الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 72

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

وَانْظُرْ تَفْصِيل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْمَضْمَضَةِ وَأَدِلَّةِ كُل رَأْيٍ وَكَيْفِيَّتِهَا، وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا، وَالْمُبَالَغَةِ فِيهَا، وَحُكْمِهَا لِلصَّائِمِ فِي مُصْطَلَحِ (مَضْمَضَة ف ٢ - ٨) .

رَابِعًا - الاِسْتِنْشَاقُ:

٩٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الاِسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الاِسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ.

وَانْظُرْ تَفْصِيل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ الاِسْتِنْشَاقِ وَأَدِلَّةَ كُل رَأْيٍ وَكَيْفِيَّتَهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَضْمَضَة ف ٣ - ٨، اسْتِنْشَاق ف ٢) .

خَامِسًا - الاِسْتِنْثَارُ:

٩٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِنْثَارَ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِهِ؛ لِحَدِيثِ إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَانْتَثِرْ (١) وَبِمَا وَرَدَ

_________

(١) حَدِيث: " إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَانْتَثِرْ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٤٠ ط الْحَلَبِيّ)، والطبراني فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ (٧ / ٤٢ ط الْعِرَاق) مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن قَيْس، وَاللَّفْظ للطبراني، وقال التِّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: " مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثًا بِثَلاَثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ (١) .

وَالاِسْتِنْثَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: طَرْحُ الْمُتَوَضِّئِ الْمَاءَ مِنَ الأَْنْفِ بِالنَّفَسِ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةَ وَالإِْبْهَامَ مِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَيْهِ عِنْدَ نَثْرِهِ، مُمْسِكًا لَهُ مِنْ أَعْلاَهُ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ، فَإِنْ لَمْ يَضَعْ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ وَلاَ أَنْزَل الْمَاءَ مِنَ الأَْنْفِ بِالنَّفَسِ - وَإِنَّمَا نَزَل الْمَاءُ بِنَفْسِهِ - فَلاَ يُسَمَّى هَذَا اسْتِنْثَارًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَضْعَ الإِْصْبَعَيْنِ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ، وَقِيل: إِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَوْنُ الإِْصْبَعَيْنِ مِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الإِْصْبَعَيْنِ السَّبَّابَةِ وَالإِْبْهَامِ.

وَالاِسْتِنْثَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يُخْرِجَ الْمُتَوَضِّئُ بَعْدَ الاِسْتِنْشَاقِ مَا فِي أَنْفِهِ مِنْ مَاءٍ وَأَذًى بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ اسْتِنْثَارُهُ بِيَسَارِهِ. (٢)

_________

(١) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٩٧) ومسلم (١ / ٢١٠، ٢١١) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن زَيْد.

(٢) حَاشِيَة الطحطاوي عَلَى مَرَاقِي الْفَلاَح ص ٣٩ ورد الْمُحْتَار ١ / ٨٥، والشرح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٩٧ - ٩٨، والشرح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي ١ / ١٢٠، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٨ وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٤.

سَادِسًا: مَسْحُ كُل الرَّأْسِ:

٩٤ - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ فَرْضٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ مَسْحَ كُل الرَّأْسِ.

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ (١) .

وَقَالُوا إِنَّهُ ﷺ قَدْ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، (٢) فَيَكُونُ مَسْحُ الرُّبُعِ فَرْضًا وَيَكُونُ مَسْحُ الْجَمِيعِ سُنَّةً.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِذَا دَاوَمَ عَلَى تَرْكِ اسْتِيعَابِ كُل الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ بِلاَ عُذْرٍ يَأْثَمُ، وَقَالُوا: وَكَأَنَّهُ لِظُهُورِ رَغْبَتِهِ عَنِ السُّنَّةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ لِلْمُتَوَضِّئِ مَسْحُ كُل الرَّأْسِ لِلاِتِّبَاعِ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ. (٣)

_________

(١) حَدِيث: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلّه ". أَخْرَجَهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِهِ (١ / ٨١ ط الْمَكْتَب الإِْسْلاَمِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن زَيْد.

(٢) حَدِيث: " أَنَّ الرَّسُول ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١ / ٢٣٠) مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.

(٣) الاِخْتِيَار ١ / ٨، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٢، والهداية وَشُرُوحهَا ١ / ٢٢ - ٢٣، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٩، وروضة الطَّالِبِينَ ١ / ٦٠.

مَسَائِل تَتَعَلَّقُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ:

أ - تَكْرَارُ الْمَسْحِ

٩٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ مَسْحُ كُل الرَّأْسِ مَرَّةً بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَالَّذِي يُرْوَى مِنَ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسْحِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِذَا مَسَحَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ثَلاَثًا كَانَ مَسْنُونًا.

أَمَّا لَوْ مَسَحَ ثَلاَثًا فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: قِيل يُكْرَهُ، وَقِيل: بِدْعَةٌ، وَقِيل: لاَ بَأْسَ بِهِ.

