الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
السَّمْعَ إِلَى الْوَجْهِ كَمَا أَضَافَ الْبَصَرَ إِلَيْهِ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الأُْذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ " (١)، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ (٢)، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُمَا إِلَى الْوَجْهِ لِمُجَاوَرَتِهِمَا لَهُ، وَالشَّيْءُ يُسَمَّى بَاسْمِ مَا جَاوَرَهُ. (٣)
غَسْل مَا ظَهَرَ مِنَ الْعُضْوِ بَعْدَ غَسْل مَا فَوْقَهُ:
٦٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ غَسَل ظَاهِرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الشُّعُورِ ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ أَوِ انْقَلَعَتْ مِنْ وَجْهِهِ جِلْدَةٌ بَعْدَ غَسْلِهَا، هَل يَلْزَمُهُ غَسْل مَا ظَهَرَ أَمْ لاَ؟
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ غَسْل مَا ظَهَرَ وَلاَ يُعِيدُ وُضُوءَهُ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ انْتَقَل إِلَى الشَّعْرِ أَصْلًا، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ
_________
(١) حَدِيث: " الأُْذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٩٣ ط حِمْص) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وحسنه الزيلعي فِي نَصْبِ الرَّايَةِ (١ / ١٨ ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) .
(٢) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ مَسَحَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ. . " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (١ / ٧٤ ط الْمَكْتَبَة التِّجَارِيَّة) .
(٣) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ١ / ١١٥، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٠.
غَسَل الْبَشَرَةَ دُونَ الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ وَهُوَ الأَْصَحُّ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَابْنُ جَرِيرٍ إِلَى أَنَّ ظُهُورَ بَشَرَةِ الْوَجْهِ بَعْدَ غَسْل شَعْرِهِ يُوجِبُ غَسْلَهَا قِيَاسًا عَلَى ظُهُورِ قَدَمِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ؛ وَلأَِنَّ غَسْلَهَا كَانَ بَدَلًا عَمَّا تَحْتَهَا (١) .
الْفَرْضُ الثَّانِي: غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ:
٦٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْوُضُوءِ وَفَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) (٢) إِلَى الْمَرَافِقِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَبِمَا رُوِيَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، فَغَسَل وَجْهَهُ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَل يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ " (٣) .
_________
(١) رَدَّ الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦٦، ٦٩، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١١٧، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٨٢، وشرح الزُّرْقَانِيّ ١ / ٦٠ - ٦١.
(٢) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.
(٣) حَدِيث: " أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَل وَجْهَهُ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢١٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الأُْمَّةِ فِي وُجُوبِ غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ (١) .
غَسْل الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ.
٦٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَفِيَّةُ مَا عَدَا زُفَرَ) إِلَى وُجُوبِ غَسْل الْمِرْفَقَيْنِ مَعَ الْيَدَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) (٢)، سَوَاءٌ كَانَ مَعْنَى " إِلَى " الْوَارِدِ فِي الآْيَةِ بِمَعْنَى " مَعَ " فَدُخُول الْمِرْفَقِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْغَايَةِ فَالْحَدُّ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ دَخَل فِيهِ وَأَصْبَحَ شَامِلًا لِلْحَدِّ وَالْمَحْدُودِ.
وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ إِلَى مِرْفَقَيْهِ " (٣)، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ
_________
(١) الْبَدَائِع ١ / ٤، ورد الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦٦ - ٦٧، وحاشية الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ / ٨٧ - ٨٨، والشرح الصَّغِير ١ / ١٠٧، والمجموع النَّوَوِيّ ١ / ٣٨٢، وَمَا بَعْدَهَا، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ٢٢، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٧.
(٢) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.
(٣) حَدِيث: عِبَاد الْعَبْدِي فِي صِفَة وَضَوْء النَّبِيّ ﷺ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ كَمَا فِي مَجْمَع الزَّوَائِد للهيثمي (١ / ٢٢٤ - ط الْقُدْسِيّ) وَقَال الهيثمي: رِجَالُهُ مُوثَقُونَ.
