الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 66

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

وَهَذَا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلاَ بُدَ فِيهِ مِنَ التَّمْيِيزِ (١) .

هـ - عَدَمُ الصَّارِفِ عَنِ الْوُضُوءِ:

٤٢ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ عَدَمَ صَارِفٍ عَنِ الْوُضُوءِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِدَوَامِ النِّيَّةِ حُكْمًا: بِأَنْ لاَ يَأْتِيَ بِمُنَافٍ لِلنِّيَّةِ كَرِدَّةٍ أَوْ قَوْل: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ بِنِيَّةِ التَّبَرُّكِ أَوْ قَطْعٍ لِلنِّيَّةِ (٢) .

و جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ:

٤٣ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ جَرْيَ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، وَقَالُوا: لاَ يَمْنَعُ مَنْ عَدَّ هَذَا شَرْطًا كَوْنَهُ مَعْلُومًا مِنْ مَفْهُومِ الْغُسْل؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ النَّضْحَ (٣) .

ز - النِّيَّةُ:

٤٤ - عَدَّ الْحَنَابِلَةُ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ النِّيَّةَ لِخَبَرِ إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٤) أَيْ لاَ عَمَل

_________

(١) البجيرمي عَلَى الْخَطِيبِ ١ / ١١٥

(٢) حَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٠١، وحاشية البجيرمي عَلَى الْخَطِيبِ ١ / ١١٥، وتحفة الْمُحْتَاج مَعَ حَاشِيَة الشرواني ١ / ١٨٨ - ١٨٩

(٣) حَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٠١، وحاشية البجيرمي عَلَى الْمَنْهَجِ ١ / ٦٤، وحاشية الشرواني عَلَى التُّحْفَةِ ١ / ١٨٨

(٤) حَدِيث: " إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ. . ". أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٩)، ومسلم (٣ / ١٥١٥) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ

جَائِزٌ وَلاَ فَاضِلٌ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَلأَِنَّ النَّصَّ دَل عَلَى الثَّوَابِ فِي كُل وُضُوءٍ وَلاَ ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ؛ وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ وَمِنْ شُرُوطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ؛ لأَِنَّ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِلاَّ مِنَ الشَّارِعِ فَهُوَ عِبَادَةٌ (١) .

ح - إِبَاحَةُ الْمَاءِ:

٤٥ - يَرَى الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ إِبَاحَةَ الْمَاءِ لِحَدِيثِ: مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (٢) فَلاَ يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ مُحَرَّمِ الاِسْتِعْمَال كَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَتُكْرَهُ (٣) .

شُرُوطُ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ:

٤٦ - يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِوُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ - وَهُوَ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ كَسَلَسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ - دَخَل الْوَقْتُ وَلَوْ ظَنًّا؛ لأَِنَّ طَهَارَتَهُ طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَتَقْدِيمِ الاِسْتِنْجَاءِ أَوِ الاِسْتِجْمَارِ.

_________

(١) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٧٧

(٢) حَدِيث: " مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ٥ / ٣٠١)، ومسلم (٣ / ١٣٤٤) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

(٣) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٧٩، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٨٥، والإنصاف ١ / ٢٨ ٢٩.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ اشْتِرَاطَ التَّحَفُّظِ حَيْثُ احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا الْمُوَالاَةَ بَيْنَ الاِسْتِنْجَاءِ وَالتَّحَفُّظِ، وَالْمُوَالاَةَ بَيْنَ أَفْعَال الْوُضُوءِ، وَالْمُوَالاَةَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ (١) .

وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سَلَس ف ٥)، (وَاسْتِحَاضَة ف ٣٠ وَمَا بَعْدَهَا)

أَسْبَابُ الْوُضُوءِ:

٤٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَرَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ سَبَبَ فَرِيضَةِ الْوُضُوءِ إِرَادَةُ الصَّلاَةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا﴾ . . .) (٢)، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ. (٣)

_________

(١) حَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٠١، وحاشية البجيرمي عَلَى الْخَطِيبِ ١ / ١١٦، والروض الْمُرْبِع ١ / ٢١، ومعونة أُولِي النُّهَى ١ / ٢٨٠، وتحفة الْمُحْتَاج ١ / ١٨٩.

