَا بَعْدَ الأُْذُنَيْنِ كَفَى؛ لأَِنَّهُ مَاءٌ جَدِيدٌ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: الأُْذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ (٣) .
وَيُسَنُّ مَسْحُهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ لأُِذُنَيْهِ مَاءً خِلاَفَ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ (٤)، وَالْبَيَاضُ فَوْقَ الأُْذُنَيْنِ
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ الدُّسُوقِيّ ١ / ٩٨، والشرح الصَّغِير ١ / ١٢٠، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢٤٨.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٠، وتحفة الْمُحْتَاج ١ / ٢٤٣.
(٣) حَدِيث: " الأُْذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٩٣ ط حِمْص) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وحسنه الزيلعي فِي نَصْبِ الرَّايَةِ (١ / ١٨ ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) .
(٤) حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد: " أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. . . " أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (١ / ١٥١ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)، ونقل ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (١ / ٢٨٢ ط الْعِلْمِيَّة) عَنِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ ذَكَرَ رِوَايَة أَصْوَب مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْر الأُْذُنَيْنِ.
دُونَ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، فَيَجِبُ مَسْحُهُ مَعَ الرَّأْسِ، وَكَيْفَ مَسَحَ الأُْذُنَيْنِ أَجْزَأَ كَالرَّأْسِ.
وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِمَا أَنْ يُدْخِل سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِمَا، وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: دَاخَلَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَخَالَفَ بِإِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ (١) وَلاَ يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنَ الأُْذُنَيْنِ بِالْغَضَارِيفِ؛ لأَِنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الأَْصْل لاَ يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، فَالأُْذُنُ أَوْلَى (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَكْفِي مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالأُْذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ، قَال ﷺ: الأُْذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ.
_________
(١) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ. . " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَّة (١ / ١٥١ ط الْحَلَبِيّ) وابْن حِبَّانَ (الإِْحْسَان ٣ / ٣٦٧ ط الرِّسَالَة) وَاللَّفْظ لاِبْن حِبَّانَ، وجود إِسْنَاده النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوعِ (١ / ٤١٥ ط المنيرية) .
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٠٠، والإنصاف ١ / ١٦٢ - ١٦٣، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٦.
وَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ يَضَعُ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَمُدُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؛ لأَِنَّ الاِسْتِيعَابَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
فَلَوْ مَسَحَ الْمُتَوَضِّئُ أُذُنَيْهِ بِالْبَلَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ كَفَى وَكَانَ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَلَكِنَّ مَسْحَهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ أَوْلَى؛ مُرَاعَاةً لِلْخِلاَفِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالسُّنَّةِ اتِّفَاقًا.
وَقَالُوا يُنْدَبُ إِدْخَال خِنْصَرِهِ الْمَبْلُولَةِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ عِنْدَ مَسْحِهِمَا. (١)
ثَامِنًا - تَخْلِيل اللِّحْيَةِ وَشُعُورِ الْوَجْهِ:
١٠٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ - فِي الْجُمْلَةِ - إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِي الْوُضُوءِ تَخْلِيل اللِّحْيَةِ وَسَائِرِ شُعُورِ الْوَجْهِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ وَتَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ (ف٥) فِي غَسْل الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَخْلِيل ف ٦ - ٨) .
تَاسِعًا - تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ:
١٠١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ.
_________
(١) الاِخْتِيَار ١ / ٨، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٢ - ٨٥، وتبيين الْحَقَائِق ١ / ٥ - ٦.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِصْبَع ف ٢ - ٣، وَتَخْلِيل ٢ - ٥) .
عَاشِرًا - التَّثْلِيثُ:
١٠٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ تَثْلِيثَ غَسْل الأَْعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ (١) لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَال: هَذَا وُضُوءٌ لاَ يَقْبَل اللَّهُ تَعَالَى الصَّلاَةَ إِلاَّ بِهِ، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَال: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الأَْجْرَ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا وَقَال: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي (٢)، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَثْلِيث ف٢)
الْحَادِي عَشَرَ - الاِسْتِيَاكُ:
١٠٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْوُضُوءِ؛ لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: (لَوْلاَ أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُل وُضُوءٍ) (٣) . وَقَال الْحَصْكَفِيُّ:
_________
(١) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ١ / ٢٠، والشرح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠١، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦٠، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٢.
