الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُكْمِلْهُ أَوْ كَمَّلَهُ بِنْيَةٍ أُخْرَى أَوْ بَعْدَ طُولٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي بُطْلاَنِهِ. (١)
ب: الْمُوَالاَةُ:
٨٥ - الْمُوَالاَةُ: هِيَ غَسْل الأَْعْضَاءِ عَلَى سَبِيل التَّعَاقُبِ بِحَيْثُ لاَ يَجِفُّ الْعُضْوُ الأَْوَّل قَبْل الشُّرُوعِ فِي الثَّانِي.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمُوَالاَةِ فِي الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، وَبِهِ قَال مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄، وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَالأَْوْزَاعِيُّ.
(ر: مُوَالاَة ف ٣)
ج: التَّرْتِيبُ:
٨٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ
_________
(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١ / ٥٠، كشاف الْقِنَاع ١ / ٨٦، والإنصاف ١ / ١٥١، معونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٨٣، حاشية الدُّسُوقِيّ ١ / ٩٥، حاشية الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ / ٩٥.
أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْمَسْحِ وَالْغَسْل، هَل هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ وَهُوَ قَوْل عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵃، وَبِهِ قَال قَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّرْتِيبِ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّهَارَةِ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَغْسِل الْوَجْهَ ثُمَّ الْيَدَيْنِ، ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَغْسِل الرِّجْلَيْنِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: (﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾) (١) .
حَيْثُ دَخَل الْمَسْحُ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ وَقُطِعَ حُكْمُ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ؛ لأَِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ إِذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مُتَجَانِسَةً وَغَيْرَ مُتَجَانِسَةٍ جَمَعَتِ الْمُتَجَانِسَةَ عَلَى نَسَقٍ، ثُمَّ عَطَفَتْ غَيْرَهَا، وَلاَ يُخَالِفُونَ ذَلِكَ إِلاَّ لِفَائِدَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَمَا قَطَعَ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ، وَلأَِنَّ الآْيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوُضُوءِ الْوَاجِبِ، لاَ لِلْمَسْنُونِ، حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ السُّنَنِ؛ وَلأَِنَّ كُل مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَكَاهُ مُرَتَّبًا مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي حَكَوْهَا وَفِعْلُهُ
_________
(١) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.
ﷺ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الآْيَةِ، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَشْتَمِل عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَوَجَبَ فِيهَا التَّرْتِيبُ كَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَلَيْسَ مِنْ أَرْكَانِهِ وَلاَ مِنْ وَاجِبَاتِهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالزَّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ؛ لأَِنَّ اللَّهَ ﷾ أَمَرَ فِي الآْيَةِ بِغَسْل أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ وَهِيَ لاَ تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، فَكَيْفَمَا غَسَل الْمُتَوَضِّئُ أَعْضَاءَهُ كَانَ مُمْتَثِلًا لِلأَْمْرِ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ " النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَل وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ " (٢)، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا تَرْتِيبٌ كَالْجَنَابَةِ،
_________
(١) الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٤٤١ وَمَا بَعْدَهَا، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٤، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١٣٦، والإنصاف ١ / ١٣٨، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٧٢ - ٢٧٤، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢٥٠.
(٢) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَل وَجْهَهُ. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٥٩) ومسلم (١ / ٢٠٥) مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان بْن عَفَّان.
وَكَتَقْدِيمِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَال، وَلأَِنَّهُ لَوِ اغْتَسَل الْمُحْدِثُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، فَدَل عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ لاَ يَجِبُ (١) .
(ر: تَرْتِيب ف٤) ٥٠.
د - الدَّلْكُ
٨٧ - الدَّلْكُ لُغَةً: مَصْدَرُ " دَلَكَ "، يُقَال: دَلَكْتُ الشَّيْءَ دَلْكًا مِنْ بَابِ " قَتَل ": مَرَسْتَهُ بِيَدِكَ، وَدَلَكْتَ النَّعْل بِالأَْرْضِ: مَسَحْتَهَا بِهَا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ - كَمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ -: إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ إِمْرَارًا مُتَوَسِّطًا وَلَوْ لَمْ تَزُل الأَْوْسَاخُ وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ قَبْل جَفَافِهِ. (٢)
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الدَّلْكِ فِي الْوُضُوءِ هَل هُوَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ؟
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الدَّلْكَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، زَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَيُبَالِغُ
_________
(١) رَدَّ الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٨٣، والشرح الصَّغِير ١ / ١٢٠، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٤٤١ - ٤٤٧، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢٥٠، والمغني ١ / ١٣٦ - ١٣٧، والإنصاف ١ / ١٣٨، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ٢٧٢ - ٢٧٤.
