الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَغَسْل بَاطِنِ ثُقْبٍ وَشُقُوقٍ فِيهِمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَوْرٌ فِي اللَّحْمِ، وَإِلاَّ وَجَبَ غَسْل مَا ظَهَرَ مِنْهُ فَقَطْ، وَيُجْزِهِ هَذَا فِي سَائِرِ الأَْعْضَاءِ. (١)
وَيَجِبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فَقَطْ فِي الْوُضُوءِ (خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ)، وَيُحَافِظُ عَلَى عُقَدِ الأَْصَابِعِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بِأَنْ يَحْنِيَ أَصَابِعَهُ، وَعَلَى رُءُوسِ الأَْصَابِعِ بِأَنْ يَجْمَعَهَا وَيَحُكَّهَا بِوَسَطِ الْكَفِّ، وَيَجِبُ مُعَاهَدَةُ تَكَامِيشِ الأَْنَامِل وَنَحْوِهَا، وَلاَ يَجِبُ تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، فَيَشْمَل الْخَاتَمُ الْمُتَعَدِّدَ فِي حَقِّهَا وَمَا كَانَ مُبَاحًا لَهَا مِنْ أَسَاوِرَ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْخَاتَمُ الْمَأْذُونُ فِيهِ ضَيِّقًا لاَ يَدْخُل الْمَاءُ تَحْتَهُ، وَلاَ يُعَدُّ حَائِلًا، بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَالذَّهَبِ لِلرَّجُل أَوِ الْمُتَعَدِّدِ، فَلاَبُدَّ مِنْ نَزْعِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا يَدْخُل تَحْتَهُ الْمَاءُ فَيَكْفِي تَحْرِيكُهُ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّلْكِ بِالْخِرْقَةِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْحَرَامِ كَالذَّهَبِ أَوِ الْمَكْرُوهِ كَالنُّحَاسِ، وَإِنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ نَزْعُهُ عَلَى كُل حَالٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ حَرَامٌ. (٢)
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ ١ / ٥٢.
(٢) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٧ - ٨٨، والشرح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٠٧ - ١٠٧.
غَسْل الْيَدِ الزَّائِدَةِ:
٧٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل يَدٍ زَائِدَةٍ نَبَتَتْ بِمَحَل الْفَرْضِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ إِنْ نَبَتَتِ الْيَدُ الزَّائِدَةُ بِغَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْل مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَل الْفَرْضِ، وَكَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِرْفَقٌ، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِرْفَقٌ تُغْسَل كُلُّهَا.
وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَتَمَيَّزِ الزَّائِدَةُ، فَإِنْ تَمَيَّزَتْ وَجَبَ غَسْلُهَا أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ خُلِقَ لَهُ يَدَانُ عَلَى الْمَنْكِبِ، فَالتَّامَّةُ هِيَ الأَْصْلِيَّةُ يَجِبُ غَسْلُهَا وَالأُْخْرَى زَائِدَةٌ، فَمَا حَاذَى مِنْهَا مَحَل الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهُ، وَمَا لاَ فَلاَ، بَل يُنْدَبُ غَسْلُهُ.
وَصَرَّحَ الْحَصْكَفِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُجْتَبَى: لَوْ
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٤، ابن عَابِدِينَ ١ / ٦٩ - ٧٠، حاشية الصَّاوِي مَعَ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ١ / ١٠٧، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٧، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٢ - ٥٣، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٧، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٣، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ١ / ٥٣، والإنصاف ١ / ١٥٧ - ١٥٨ - ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٣، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٧.