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَل يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ وَغَسَل رِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ ثُمَّ قَال: " هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ " (١) فَثَبَتَ غَسْلُهُ ﷺ الْمِرْفَقَيْنِ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الآْيَةِ وَلَمْ يُنْقَل تَرْكُهُ ذَلِكَ.
وَيَرَى نَفَرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ: أَنَّ الْمِرْفَقَ لاَ يَدْخُل فِي غَسْل الْيَدِ أَيْ لاَ يَجِبُ غَسْلُهُ مَعَ الْيَدِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل الْمِرْفَقَ غَايَةً، فَلاَ يَدْخُل تَحْتَ مَا جُعِلَتْ لَهُ الْغَايَةُ كَمَا لاَ يَدْخُل اللَّيْل تَحْتَ الأَْمْرِ بِالصَّوْمِ (٢) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل) (٣) .
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْمِرْفَقَيْنِ يَدْخُلاَنِ، لاَ لأَِجْل وُجُوبِ غَسْلِهِمَا مَعَ الْيَدَيْنِ، بَل احْتِيَاطًا؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ لاَ يُتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلاَّ
_________
(١) حَدِيث: حَدِيثٌ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ تَوَضَّأَ. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢١٦) .
(٢) البدائع١ / ٤، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ١ / ٦٧، ومواهب الْجَلِيل ١ / ١٩١، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٨٣ وَمَا بعدها والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١٢٢، والإنصاف ١ / ١٥٧.
(٣) سُورَة الْبَقَرَة: ١٨٧.
بِدُخُولِهِمَا. قَال الْحَطَّابُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْل: عَزَاهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ لأَِبِي الْفَرَجِ، وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ، وَإِدْخَالُهُمَا أَحْوَطُ؛ لِزَوَال تَكْلِيفِ التَّحْدِيدِ. (١)
قَطْعُ بَعْضِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الْيَدِ:
٦٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ قُطِعَ بَعْضُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الْيَدِ وَجَبَ غَسْل مَا بَقَى مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " (٢)، وَلأَِنَّ الْمَيْسُورَ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ (٣) .
قَطْعُ الْيَدِ مِنَ الْمِرْفَقِ:
٦٦ - إِذَا قُطِعَتِ الْيَدُ مِنَ الْمِرْفَقِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ غَسْل الْمِرْفَقِ فِي حُكْمِ غَسْل مَوْضِعِ الْقَطْعِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ
_________
(١) مَوَاهِب الْجَلِيل لِلْحَطَّابِ ١ / ١٩١.
(٢) حَدِيث: " إِذَا أَمَرَتْكُمْ بِشَيْءٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. . . . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١٣ / ٢٥١) ومسلم (٣ / ١٨٣٠) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، واللفظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٣) بَدَائِع الصنائع١ / ٤، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ١ / ٦٩، ومواهب الْجَلِيل ١ / ١٩١ - ١٩٣، ومغني الْمُحْتَاج ٢ / ٥٢، وشرح الْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ ١ / ٤٩، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٩٢، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١٢٣.
وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى وُجُوبِ غَسْل الْعَظْمِ الَّذِي هُوَ طَرَفُ الْعَضُدِ؛ لأَِنَّ غَسْل الْعَظْمَيْنِ الْمُتَلاَقِيَيْنِ مِنَ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَاجِبٌ، فَإِذَا زَال أَحَدُهُمَا غُسِل الآْخَرُ؛ وَلأَِنَّهُ مِنَ الْمِرْفَقِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلٍ لِلْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ غَسْل مَوْضِعِ الْقَطْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ طَرَفُ عَظْمِ السَّاعِدِ فَقَطْ، وَوُجُوبُ غَسْل رَأْسِ الْعَضُدِ كَانَ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ وَلأَِنَّ الْمِرْفَقَ فِي الذِّرَاعِ، وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ الْقَطْعُ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ إِنْ عَرَفَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْمِرْفَقِ شَيْءٌ فِي الْعَضُدِ، فَيُغْسَل مَوْضِعُ الْقَطْعِ. (٢)
قَطْعُ الْيَدِ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ:
٦٧ - إِذَا قُطِعَتِ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الْغَسْل؛ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ غَسْل بَاقِي عَضُدِهِ؛ لِئَلاَّ يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ، وَلِتَطْوِيل التَّحْجِيل كَمَا لَوْ كَانَ سَلِيمَ الْيَدِ، وَلأَِنَّ فِي هَذَا الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْعِبَادَةِ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ، كَإِمْرَارِ الْمُحْرِمِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ شَعْرِهِ وَقَالُوا: وَإِنْ قُطِعَ مِنْ مَنْكِبِهِ
_________
(١) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ١٩١ - ١٩٣، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢.