وَفِي الْخَانِيَّةِ: لاَ يُكْرَهُ وَلاَ يَكُونُ سُنَّةً وَلاَ أَدَبًا، قَال فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ الأَْوْلَى، إِذْ لاَ دَلِيل عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَكِنِ اسْتَوْجَهَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ، وَذَكَرْتُ مَا يُؤَيِّدُهُ فِيمَا عَلَّقْتُهُ عَلَى الْبَحْرِ (١) .

أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: فَيُسَنُّ مَسْحُ كُل الرَّأْسِ ثَلاَثًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. إِذْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ تَثْلِيثُ مَغْسُولٍ وَمَمْسُوحٍ، وَلَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ ثَلاَثًا حَصَل لَهُ التَّثْلِيثُ. (٢)

_________

(١) الاِخْتِيَار ١ / ٨، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٢، والهداية وَشُرُوحهَا ١ / ٢٢ - ٢٣.

(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٩، وروضة الطَّالِبِينَ ١ / ٦٠.

ب - كَيْفِيَّةُ مَسْحِ الرَّأْسِ الْمَسْنُونِ:

٩٦ - الأَْظْهَرُ فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِ الرَّأْسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَمُدَّهُمَا إِلَى الْقَفَا عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ، وَالأُْذُنَانِ عِنْدَهُمْ مِنَ الرَّأْسِ، فَلاَ يَثْبُتُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ قَبْل الاِنْفِصَال.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: السُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيُلْصِقَ سَبَّابَتَهُ بِالأُْخْرَى، وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ، ثُمَّ يَذْهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ إِذَا كَانَ لَهُ شَعْرٌ يَنْقَلِبُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الذَّهَابُ وَالرَّدُّ مَسْحَةً وَاحِدَةً؛ لِعَدَمِ تَمَامِ الْمَسْحَةِ بِالذَّهَابِ.

وَأَمَّا مَنْ لاَ شَعْرَ لَهُ أَوْ لَهُ شَعْرٌ لاَ يَنْقَلِبُ لِقِصَرِهِ أَوْ طُولِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الذَّهَابِ، فَلَوْ رَدَّ لَمْ يُحْسَبْ ثَانِيَةً. وَقَالُوا فِيمَا إِذَا مَسَحَ كُل رَأْسِهِ فَهَل يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ يَكُونُ فَرْضًا وَالْبَاقِي سُنَّةٌ؟ وَجْهَانِ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ

_________

(١) الاِخْتِيَار ١ / ٨، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٢، والهداية وَشَرْحهَا ١ / ٢٢ - ٢٣، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٩، وروضة الطَّالِبِينَ ١ / ٦٠.

الرَّأْسِ لِمَا رَوَى أَبُو حَيَّةَ قَال: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَل كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلاَثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاَثًا، وَغَسَل وَجْهَهُ ثَلاَثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلاَثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، ثُمَّ غَسَل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَال أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طَهُورُ رَسُول اللَّهِ ﷺ. (١)

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. . . " - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - كُلَّهُ ثَلاَثًا. . وَقَال: مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ وَاحِدَةً. (٢)

وَعَنْ أَحْمَدَ: يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ. نَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَكَذَا أُذُنَيْهِ وِفَاقًا. (٣)

وَعَدَّ الْمَالِكِيَّةُ مِنَ السُّنَنِ كَذَلِكَ رَدَّ الْمُتَوَضِّئِ مَسْحَ رَأْسِهِ أَيْ إِلَى حَيْثُ بَدَأَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ بِأَنْ يَعُمَّهُ بِالْمَسْحِ ثَانِيًا بَعْدَ أَنْ عَمَّهُ أَوَّلًا، وَلاَ يَحْصُل التَّعْمِيمُ إِذَا كَانَ الشَّعْرُ طَوِيلًا إِلاَّ بِالرَّدِّ الأَْوَّل، ثُمَّ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ يُعِيدَ

_________

(١) حَدِيث أَبِي حَيَّة: " رَأَيْت عُلْيَا تَوَضَّأَ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٦٧ ٦٨ ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال حَدِيث حَسَن صَحِيح.

(٢) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٩٢ ٩٣ ط حِمْص) .

(٣) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٧ - ٢٩٨.

الْمَسْحَ وَالرَّدَّ، كَذَا قِيل، إِلاَّ أَنَّهُمُ اسْتَظْهَرُوا مَا لِلزُّرْقَانِيِّ - الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ فَجْلَهْ - مِنْ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الرَّدُّ فِي الْمُسْتَرْخِي؛ لأَِنَّ لَهُ حُكْمَ الْبَاطِنِ وَالْمَسْحُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.

قَال الدُّسُوقِيُّ: وَحَاصِل كَلاَمِهِمْ أَنَّ الشَّعْرَ الطَّوِيل إِنَّمَا يُمْسَحُ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، مَرَّةً لِلْفَرْضِ وَمَرَّةً لِلسُّنَّةِ، وَأَنَّ إِدْخَال الْيَدِ تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ هُوَ السُّنَّةُ.