خُلِقَ لَهُ يَدَانِ فَلَوْ يَبْطِشُ بِهِمَا غَسَلَهُمَا، وَلَوْ بِإِحْدَاهُمَا فِي الأَْصْلِيَّةِ فَيَغْسِلُهَا. (١)
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى عِبَارَةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: " لَوْ يَبْطِشُ بِإِحْدَاهُمَا فِي الأَْصْلِيَّةِ وَالأُْخْرَى زَائِدَةٌ لاَ يَجِبُ غَسْلُهَا "، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتْ تَامَّةً، وَفِي النَّهَرِ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا لَوْ كَانَتَا تَامَّتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ أَوْ مُنْفَصِلَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ غَسْلِهِمَا فِي الأَْوَّل وَغَسْل وَاحِدَةٍ فِي الثَّانِي. ثُمَّ قَال: فَلَمْ يَعْتَبِرْ - صَاحِبُ النَّهَرِ - الْبَطْشَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْبَطْشُ أَوَّلًا، فَإِنْ بَطَشَ بِهِمَا وَجَبَ غَسْلُهُمَا وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَتَا تَامَّتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ كَانَتَا مُنْفَصِلَتَيْنِ لاَ يَجِبُ إِلاَّ غَسْل الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا. (٢)
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الْيَدِ الزَّائِدَةِ إِنْ نَبَتَتْ بِغَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ عَنِ الأَْصْلِيَّةِ بِأَنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا زَائِدَةٌ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ بِفُحْشِ قِصَرٍ، وَنَقْصِ أَصَابِعَ، وَضَعْفِ بَطْشٍ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الزَّائِدَةُ مُتَمَيِّزَةً، فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْل مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَل الْفَرْضِ. (٣)
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ١ / ١٣، والبحر الرَّائِق ١ / ١٤، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٤، رد الْمُحْتَار مَعَ الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦٩ - ٧٠.
(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ مَعَ الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦٩ - ٧٠.
(٣) أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٣٣، مغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣.
غَسْل الْجِلْدِ الْمُتَدَلِّي مِنَ الْعَضُدِ:
٧١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَدَلَّتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ غَسْل شَيْءٍ مِنْهَا إِلاَّ مَا يُحَاذِي مَحَل الْفَرْضِ؛ لأَِنَّ اسْمَ الْيَدِ لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ مَحَل الْفَرْضِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ تَقَلَّعَتْ جِلْدَةٌ مِنَ الْعَضُدِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنَ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا كَالإِْصْبَعِ الزَّائِدَةِ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَوْ تَقَلَّصَتْ جِلْدَةٌ مِنَ الْعَضُدِ وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِالذِّرَاعِ غَسْل مَا حَاذَى مَحَل الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَالْمُتَجَافِيَ مِنْهُ لِمَحَل الْفَرْضِ مِنْ بَاطِنِهَا، وَغَسَل مَا تَحْتَهُ؛ لأَِنَّهَا كَالنَّاتِئَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَالْحَنَفِيَّةُ يُوَافِقُونَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ. (٢)
غَسْل الْجِلْدِ الْمُتَدَلِّي مِنَ الذِّرَاعِ:
٧٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَقَلَّصَتْ جِلْدَةُ الذِّرَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا؛ لأَِنَّهَا مِنْهُ. (٣)
وَإِنْ تَقَلَّصَتِ الْجِلْدَةُ مِنَ الذِّرَاعِ وَالْتَحَمَ
_________
(١) الْبِنَايَة ١ / ٩٣، وأسنى الْمَطَالِب ١ / ٣٣، والإنصاف ١ / ١٥٨، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٤.
(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٣٣، مطالب أُولِي النُّهَى ١ / ١١٦، البناية ١ / ٩٣.
(٣) أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٣٣، والإنصاف ١ / ١٥٨، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٤، الخرشي ١ / ١٢٣.
رَأَسُهَا فِي الْعَضُدِ وَجَبَ غَسْل مَا حَاذَى مَحَل الْفَرْضِ مِنْهَا دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ إِنْ تَجَافَتْ عَنْهُ لَزِمَهُ غَسْل مَا تَحْتَهَا أَيْضًا، وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (١)
الْفَرْضُ الثَّالِثُ: مَسْحُ الرَّأْسِ:
٧٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ أَرْكَانِهِ أَوْ فُرُوضِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾) (٢)، وَلِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي وَصْفِ وُضُوئِهِ ﷺ وَخَاصَّةً حَدِيثُ عُثْمَانَ وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) (٣)، وَلإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمَسْحُ هُوَ: إِمْرَارُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ بِالْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ بِلاَ تَسْيِيلٍ (٤) .