(٢) حَدِيث: " تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّة. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف٥.
(٣) حَدِيث: " لَوْلاَ أَنَّ أَشَقَّ عَلَى أُمَّتِي. . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٢ / ٤٦٠ ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وصححه ابْن خُزَيْمَة (١ / ٧٣ ط الْمَكْتَب الإِْسْلاَمِيّ) .
السِّوَاكُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. . . وَهُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا.
وَالْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ السِّوَاكَ مُسْتَحَبٌّ، وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مُقْتَضَى الأَْحَادِيثِ مِنْ مُلاَزَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ لِمَرَضِ مَوْتِهِ، وَقَوْلُهُ: " لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ. . . . . " أَنْ يَكُونَ سُنَّةً، وَهُوَ وَجِيهٌ، لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ، قَالَهُ الدُّسُوقِيُّ (١) .
وَفِي تَعْرِيفِ الاِسْتِيَاكِ، وَحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَحُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ، وَالاِسْتِيَاكِ فِي الْوُضُوءِ، وَلِلصَّائِمِ، وَمَا يُسْتَاكُ بِهِ، وَمَا يُحْظَرُ أَوْ يُكْرَهُ، وَصِفَاتِ السِّوَاكِ، وَالسِّوَاكِ بِغَيْرِ عُودٍ أَوْ بِالإِْصْبَعِ، وَكَيْفِيَّةِ الاِسْتِيَاكِ، وَآدَابِهِ، وَتَكْرَارِهِ، وَأَقَلِّهِ وَأَكْثَرِهِ، وَإِدْمَاءِ السِّوَاكِ لِلْفَمِ، وَ. . . . . . فِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيَاك) .
الثَّانِي عَشَرَ - الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ:
١٠٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَانْظُرْ تَفْصِيل آرَائِهِمْ فِي مُصْطَلَحِ (مَسْح ف ٨ - ١٢، عِمَامَة ف١٣) .
_________
(١) الْهِدَايَة وَشَرْحهَا ١ / ١٥ - ١٦، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٧٧، والشرح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٢، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٥، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٧٣.
الثَّالِثَ عَشَرَ - عَدَمُ الإِْسْرَافِ فِي اسْتِعْمَال الْمَاءِ:
١٠٥ - تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ مَوْضُوعَ الإِْسْرَافِ فِي اسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ فِي حَالَتَيْنِ:
أ - الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ.
ب - حَالَةُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ بِكَثْرَةٍ فِي الْوُضُوءِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَالَتَيْنِ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْرَاف ف ٦ - ٧) .
الرَّابِعَ عَشَرَ - التَّيَامُنُ:
١٠٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّيَامُنِ فِي الْوُضُوءِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ التَّيَامُنَ فِي الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ. (١)
_________
(١) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا مَعَ فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٣، والاختيار ١ / ٩، والبحر الرَّائِق ١ / ٢٨، وتبيين الْحَقَائِق ١ / ٦، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٤، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٨، والشرح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠١، والشرح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٢٣، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦٠ - ٦٢، والإنصاف ١ / ١٣٥، والمغني ١ / ١٠٩، والفروع ١ / ١٥١، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٦ - ١٠٧.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: وَفِي طَهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ (١) .
وَحَكَى عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵄ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ: فَبَدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْل الْيُسْرَى (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّ التَّيَامُنَ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ (٣) .
وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ التَّيَامُنَ سُنَّةٌ؛ لِثُبُوتِ مُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَيْهِ، فَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَكَى وُضُوءَهُ ﷺ صَرَّحُوا بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَذَلِكَ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ؛ لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا يَحْكُونَ وُضُوءَهُ الَّذِي هُوَ دَأْبُهُ وَعَادَتُهُ
_________
(١) حَدِيث عَائِشَة: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّن فِي شَأْنِهِ كُلّه. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٥٢٣) ومسلم (١ / ٢٦٦)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٢) حَدِيث عُثْمَان: " فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: فَبَدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْل الْيُسْرَى ": تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة ٤٩، وَحَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ١٤١ ط حِمْص) .