(٢) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.

(٣) الاِخْتِيَار لِتَعْلِيل الْمُخْتَارِ ١ / ٧، وانظر فَتْح الْبَارِي ١ / ٢٣٢، والدر الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ ١ / ٥٧ - ٥٨، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٤٧، وفتح الْقَدِير ١ / ٧، وبداية الْمُجْتَهِد ١ / ٥، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٨٤.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، فَلَوْلاَهُ لَمْ يَجِبِ الْوُضُوءُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ إِلَى أَنَّ مُوجِبَ الْوُضُوءِ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلاَةِ أَوْ نَحْوَهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ.

وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - نُقِل عَنِ الْفُرُوعِ - أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِدُخُول الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ. (١)

فُرُوضُ الْوُضُوءِ:

٤٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْل الْوَجْهِ، وَغَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحَ الرَّأْسِ، وَغَسْل الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي عَدِّ النِّيَّةِ وَالْمُوَالاَةِ (وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ) وَالتَّرْتِيبِ وَالدَّلْكِ مِنْ فَرَائِضِهِ.

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٧، والمجموع ١ / ٤٦٦، وتحفة الْمُحْتَاج ١ / ١٨٦، وحاشية البجيرمي ١ / ١١٥، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٨٤، والإنصاف ١ / ١٩٤، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ١ / ٤٩.

وَنُوَضِّحُ كُل فَرْضٍ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوضِ فِيمَا يَلِي (١):

أَوَّلًا: الْفَرَائِضُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فِي الْوُضُوءِ:

الْفَرْضُ الأَْوَّل: غَسْل الْوَجْهِ:

٤٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْل ظَاهِرِ الْوَجْهِ بِكَامِلِهِ مَرَّةً فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ . . .) (٢) .

وَلِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَل كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَل وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَل رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل الْيُسْرَى مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ

_________

(١) الدَّرّ الْمُخْتَار ١ / ٦٣ - ٦٤، وفتح الْقَدِير ١ / ٧ - ٩، وحاشية الصَّاوِي مَعَ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ١ / ١٠٤، ومواهب الْجَلِيل ١ / ١٨٠ - ١٨٢، وحاشية الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ١ / ١٠٢، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٤٧، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٨٣ - ٨٤.

(٢) سُورَة الْمَائِدَة: ٦.

تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا (١) .

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ غَسْل الْوَجْهِ بِكَامِلِهِ فِي الْوُضُوءِ (٢) .

الْمُجْزِئُ مِنَ الْغَسْل فِي الْوُضُوءِ:

٥٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُجْزِئِ مِنَ الْغَسْل فِي الْوُضُوءِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: (الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّهُ يَكْفِي فِي غَسْل الأَْعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الأَْعْضَاءِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الدَّلْكُ، وَانْفَرَدَ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ بِاشْتِرَاطِهِ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: غَسْل الْوَجْهِ هُوَ إِسَالَةُ الْمَاءِ مَعَ التَّقَاطُرِ وَلَوْ قَطْرَةً، حَتَّى لَوْ لَمْ يَسِل، بِأَنِ اسْتَعْمَلَهُ اسْتِعْمَال الدُّهْنِ لَمْ يَجُزْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالثَّلْجِ وَلَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: هُوَ مُجَرَّدُ بَل الْمَحَل بِالْمَاءِ. . سَال أَوْ لَمْ يَسِل.

_________

(١) حَدِيث: " أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان دَعَا بِوُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢٠٤ - ٢٠٥) .

(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ مَعَ الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦٢، والمنتقى شَرْح الْمُوَطَّأ ١ / ٣٥، وحاشية البجيرمي عَلَى الْخَطِيبِ ١ / ١٢٦، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٨٣، وشرح النَّوَوِيّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ٣ / ٩٠، ٩١، ٩٢.

