الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ غَسْل الرَّأْسِ مِنْ مَسْحِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى مَسْحًا، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ أَمَرَّ يَدَهُ. (١)
حَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ بَعْدَ الْوُضُوءِ:
٧٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ رَأْسِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْوُضُوءِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُعَادُ الْوُضُوءُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ؛ لأَِنَّ الْمَسْحَ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ لَيْسَ بَدَلًا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَسْحِ الْبَشَرَةِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمْ يَجُزْ. . . وَلاَ يُعَادُ بَل الْمَحَل بِذَلِكَ.
وَحُكِيَ فِي رَأْيٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَجِبُ إِعَادَةُ مَسْحِ الرَّأْسِ بَعْدَ الْحَلْقِ، قَال الدُّسُوقِيُّ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ: هُوَ ضَعِيفٌ.
وَحُكِيَ وُجُوبُ الإِْعَادَةِ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ أَلْحَقَهُ بِخَلْعِ الْخُفِّ بَعْدَ مَسْحِهِ.
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٦، والشرح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ٨٩، والشرح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي ١ / ١٠٨، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣، نهاية الْمُحْتَاج ١ / ١٥٩، معونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٧، والإنصاف ١ / ١٥٩.
وَعَنِ ابْنِ رَجَبٍ: اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ أَنْ يَمَسَّهُ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُوجِبْهُ. (١)
تَكْرَارُ الْمَسْحِ:
٧٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الرَّأْسِ يَكُونُ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لأَِنَّهُ بِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلًا، وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْمَسْحُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ. . . لأَِنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ أَنَّ مَسْحَ رَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا قَال أَبُو دَاوُدَ: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُل عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا وَقَالُوا فِيهَا: " وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ " وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ. . . لاَ يُقَال: إِنَّهُ ﷺ مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَثَلاَثًا لِيُبَيِّنَ الْفَضِيلَةَ؛ لأَِنَّ قَوْل الرَّاوِي: هَذَا طَهُورُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدُل عَلَى أَنَّ طَهُورَهُ عَلَى الدَّوَامِ. (٢)
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦٩، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٠، والشرح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ٨٩.
(٢) الاِخْتِيَار ١ / ٧، والدر الْمُخْتَار ١ / ٦٧، والتاج وَالإِْكْلِيل ١ / ٢٦١، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٠ - ١٠١، والإنصاف ١ / ١٦٣.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَثْلِيثُ مَسْحِ الرَّأْسِ. (١)
الشُّعُورُ الْمَضْفُورَةُ:
٨٠ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا ضُفِّرَ مِنَ الشَّعْرِ بِنَفْسِهِ لاَ يُنْقَضُ فِي الْوُضُوءِ مُطْلَقًا. . اشْتَدَّ أَمْ لاَ، وَمَا ضُفِّرَ بِخُيُوطٍ ثَلاَثَةٍ يَجِبُ نَقْضُهُ مُطْلَقًا. . اشْتَدَّ أَمْ لاَ، وَمَا ضُفِّرَ بِأَقَل مِنْهَا يَجِبُ نَقْضُهُ إِنِ اشْتَدَّ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ فَلاَ يَجِبُ نَقْضُهُ.
وَنَبَّهَ الصَّاوِيُّ عَلَى أَنْ يَنْفَعَ النِّسَاءَ فِي الْوُضُوءِ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)
الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ:
٨١ - فِي إِجْزَاءِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ - مَعَ مَسْحِ الْفَرْضِ مِنَ الرَّأْسِ أَوْ بَدَلًا عَنْهُ - أَوْ عَدَمِ إِجْزَائِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (مَسْح ف ٨ - ١٢، عِمَامَة ف١٣) .
الْفَرْضُ الرَّابِعُ: غَسْل الرِّجْلَيْنِ:
٨٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي غَسْل الرِّجْلَيْنِ أَوْ
_________
(١) شَرْح الْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ ١ / ٥٣.
(٢) الشَّرْح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ٨٨، والشرح الصَّغِير والصاوي ١ / ١٠٨ - ١٠٩.
مَسْحِهِمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الْوُضُوءِ غَسْل الرِّجْلَيْنِ الظَّاهِرَتَيْنِ السَّلِيمَتَيْنِ - غَيْرِ الْمَسْتُورَتَيْنِ بِخُفٍّ أَوْ جَبِيرَةٍ - إِلَى الْكَعْبَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ " (١) وَلِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهَا: ثُمَّ غَسَل رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَل الْيُسْرَى مِثْل ذَلِكَ (٢)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ثُمَّ غَسَل كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: ثُمَّ يَغْسِل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٤) قَال الْبَيْهَقِيُّ:
_________
(١) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.