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ:
الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ:
٧٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ فِي
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ١ / ١٢، والبناية ١ / ٩٣، أسنى الْمَطَالِب ١ / ٣٣، ومطالب أُولِي النُّهَى ١ / ١١٦، مغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣.
(٢) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.
(٣) حَدِيث عُثْمَان وَفِيهِ: " ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ. . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٥٩) ومسلم (١ / ٢٠٥) .
(٤) التَّعْرِيفَات للرجاني، ورد الْمُخْتَار ١ / ٦٧.
مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفْصِيل:
فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ مَسْحُ جَمِيعِ رَأْسِهِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ شَعْرٍ، وَذَلِكَ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى نُقْرَةِ الْقَفَا، مَعَ مَسْحِ شَعْرِ صُدْغَيْهِ مِمَّا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فِي الْوَجْهِ، وَأَمَّا الْعَظْمُ النَّاتِئُ فَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ، فَلاَ يُمْسَحُ مَعَ الرَّأْسِ بَل يُغْسَل مَعَ الْوَجْهِ.
وَيَدْخُل فِي الرَّأْسِ الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَ وَتَدَيِ الأُْذُنَيْنِ.
وَقَال أَشْهَبُ: يَكْفِي مَسْحُ النِّصْفِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ مَسْحَ النَّاصِيَةِ مُجْزِئٌ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يُجْزِئُ مَسْحُ الثُّلُثَيْنِ، وَقَال أَبُو الْفَرَجِ: يُجْزِئُ مَسْحُ الثُّلُثِ وَيُدْخِل الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ تَحْتَ الشَّعْرِ فِي رَدِّ الْمَسْحِ حَيْثُ طَال: إِذْ لاَ يَحْصُل التَّعْمِيمُ إِلاَّ بِهَذَا الرَّدِّ. وَيُطَالَبُ بِالسُّنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّعْرُ الْقَصِيرُ فَيَحْصُل التَّعْمِيمُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ، فَالرَّدُّ سُنَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّأْسِ شَعْرٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى بِكُلٍّ مِنْ أَثَرِ مَسْحِ الرَّأْسِ
، وَإِلاَّ سَقَطَتْ سُنَّةُ الرَّدِّ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ ظَاهِرِ الرَّأْسِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ، وَقَال الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَأَبُو الْخَطَّابِ: أَكْثَرُهُ الثُّلُثَانِ فَصَاعِدًا، وَالْيَسِيرُ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ، وَأَطْلَقَ الأَْكْثَرَ فَالأَْكْثَرَ فَشَمِل أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: يُجْزِئُ مَسْحُ قَدْرِ النَّاصِيَةِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ.
وَذَكَرَ فِي الاِنْتِصَارِ احْتِمَالًا: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ فِي التَّجْدِيدِ دُونَ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ لِلْمَرْأَةِ دُونَ غَيْرِهَا. (٢)
وَقَالُوا: لَوْ مَسَحَ الْبَشَرَةَ فَقَطْ لَمْ يُجْزِئْ كَمَا لَوْ غَسَل بَاطِنَ اللِّحْيَةِ (٣) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ رُكْنَ الْوُضُوءِ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً فَوْقَ الأُْذُنَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ مَسْحُهُ، وَأَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ رُبُعُ الرَّأْسِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَةُ
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ١ / ٨٨ - ٩٨، والشرح الصَّغِير والصاوي ١ / ١٠٩ - ١٢٠، مواهب الْجَلِيل ١ / ٢٠٢.
(٢) الإِْنْصَاف ١ / ١٦١ - ١٦٢، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٤.