وَنَقَل ابْنُ الْهُمَامِ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ إِذَا سَال عَلَى الْعُضْوِ وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ.

وَنَقَل الْحَصْكَفِيُّ عَنِ الْفَيْضِ أَنَّ أَقَلَّهُ قَطْرَتَانِ فِي الأَْصَحِّ.

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: الْغَسْل هُوَ إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ مُقَارِنًا لِلْمَاءِ أَوْ عَقِبَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُرَادُ بِالْغَسْل الاِنْغِسَال، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْل الْمُتَوَضِّئِ أَمْ بِفِعْل غَيْرِهِ، أَمْ بِغَيْرِ فِعْلٍ أَصْلًا - كَأَنْ يَنْزِل عَلَيْهِ الْمَطَرُ - وَلَوْ بِغَسْل غَيْرِهِ بِلاَ إِذْنِهِ، أَوْ سُقُوطِهِ فِي نَهَرٍ إِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلنِّيَّةِ فِيهِمَا. (١)

الْوَجْهُ وَحَدُّهُ:

٥١ - قَال الْفُقَهَاءُ: الْوَجْهُ هُوَ مَا تَحْصُل بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، فَيُغْسَل ظَاهِرُهُ كُلُّهُ.

وَقَال الْفُقَهَاءُ: حَدُّ الْوَجْهِ عَرْضًا: مَا بَيْنَ الأُْذُنَيْنِ، وَحَدُّهُ طُولًا: مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعَرِ رَأْسِهِ عَالِيًا - أَيْ أَنَّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْبُتَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْمَذْكُورُ - وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ: مِنْ مَبْدَأِ أَعْلَى جَبْهَتِهِ. . إِلَى أَسْفَل الذَّقَنِ.

_________

(١) فَتْح الْقَدِير ١ / ٩ والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦٥، وحاشية الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٥، وحاشية البجيرمي ١ / ١٢٦، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٥.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: ذَلِكَ فِيمَنْ لاَ لِحْيَةَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ. . فَمُنْتَهَى لِحْيَتُهُ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُسْتَرْسِل أَيِ الْخَارِجُ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ مِنَ الشَّعْرِ لاَ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُوَاجِهُ إِلَى الْمُتَّصِل عَادَةً لاَ إِلَى الْمُسْتَرْسِل فَلَمْ يَكُنْ وَجْهًا، فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ، وَلاَ يَجِبُ مَسْحُهُ كَذَلِكَ، بَل يُسَنُّ، وَالسِّلْعَةُ إِذَا تَدَلَّتْ عَنِ الْوَجْهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الشُّعُورُ الْخَارِجَةُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا مُطْلَقًا إِنْ خَفَّتْ، وَظَاهِرِهَا مُطْلَقًا إِنْ كَثُفَتْ. . . وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجِبُ غَسْل خَارِجٍ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنْ لِحْيَةٍ وَغَيْرِهَا خَفِيفًا كَانَ أَوْ كَثِيفًا، لاَ ظَاهِرًا وَلاَ بَاطِنًا؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَل الْغَرَضِ. . . وَقَالُوا: يَجِبُ غَسْل سِلْعَةٍ (١) نَبَتَتْ فِي الْوَجْهِ وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّهِ؛ لِحُصُول الْمُوَاجَهَةِ بِهَا. (٢)

غَسْل الشَّعْرِ الَّذِي عَلَى الْوَجْهِ:

٥٢ - قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ مَا فِي الْوَجْهِ مِنْ شَعْرٍ

_________

(١) وَالسِّلْعَة بِالْكَسْرِ زِيَادَة تَحَدُّثٍ فِي الْجَسَدِ كَالْغُدَّةِ تَتَحَرَّكُ إِذَا حَرَّكَتْ (الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٣ / ٦٩) .

(٢) الشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٠٥، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢، وحاشية البجيرمي ١ / ١٣٠، ونهاية الْمُحْتَاج ١ / ١٥٦، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٩٦، ورد الْمُحْتَار ١ / ٦٨، ٦٩.