(٢) الْمِصْبَاح المنير وحاشية الدُّسُوقِيّ ١ / ٩٠ وانظر الْبَحْر الرَّائِق ١ / ٣٠.
فِي الْعَقِبِ خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ، (١) فَقَدْ وَرَدَ: وَيْلٌ لِلأَْعْقَابِ مِنَ النَّارِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: هُوَ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، قَال الْحَطَّابُ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الدَّلْكِ هَل هُوَ وَاجِبٌ أَوْ لاَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْمَشْهُورُ: الْوُجُوبُ وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي حُصُول مُسَمَّى الْغَسْل، قَال ابْنُ يُونُسَ: لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - لِعَائِشَةَ ﵂: وَادْلُكِي جَسَدَكِ بِيَدِكِ (٣)، وَالأَْمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلأَِنَّ عِلَّتَهُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى جَسَدِهِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى غَسْلًا، وَقَدْ فَرَّقَ أَهْل اللُّغَةِ بَيْنَ الْغَسْل وَالاِنْغِمَاسِ.
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٣، ٨٥، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٦٢، وحاشية الدُّسُوقِيّ ١ / ٩٠، والشرح الصَّغِير ١ / ١١٠، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٥٣.
(٢) حَدِيث. " وَيْل لِلأَْعْقَابِ مِنَ النَّارِ ". أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ١٤٣) ومسلم (١ / ٢١٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو.
(٣) حَدِيث عَائِشَة: " ادْلُكِي جَسَدك بِيَدِك ". أَوْرَدَهُ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب الْمَالِكِيُّ فِي الْمَعُونَةِ عَلَى مَذْهَب أَهْل الْمَدِينَةِ (١ / ٢٧ ٢٨ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَيِّ مَصْدَرِ حَدِيثِي، وَلَمْ نَهْت
وَالثَّانِي: نَفْيُ وُجُوبِهِ، وَهُوَ لاِبْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ اسْمِ الْغَسْل بِدُونِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لاَ لِنَفْسِهِ بَل لِتَحَقُّقِ إِيصَال الْمَاءِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ إِيصَال الْمَاءِ لِطُول مُكْثٍ أَجْزَأَهُ، وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لأَِبِي الْفَرَجِ وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ عَزَاهُ لَهُ. (١)
سُنَنُ الْوُضُوءِ:
أَوَّلًا: التَّسْمِيَةُ:
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ وَعِنْدَ غَسْل كُل عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ:
٨٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ) إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَقِيل: إِنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَأَنَّهَا تُكْرَهُ.
_________
(١) مَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ٢١٨.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. (١)
(ر: بَسْمَلَة ف ٦)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَتَحْصُل التَّسْمِيَةُ بِكُل ذِكْرٍ، فَلَوْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّل أَوْ حَمِدَ كَانَ مُقِيمًا لأَِصْل السُّنَّةِ، لَكِنَّ الْوَارِدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَنْقُول عَنِ السَّلَفِ: بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ. وَقِيل: الأَْفْضَل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ، وَفِي الْمُجْتَبِي: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، (٢) وَقَال الْعَيْنِيُّ: الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَكْمَلُهَا كَمَالُهَا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَنِعْمَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَل الْمَاءَ طَهُورًا، وَزَادَ الْغَزَالِيُّ: رَبِّي أَعُوذُ
_________
(١) الشَّرْح الصَّغِير ١ / ١٢٢، وحاشية الدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٣، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٦٨ - ٢٦٩، والإنصاف ١ / ١٢٨ - ١٢٩، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٧، ورد الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٨٦.
(٢) الاِخْتِيَار ١ / ٨، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٧٤ - ٧٥.
(٣) حَدِيث: " الْقَوْل فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْد لِلَّهِ " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِيرِ (١ / ١٣١ ١٣٢ ط الْمَكْتَب الإِْسْلاَمِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وقال ابْن حَجَرٍ فِي لِسَان الْمِيزَان (١ / ٩٨ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُنْكِر.
بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونَ، وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمُ التَّعَوُّذَ قَبْلَهَا.
وَالْمُرَادُ بِأَوَّل الْوُضُوءِ: أَوَّل غَسْل الْكَفَّيْنِ، فَيَنْوِي الْوُضُوءَ وَيُسَمِّي اللَّهَ عِنْدَهُ بِأَنْ يُقْرِنَ النِّيَّةَ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ أَوَّل غَسْلِهِمَا، ثُمَّ يَتَلَفَّظُ النِّيَّةَ، ثُمَّ يُكْمِل غَسْلَهُمَا؛ لأَِنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ سُنَّةٌ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - عَلَى الْمَشْهُورِ -: يَقُول الْمُتَوَضِّئُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ وُضُوئِهِ أَيْ عِنْدَ غَسْل يَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي زِيَادَةٍ: - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - قَوْلاَنِ رُجِّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا، فَابْنُ نَاجِي رَجَّحَ الْقَوْل بِعَدَمِ زِيَادَتِهِمَا، وَالْفَاكِهَانِيُّ وَابْنُ الْمُنِيرِ رَجَّحَا الْقَوْل بِزِيَادَتِهِمَا. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: صِفَةُ التَّسْمِيَةِ أَنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ، لاَ يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، فَلَوْ قَال: بِسْمِ الرَّحْمَنِ أَوِ الْقُدُّوسِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الأَْشْهَرِ، وَقَال الْمُرْدَاوِيُّ: الأُْولَى الإِْجْزَاءُ، وَمَحَل التَّسْمِيَةِ اللِّسَانُ؛ لأَِنَّهَا ذِكْرٌ، وَوَقْتُهَا عِنْدَ أَوَّل الْوَاجِبَاتِ وُجُوبًا وَأَوَّل
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٧.
(٢) الشَّرْح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ١٠٣، والشرح الصَّغِير والصاوي ١ / ١٢٢.
الْمَسْنُونَاتِ اسْتِحْبَابًا (١) .
ب - التَّسْمِيَةُ عِنْدَ غَسْل كُل عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ:
٨٩ - نَصَّ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ غَسْل كُل عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ أَوْ عِنْدَ مَسْحِ مَا يُمْسَحُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَالتَّسْمِيَةُ تَكُونُ بِالصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ وَهِيَ: بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الإِْسْلاَمِ، وَزَادَ بَعْضُهُمُ التَّشَهُّدَ هُنَا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ (٢): قَال فِي الْحِلْيَةِ: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُول حِينَ يَتَوَضَّأُ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُول بِكُل عُضْوٍ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقُول حِينَ يَفْرَغُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُل مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، فَإِنْ قَامَ مِنْ وَقْتِ ذَلِكَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَيَعْلَمُ مَا يَقُول، انْفَتَل مِنْ صِلاَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، ثُمَّ يُقَال لَهُ: اسْتَأْنِفِ الْعَمَل (٣) .
_________
(١) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٩١ - ٩٢، والإنصاف ١ / ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٨٦.
(٣) حَدِيث الْبَرَاء: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُول حِينَ يَتَوَضَّأُ. . " قَال الْعَيْنِيّ فِي الْبِنَايَةِ (١ / ١٩١ ط دَار الْفِكْرِ): رَوَاهُ الْمُسْتَغْفَرِي، وَإِسْنَاده وَاهٍ.
وَنَصَّ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُل عُضْوٍ. (١)
ثَانِيًا: غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ:
٩٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ غَسْل الْيَدَيْنِ الطَّاهِرَتَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ صِفَةَ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: " دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَل يَمِينَهُ فِي الإِْنَاءِ (٢) .
وَإِنْ كَانَتَا نَجِسَتَيْنِ فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا اتِّفَاقًا.
(ر: رُسْغ ف ٢، كَفّ ف ٣، نَوْم، يَد) .
ثَالِثًا: الْمَضْمَضَةُ:
٩١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْمَضْمَضَةُ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ.
_________
(١) الْفُرُوع ١ / ١٥٢، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٤، ومطالب أُولِي النُّهَى ١ / ١٢١ - ١٢٢.
(٢) حَدِيث: " عُثْمَان ﵁ فِي صِفَة وَضَوْء النَّبِيّ ﷺ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢٠٥) .