(٢) حَدِيث: " غَسْل رِجْلِهِ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثًا. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٥٩) ومسلم (١ / ٢٠٤) مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان بْن عَفَّان وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.
(٣) حَدِيث: " ثُمَّ غَسَل كُل رَجُل ثَلاَثًا. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٦٦) مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان بْن عَفَّان.
(٤) حَدِيث: " ثُمَّ يَغْسِل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٥٧١) مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْن عبسة دون قَوْله: كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (١ / ٨١) .
وَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِهِمَا؛ وَلأَِنَّ الرِّجْلَيْنِ عُضْوَانِ مَحْدُودَانِ، فَكَانَ وَاجِبُهُمَا الْغَسْل كَالْيَدَيْنِ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي غَسْل الرِّجْلَيْنِ، (١) وَأَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ بِخِنْصَرِهِ مَا بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، (٢) وَهَذَا يَدُل عَلَى وُجُوبِ الْغَسْل، فَإِنَّ الْمَمْسُوحَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الاِسْتِيعَابِ وَالدَّلْكِ، (٣) وَقَال الْكَاسَانِيُّ: قَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَسَل رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، لاَ يَجْحَدُهُ مُسْلِمٌ، فَكَانَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ بَيَانَ الْمُرَادِ بِالآْيَةِ (٤) .
_________
(١) حَدِيث: " أَمْر النَّبِيِّ ﷺ بِتَخْلِيل الصَّابِع فِي غَسْل الرِّجْلَيْنِ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٥٦ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيث لَقِيط بْن صَبْرَة، وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدُلُّك بِخِنْصَرِهِ مَا بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (١ / ٧٧ دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْن شَدَّاد وَنَقَل الْبَيْه
(٣) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا مَعَ فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٠، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦٧ - ٨٠، والاختيار لِتَعْلِيل الْمُخْتَارِ ١ / ٧، والشرح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٩، والشرح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٠٩ - ١١٠، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣ - ٥٤، ٦٠، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠١ - ١٠٢، والإنصاف ١ / ١٦٤ - ١٦٥.
(٤) بَدَائِع الصَّنَائِع ١ / ٦.
وَثَبَتَ غَسْل الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ بِالإِْجْمَاعِ، قَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى غَسْل الْقَدَمَيْنِ (١) .
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: غَسْل الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَرْضُهَا عَنْ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ الْغَسْل دُونَ الْمَسْحِ. (٢)
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنْ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ غَسْل الرِّجْلَيْنِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ (٣) .
الْقَوْل الثَّانِي: فَرْضُ الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحُ دُونَ الْغَسْل، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ثُمَّ دَخَل الْمَسْجِدَ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ. (٤)
وَقَدْ ثَبَتَ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ، (٥) فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَال: اغْسِلُوا الأَْقْدَامَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَال: قَرَأَ عَلَيَّ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا: فَقَرَآ (﴿وَأَرْجُلَكُمْ
_________
(١) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَّامَهُ ١ / ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) الْحَاوِي للماوردي ١ / ١٤٨.
(٣) الْمَجْمُوع ١ / ٤١٧، وانظر فَتْح الْبَارِي ١ / ٢٦٦ وانظر نَيْل الأَْوْطَار ١ / ١٦٨.
(٤) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَّامَهُ ١ / ١٣٣.
(٥) نَيْل الأَْوْطَار ١ / ١٦٨.
إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾) (١) فَسَمِعَ عَلِيٌّ ﵁ ذَلِكَ وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَقَال: (وَأَرْجُلَكُمْ) هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ مِنَ الْكَلاَمِ (٢) .
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال " مَا أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلاَّ غَسْلَتَيْنِ وَمَسْحَتَيْنِ " (٣) .
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: ثَبَتَ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ، (٤) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا (فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) بِالنَّصْبِ، وَقَال: عَادَ الأَْمْرُ إِلَى الْغُسْل. (٥)
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ قَوْل الْحَجَّاجِ " اغْسِلُوا الْقَدَمَيْنِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَخَلِّلُوا مَا بَيْنَ الأَْصَابِعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ إِلَى الْخَبَثِ مِنْ قَدَمَيْهِ " فَقَال أَنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ، وَتَلاَ الآْيَةَ (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قَرَأَهَا جَرًّا (٦) .
وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَال: الْوُضُوءُ مَغْسُولاَنِ وَمَمْسُوحَانِ، فَالْمَمْسُوحَانِ يَسْقُطَانِ
_________
(١) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.
(٢) تَفْسِير الطَّبَرَيْ ٤ / ٤٦٧ - ٤٦٨ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.