(٣) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٥٩.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهَا مِقْدَارُ ثَلاَثَةِ أَصَابِعَ، رَوَاهَا هِشَامٌ عَنِ الإِْمَامِ، وَقِيل: هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي الْبَدَائِعِ: أَنَّهَا رِوَايَةُ الأُْصُول، وَصَحَّحَهَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي الظَّهِيرَيْنِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ مُسَمَّى مَسْحٍ فَيُجْزِئُ مَسْحٌ لِبَعْضِ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَلَوْ وَاحِدَةً أَوْ بَعْضَهَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ بِأَنْ لاَ يَخْرُجُ بِالْمَدِّ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ، فَلَوْ خَرَجَ بِالْمَدِّ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ لَمْ يَكْفِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَجَمِّعًا بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ لَخَرَجَ عَنِ الرَّأْسِ وَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، أَوْ قَدْرَ بَعْضِ شَعْرهِ مِنَ الْبَشَرَةِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْبَشَرَةِ وَالشَّعْرِ أَصْلٌ فِي الْمَسْحِ؛ وَلِذَا خُيِّرَ بَيْنَهَا عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الرَّأْسِ عُرْفًا؛ لأَِنَّ الرَّأْسَ اسْمٌ لِمَا رَأَسَ وَعَلاَ. (٢)
كَيْفِيَّةُ مَسْحِ الرَّأْسِ الْوَاجِبِ فِي الْوُضُوءِ:
: ٧٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُسْتَعْمَل فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ثَلاَثُ أَصَابِعَ مِنَ
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦٧، وبدائع الصَّنَائِع ١ / ٤، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٥.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٣، وأسنى الْمَطَالِب ١ / ٣٣، نهاية الْمُحْتَاج ١ / ١٥٩، وتحفة الْمُحْتَاج ١ / ٢٠٩.
الْيَدِ، فَلَوْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إِصْبَعَيْنِ لاَ يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ مَسَحَ بِالسَّبَّابَةِ وَالإِْبْهَامِ مَفْتُوحَتَيْنِ فَبَعْضُهُمَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْكَفِّ عَلَى رَأْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُمَا إِصْبَعَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْكَفِّ قَدْرُ إِصْبَعٍ، فَيَصِيرُ ثَلاَثَةَ أَصَابِعَ. وَلَوْ وَضَعَ ثَلاَثَةَ أَصَابِعَ وَلَمْ يَمُدَّهَا جَازَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلاَثِ أَصَابِعَ لاَ الرُّبُعِ، وَلَوْ مَسَحَ بِهَا مَنْصُوبَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ وَلاَ مَمْدُودَةٍ فَلاَ يُجْزِئُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى أَيِّ كَيْفِيَّةٍ فَعَل بِيَدِهِ وَبِحَائِلٍ، قَال فِي الإِْنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَسْحَ بِحَائِلٍ يُجْزِئُ مُطْلَقًا، فَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْمَسْحُ بِخَشَبَةٍ وَخِرْقَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهَا، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً أَوْ بَلَّهَا وَهِيَ عَلَيْهِ - لَمْ يُجْزِئْ فِي الأَْصَحِّ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَصِحَّ. (٢)
مَا نَزَل مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ:
٧٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجِبُ مَسْحُ مَا نَزَل عَنِ الرَّأْسِ مِنَ الشَّعْرِ لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ وَلاَ يُجْزِئُ مَسْحُهُ عَنِ الرَّأْسِ سَوَاءٌ رَدَّهُ فَعَقَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ لَمْ
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٥، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ١ / ٦٧ - ٦٨.
(٢) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٦.
يَرُدَّهُ، وَإِنْ نَزَل الشَّعْرُ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِل عَنْ مَحَل الْفَرْضِ فَمَسَحَ عَلَيْهِ - أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ مَحْلُوقًا كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ دُونَ بَعْضِهِ. (١)
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ: يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَرْخَى مِنَ الشَّعْرِ وَلَوْ طَال جِدًّا؛ لأَِنَّهُ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَيَجِبُ عِنْدَهُمْ - فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ - مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ (٢) .
غَسْل الرَّأْسِ بَدَل مَسْحِهِ:
٧٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّهُ إِنْ غَسَل الْمُتَوَضِّئُ رَأْسًا عِوَضًا عَنْ مَسْحِهِ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ بِأَنْ يُمِرَّ الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ عَلَى الرَّأْسِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يُجْزِئُهُ غَسْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ.
كَمَا نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ غَسْل الرَّأْسِ بَدَلًا مِنْ مَسْحِهِ ابْتِدَاءً؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ الْمَأْمُورِ بِهِ.
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٣، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٥، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٩.
(٢) الشَّرْح الصَّغِير ١ / ١٠٨، والشرح الْكَبِير مَعَ الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٨.