نُدِبَ غَسْل مَحَل الْقَطْعِ بِالْمَاءِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. (١)
غَسْل مَا زَادَ مِنْ إِصْبَعٍ أَوْ كَفٍّ أَوْ يَدٍ:
٦٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلإِْنْسَانِ إِصْبَعٌ أَوْ كَفٌّ زَائِدٌ فِي مَحَل الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الأَْصْلِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا نَابِتَةٌ مِنْهَا، أَشْبَهَتِ الثُّؤْلُول.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا نَبَتَتْ فِي غَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ كَالْمِنْكَبِ أَوِ الْعَضُدِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَل الْفَرْضِ؛ لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَمَا لَمْ يُحَاذِ مِنْهَا مَحَل الْفَرْضِ لاَ يَجِبُ غَسْلُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ مَا نَبَتَ فِي غَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ وَتَمَيَّزَ لاَ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لأَِنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ إِذَا نَزَل عَنِ الْوَجْهِ. (٢)
_________
(١) مَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ١٩١ - ١٩٣، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ١ / ٣٩٢، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٩١ - ٣٩٢، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١٢٣.
(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦٩ - ٧٠، ومواهب الْجَلِيل ١ / ١٩٣ - ١٩٤، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٨٧ - ٣٨٩، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢ - ٥٣، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١٢٣، والإنصاف ١ / ١٥٧، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٩٣.
غَسْل ظُفُرِ الْيَدِ أَوْ مَا تَحْتَهُ:
٦٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ غَسْل ظُفُرِ الْيَدِ وَإِنْ طَال؛ لأَِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِيَدِهِ اتِّصَال خِلْقَةٍ، فَيَدْخُل فِي مُسَمَّى الْيَدِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: لاَ يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ تَحْتَ الظُّفُرِ وَلَوْ مَنَعَ وُصُول الْمَاءِ، قَال الْمُرْدَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ عَادَةً، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَهُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِالْوَسَخِ الْيَسِيرِ تَحْتَ الظُّفُرِ كُل يَسِيرٍ مَنَعَ وُصُول الْمَاءِ حَيْثُ كَانَ مِنَ الْبَدَنِ كَدَمٍ وَعَجِينٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاخْتَارَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَحْتَ الظُّفُرِ.
وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: تَحْتَ ظُفُرٍ وَنَحْوِهِ، فَيَدْخُل فِيهِ الشُّقُوقُ فِي بَعْضِ الأَْعْضَاءِ. (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٢٥، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٧، والإنصاف، بداية الْمُجْتَهِد ١ / ٨، الشرح الصَّغِير ١ / ١٦٦، الشرح الْكَبِير ١ / ٨٨.