(٣) الْمُغْنِي ١ / ١٣٣.
(٤) نَيْل الأَْوْطَار ١ / ١٦٨.
(٥) تَفْسِير الطَّبَرَيْ ٤ / ٤٦٨.
(٦) الْمُغْنِي ١ / ١٣٣، والمجموع ١ / ٤١٨.
فِي التَّيَمُّمِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلطَّبَرِيِّ (١) . .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَالشَّعْبِيِّ ﵃ مِنْ أَنَّ فَرْضَ الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحُ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُول بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا، إِلاَّ مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ قَال: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْل. (٢)
الْقَوْل الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ غَسْل الرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِهِمَا. (٣)
الْقَوْل الرَّابِعُ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْل الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْل وَالْمَسْحِ، بِحُجَّةِ أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِمَا جَمِيعًا مَا أَمْكَنَ، وَأَمْكَنَ هُنَا لِعَدَمِ التَّنَافِي، إِذْ لاَ تَنَافِيَ بَيْنَ الْغَسْل وَالْمَسْحِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. (٤)
وَيَجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِدْخَال الْكَعْبَيْنِ
_________
(١) الْمُحَلَّى لاِبْنِ حَزْم ٢ / ٥٦.
(٢) الْمُغْنِي ١ / ١٣٣.
(٣) ابْن عَابِدِينَ ١ / ٦٧، والبدائع ١ / ٥، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢١١، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٤١٧ وَمَا بَعْدَهَا، والمغني لاِبْنٍ قُدَّامِهِ ١ / ١٣٣، ونيل الأَْوْطَار ١ / ١٦٨.
(٤) الْبَدَائِع ١ / ٥ - ٦، والمجموع ١ / ٤١٧.
فِي غَسْل الرِّجْلَيْنِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ زُفَرُ وَالْكَلاَمُ فِي الْكَعْبَيْنِ نَحْوُ الْكَلاَمِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ. (١)
وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَسْفَل السَّاقِ (٢) (ر: كَعْب ف١ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا: الْفَرَائِضُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فِي الْوُضُوءِ:
أ - النِّيَّةُ:
٨٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لاَ يَصِحُّ الْوُضُوءُ إِلاَّ بِهَا.
وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِيَّة ف ٤٤) .
رَفْضُ نِيَّةِ الْوُضُوءِ:
٨٤ - إِذَا رَفَضَ الْمُتَوَضِّئُ النِّيَّةَ بَعْدَ كَمَال
_________
(١) الْبَدَائِع ١ / ٥ - ٧، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢١١ - ٢١٣، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٤٢١ وَمَا بَعْدَهَا، والمغني لاِبْنٍ قُدَّامِهِ ١ / ١٣٥ - ١٣٦، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٧٢.
(٢) الْبِنَايَة ١ / ١١٠، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢١٢، والحاوي للماوردي ١ / ١٥٣، والمغني لاِبْنٍ قُدَّامِهِ ١ / ١٣٤ - ١٣٥.
الْوُضُوءِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ هَذَا الرَّفْضُ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَلِكَ.
وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَبْطُل، أَمَّا إِذَا رَفَضَهَا أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِفَرْضِيَّتِهَا أَوْ شَرْطِيَّتِهَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: إِذَا نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَبْطُل وَيَسْتَأْنِفُ النِّيَّةَ لِمَا بَقِيَ إِنْ جَوَّزْنَا تَفْرِيقَهَا، وَإِلاَّ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ: يَبْطُل مَا مَضَى مِنَ الطَّهَارَةِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ أَرَادَ الإِْتْمَامَ اسْتَأْنَفَ، وَقِيل: لاَ يَبْطُل مَا مَضَى فِيهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ غَسَل الْبَاقِيَ بِنِيَّةٍ أُخْرَى قَبْل طُول الْفَصْل صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، وَإِنْ طَال انْبَنَى عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالاَةِ وَعَدَمِهِ.
فَأَمَّا إِنْ غَسَل بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ وَبَعْضَهَا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ ثُمَّ أَعَادَ غَسْل مَا نَوَى بِهِ التَّبَرُّدَ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ قَبْل طُول الْفَصْل أَجْزَأَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ: لاَ يُغْتَفَرُ رَفْضُ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ فَيَبْطُل.
وَقِيل: يُغْتَفَرُ الرَّفْضُ فَلاَ يَبْطُل الْوُضُوءُ، وَمَحَل الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ فِي الرَّفْضِ الْوَاقِعِ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا كَمَّلَهُ بِالْقُرْبِ بِالنِّيَّةِ الأُْولَى.