وَمَحَل كَوْنِ الرَّدِّ سُنَّةً: إِنْ بَقِيَ بِيَدِهِ بَلَلٌ مِنَ الْمَسْحِ الْوَاجِبِ وَإِلاَّ لَمْ يُسَنَّ، وَيُكْرَهُ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لِلرَّدِّ؛ وَلِهَذَا لَوْ نَسِيَهُ حَتَّى أَخَذَ الْمَاءَ لِرِجْلَيْهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَلَمْ يَكُنِ الرَّدُّ فَضِيلَةً، فَإِنْ بَقِيَ مَا يَكْفِي بَعْضَ الرَّدِّ فَالظَّاهِرُ أَنْ يُسَنَّ بِقَدْرِ الْبَلَل فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١) وَمُقَابِل الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَسْقُطُ. (٢)

ج - صِفَةُ مَسْحِ الرَّأْسِ:

٩٧ - وَقَالُوا فِي صِفَةِ الْمَسْحِ: يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَيُفْرِغُهُ عَلَى بَاطِنِ يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ

_________

(١) حَدِيث: " إِذَا أَمَرَتْكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فَقُرَّة (٦٥) .

(٢) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٨، ٩٨، ٩٩، والشرح الصغير وحاشية الصَّاوِي ١ / ١٠٨، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص ٢٧.

يَمْسَحُ بِهِمَا رَأْسَهُ، يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِهِ مِنْ أَوَّل مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَقَدْ قَرَنَ أَطْرَافَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى رَأْسِهِ، وَجَعَل إِبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبُ بِيَدَيْهِ مَاسِحًا إِلَى طَرَفِ شَعْرِ رَأْسِهِ مِمَّا يَلِي قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا حَيْثُ بَدَأَ. (١)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الصِّفَةُ الْمَسْنُونَةَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يُمِرُّ يَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَل بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ (٢) . ثُمَّ يُدْخِل سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا.

فَإِنْ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ ذَا شَعْرٍ يَخَافُ أَنْ يَنْتَفِشَ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّهُمَا؛ لأَِنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ، كُل نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ لاَ يُحَرَّكُ الشَّعْرُ عَنْ هَيْئَتِهِ (٣) .

_________

(١) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي ١ / ١٦٤.

(٢) حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسه بِيَدَيْهِ. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٨٩) ومسلم (١ / ٢١١) .

(٣) حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذٍ: " أَنَّ رَسُول ﷺ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا. . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٩١ ط حِمْص) والترمذي (١ / ٤٩ - ط الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لأَِبِي دَاوُد، وَقَال التِّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَسُئِل أَحْمَدُ كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ؟ قَال: هَكَذَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ مِنْهُ بَدَأَ، ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُؤَخَّرِهِ. (١)

سَابِعًا - مَسْحُ الأُْذُنَيْنِ:

٩٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَسْحِ الأُْذُنَيْنِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ مَسْحَ الأُْذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَأَدْخَل إِصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ (٢) .

وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ ظَاهِرَ الأُْذُنَيْنِ هُوَ مَا يَلِي الرَّأْسَ، وَبَاطِنَهَا هُوَ مَا كَانَ مُوَاجِهًا.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهَا خُلِقَتْ كَالْوَرْدَةِ.

_________

(١) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٥ - ٢٩٦.

(٢) حَدِيث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٨٨، ٨٩ ط حِمْص)، مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْن مُعِدِّي كَرَبٍّ، وحسن إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (١ / ٢٨١ ط الْعِلْمِيَّة) .

وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ ظَاهِرَ الأُْذُنَيْنِ هُوَ مَا كَانَ مُوَاجِهًا وَبَاطِنَهُمَا هُوَ مَا يَلِي الرَّأْسَ (١) .

تَجْدِيدُ مَاءٍ لِمَسْحِ الأُْذُنَيْنِ، وَكَيْفِيَّةُ مَسْحِهِمَا:

٩٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَجْدِيدِ مَاءِ مَسْحِ الأُْذُنَيْنِ

فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّهُ يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: السُّنَنُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالأُْذُنَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ثَلاَثٌ: مَسْحُ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وَمَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ، وَتَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا، فَلَوْ مَسَحَهُمَا بِلاَ تَجْدِيدِ مَاءٍ كَانَ آتِيًا بِسُنَّةِ الْمَسْحِ فَقَطْ وَتَارِكًا لِسُنَّةِ تَجْدِيدِ الْمَاءِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ سُنَّةُ مَسْحِ الصِّمَاخَيْنِ؛ إِذْ هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا نَقَل الْمَوَّاقُ عَنِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ.

وَالصِّمَاخُ: هُوَ الثُّقْبُ الَّذِي تَدْخُل فِيهِ رَأَسُ

_________

(١) الاِخْتِيَار ١ / ٨، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٢ - ٨٥، والشرح الْكَبِير ١ / ٩٨، وتحفة الْمُحْتَاج ١ / ٢٤٣، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦٠، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٠، والإنصاف ١ / ١٦٢، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢٤٨.