إِنْ كَانَ لِحْيَةَ رَجُلٍ فَيَغْسِل الْخَفِيفَ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى الْجِلْدَةَ الَّتِي نَبَتَ عَلَيْهَا الشَّعْرُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا بِحَيْثُ لاَ تُرَى هَذِهِ الْجِلْدَةُ أَثْنَاءَ الْمُخَاطَبَةِ سَقَطَ غَسْل الْبَاطِنِ؛ لِلْحَرَجِ.

وَإِنْ كَانَ مَا فِي الْوَجْهِ مِنْ شَعَرٍ هُدْبًا، أَوْ حَاجِبًا، أَوْ شَارِبًا، أَوْ عَنْفَقَةً - وَهِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ السُّفْلَى - أَوْ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى. . فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ غَسْل هَذَا الشَّعْرِ - خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا - عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجِبُ غَسْل أُصُول شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ وَالْعَنْفَقَةِ إِذَا كَانَ هَذَا الشَّعْرُ كَثِيفًا؛ لِلْحَرَجِ فِي إِيصَال الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ وَيُسَنُّ تَخْلِيل لِحْيَةِ غَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّعْرُ خَفِيفًا تَبْدُو الْبَشَرَةُ مِنْ خِلاَلِهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِلَى الْجِلْدَةِ الَّتِي نَبَتَ عَلَيْهَا.

وَلاَ يَجِبُ غَسْل الْمُسْتَرْسِل مِنَ الشَّعْرِ؛ لِخُرُوجِهِ مِنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ كَمَا لاَ يَجِبُ مَسْحُهُ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ غَسْل الْوَجْهِ مَعَ تَخْلِيل شَعْرٍ مِنْ لِحْيَةٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ شَارِبٍ أَوْ

_________

(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦٦، ٦٩، ٧٩.

عَنْفَقَةٍ أَوْ هُدْبٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ فِي مَجْلِسِ الْمُخَاطَبَةِ، وَالتَّخْلِيل: إِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ أَيِ الْجِلْدَةِ النَّابِتِ فِيهَا الشَّعْرُ. . وَهَذَا فِي الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، أَمَّا الْكَثِيفُ فَلاَ يُخَلِّلُهُ، بَل يُكْرَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَمُّقِ، وَيَكْفِي إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ دُونَ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ.

قَال الدَّرْدِيرُ: وَلاَ يُنَافِي أَنَّهُ يَجِبُ تَحْرِيكُهُ لِيَدْخُل الْمَاءُ بَيْنَ ظَاهِرِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِل إِلَى الْبَشَرَةِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَهُوَ الرَّاجِحُ، خِلاَفًا لِمَنْ قَال بِنَدْبِهِ، وَلِمَنْ قَال بِوُجُوبِ تَخْلِيلِهِ، وَقَال: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي وُجُوبِ تَخْلِيل الْخَفِيفِ، وَفِي الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ فِي الْكَثِيفِ. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: شُعُورُ الْهُدْبِ وَالْحَاجِبِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارِ وَالْعَنْفَقَةِ تُغْسَل شَعْرًا وَبَشَرًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَتْ؛ لأَِنَّ كَثَافَتَهَا نَادِرَةٌ، وَقِيل: لاَ يَجِبُ غَسْل بَاطِنِ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ وَلاَ بَشَرَتِهَا كَاللِّحْيَةِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَجِبُ إِنْ لَمْ تَتَّصِل بِاللِّحْيَةِ.

وَقَالُوا: لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ كَهَذِهِ الشُّعُورِ تُغْسَل ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِنُدْرَةِ كَثَافَتِهَا؛ وَلأَِنَّهُ يُسَنُّ لَهَا إِزَالَتُهَا؛ لأَِنَّهَا مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا، وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِي

_________

(١) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٦، والشرح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٠٦، ١٠٧.