الْهِنْدِيَّةِ -: عَلَى أَنَّهُ إِنْ بَقِيَ مِنْ مَوْضِعِ الْوُضُوءِ قَدْرُ رَأْسِ إِبْرَةٍ أَوْ لَزِقَ بِأَصْل ظُفُرِهِ طِينٌ يَابِسٌ أَوْ رَطْبٌ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ تَلَطَّخَ يَدُهُ بِخَمْرٍ أَوْ حِنَّاءٍ جَازَ، وَسُئِل الدَّبُوسِيُّ عَمَّنْ عَجَنَ فَأَصَابَ يَدَهُ عَجِينٌ فَيَبِسَ وَتَوَضَّأَ؟ قَال: يُجْزِيهِ إِذَا كَانَ قَلِيلًا، كَذَا فِي الزَّاهِدِيِّ، وَمَا تَحْتَ الأَْظَافِيرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ عَجِينٌ يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، كَذَا فِي الْخُلاَصَةِ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
ذَكَرَ الشَّيْخُ الإِْمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو نَصْرٍ الصَّفَارُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الظُّفُرَ إِذَا كَانَ طَوِيلًا بِحَيْثُ يَسْتُرُ رَأْسَ الأُْنْمُلَةِ يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا لاَ يَجِبُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ رُءُوسِ الأَْصَابِعِ وَجَبَ غَسْلُهَا قَوْلًا وَاحِدًا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: سُئِل أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ وَافِرِ الظُّفُرِ الَّذِي يَبْقَى فِي أَظْفَارِهِ الدَّرَنُ، أَوِ الَّذِي يَعْمَل عَمَل الطِّينِ، أَوِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صُبِغَ إِصْبَعُهَا بِالْحِنَّاءِ، أَوِ الصِّرَامِ، أَوِ الصِّبَاغِ قَال: كُل ذَلِكَ سَوَاءٌ يُجْزِيهِمْ وُضُوؤُهُمْ؛ إِذْ لاَ يُسْتَطَاعُ الاِمْتِنَاعُ عَنْهُ إِلاَّ بِحَرَجٍ، وَالْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمَدَنِيِّ وَالْقَرَوِيِّ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَكَذَا الْخَبَّازُ إِذَا كَانَ وَافِرَ الأَْظْفَارِ، كَذَا فِي الزَّاهِدِيِّ نَاقِلًا عَنِ الْجَامِعِ الأَْصْغَرِ،
وَالْخِضَابُ إِذَا تَجَسَّدَ وَيَبِسَ يَمْنَعُ تَمَامَ الْوُضُوءِ وَالْغَسْل، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ نَاقِلًا عَنِ الْوَجِيزِ (١) .
وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: فِي الْجَامِعِ الأَْصْغَرِ إِنْ كَانَ وَافِرَ الأَْظْفَارِ وَفِيهَا دَرَنٌ أَوْ طِينٌ أَوْ عَجِينٌ، أَوِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ الْحِنَّاءَ جَازَ الْوُضُوءُ فِي الْقَرَوِيِّ وَالْمَدَنِيِّ، قَال الدَّبُوسِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَقَال الإِْسْكَافُ: يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ إِلاَّ الدَّرَنَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْهُ. وَقَال الصَّفَارُ فِيهِ يَجِبُ الإِْيصَال إِلَى مَا تَحْتَهُ إِنْ طَال الظُّفُرُ، وَهَذَا حَسَنٌ؛ لأَِنَّ الْغَسْل وَإِنْ كَانَ مَقْصُورًا عَلَى الظَّوَاهِرِ لَكِنْ إِذَا طَال الظُّفُرُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ عُرُوضِ الْحَائِل كَقَطْرَةِ شَمْعَةٍ وَنَحْوِهِ؛ لأَِنَّهُ عَارِضٌ. وَفِي النَّوَازِل يَجِبُ فِي الْمِصْرِيِّ لاَ الْقَرَوِيُّ؛ لأَِنَّ دُسُومَةَ أَظْفَارِ الْمِصْرِيِّ مَانِعَةٌ وُصُول الْمَاءِ، بِخِلاَفِ الْقَرَوِيِّ وَلَوْ لَزِقَ بِأَصْل ظُفُرِهِ طِينٌ يَابِسٌ وَنَحْوُهُ، أَوْ بَقِيَ قَدْرُ رَأْسِ الإِْبْرَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْغَسْل لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ رُءُوسِ الأَْصَابِعِ وَجَبَ غَسْلُهَا قَوْلًا وَاحِدًا. (٢)
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الشَّعْرِ عَلَى الْيَدَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَ؛ لِنُدْرَتِهِ،
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٤.
(٢) فَتْح الْقَدِير ١ / ١٣.