(٣) حَدِيث: " إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فابدؤوا بِمُيَامِنِكُمْ " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ١٤١ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ونقل ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (١ / ٢٧٩ ط الْعِلْمِيَّة) عَنِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ قَال: هُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُصَحِّحَ.
فَيَكُونُ سُنَّةً؛ وَلِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ: إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ التَّيَامُنَ وَاجِبٌ، حَكَاهَا الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَشَذَّذَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَقِيل يُكْرَهُ تَرْكُهُ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِيَسَارِهِ قَبْل يَمِينِهِ (١) .
الْخَامِسَ عَشَرَ - إِطَالَةُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل:
١٠٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِي الْوُضُوءِ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل، بِأَنْ يَتَجَاوَزَ الْمُتَوَضِّئُ مَوْضِعَ الْفَرْضِ فِي غَسْل الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ.
وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ تَكُونُ بِغَسْلٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَاجِبِ مِنَ الْوَجْهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، وَغَايَتُهَا غَسْل صَفْحَةِ الْعُنُقِ مَعَ مُقَدِّمَاتِ الرَّأْسِ.
وَإِطَالَةُ التَّحْجِيل بِغَسْلٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَاجِبِ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٦٠، رد الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٨٤، والإنصاف ١ / ١٣٥، والمغني ١ / ١٠٩، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٦.
مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، وَغَايَتُهَا اسْتِيعَابُ الْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بَقَاءِ مَحَل الْفَرْضِ وَسُقُوطِهِ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ خَبَرُ: إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيل غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَل (١) .
وَمَعْنَى " غُرًّا مُحَجَّلِينَ ": بِيضُ الْوُجُوهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، كَالْفَرَسِ الأَْغَرِّ وَهُوَ الَّذِي فِي وَجْهِهِ بَيَاضٌ، وَالْمُحَجَّل وَهُوَ الَّذِي قَوَائِمُهُ بِيضٌ، قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُْمَّةِ. (٢)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ تُنْدَبُ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي غَسْل أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَحَل الْفَرْضِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بَل يُكْرَهُ لأَِنَّهُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ دَوَامُ الطَّهَارَةِ وَالتَّجْدِيدِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَيُسَمَّى ذَلِكَ إِطَالَةَ الْغُرَّةِ كَمَا حُمِل عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّ أُمَّتِي يَدْعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَرَّا مُحَجَّلِينَ " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٣٥)، ومسلم (١ / ٢١٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٢) فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦١، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٦، ١٠٩، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٨، والإنصاف ١ / ١٦٨.
يُطِيل غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَل، فَقَدْ حَمَلُوا الإِْطَالَةَ عَلَى الدَّوَامِ، وَالْغُرَّةَ عَلَى الْوُضُوءِ.
وَقَال: وَالْحَاصِل أَنَّ إِطَالَةَ الْغُرَّةِ تُطْلَقُ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَغْسُول، وَتُطْلَقُ عَلَى إِدَامَةِ الْوُضُوءِ، وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل هُوَ الْمَكْرُوهُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي مَطْلُوبٌ عِنْدَهُ، وَحِينَئِذٍ لاَ يَكُونُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ مُعَارِضًا لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ. (١)
(ر: غُرَّة ف ٥) .
السَّادِسَ عَشَرَ - اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ:
١٠٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ آدَابِهِ وَفَضَائِلِهِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يُمْكِنَ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِكُل طَاعَةٍ إِلاَّ لِدَلِيلٍ، كَمَا نَقَل الْمُرْدَاوِيُّ عَنِ الْفُرُوعِ (٢) .
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٣ - ١٠٤، والإنصاف ١ / ١٦٨.
(٢) فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٤، والدر الْمُخْتَار ١ / ٨٤، والدسوقي ١ / ١٠٣، والشرح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٢٢، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٥، والإنصاف ١ / ١٣٨.