الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْوُضُوءُ هُوَ الْغَسْل وَالْمَسْحُ عَلَى أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ طِهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ - وَهِيَ الأَْعْضَاءُ الأَْرْبَعَةُ - عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالنِّيَّةِ، أَوْ هُوَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِالنِّيَّةِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: هُوَ اسْتِعْمَال مَاءٍ طَهُورٍ فِي الأَْعْضَاءِ الأَْرْبَعَةِ، (وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، وَالرَّأْسُ، وَالرِّجْلاَنِ)، عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي الشَّرْعِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً مَعَ بَاقِي الْفُرُوضِ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أـ الْغَسْل:
٢ - الْغَسْل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ غَسَل، يُقَال: غَسَل يَغْسِلُهُ غَسْلًا: أَزَال عَنْهُ الْوَسَخَ وَنَظَّفَهُ بِالْمَاءِ، وَيُضَمُّ - أَيْ تُضَمُّ الْغَيْنُ - أَوْ: بِالْفَتْحِ
_________
(١) الاِخْتِيَار ١ / ٧
(٢) الشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي ١ / ١٠٤، وحاشية الْعَدَوِيّ عَلَى شَرْح الْخَرَشِيّ ١ / ١٢٠
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٧، وأسنى الْمَطَالِب ١ / ٢٨
(٤) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٨٢
مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَل الْمَضْمُومَ وَالْمَفْتُوحَ بِمَعْنًى، وَعَزَاهُ إِلَى سِيبَوَيْهِ.
وَمِنْ مَعَانِي الْغُسْل - بِالضَّمِّ - فِي اللُّغَةِ: تَمَامُ الطِّهَارَةِ. . كَمَا قَال ابْنُ الْقُوطِيَّةِ (١) .
وَالْغُسْل فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: اسْتِعْمَال مَاءٍ طَهُورٍ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَافِعٌ لِلْحَدَثِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الأَْصْغَرَ، وَالْغُسْل يَرْفَعُ الْحَدَثَ الأَْكْبَرَ.
ب - الطَّهَارَةُ:
٣ - الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ النَّجَاسَةِ، وَهِيَ النَّقَاءُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالدَّنَسِ. يُقَال: طَهَّرَهُ بِالْمَاءِ: غَسَلُهُ بِهِ، وَالتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ، وَالْكَفُّ عَنِ الإِْثْمِ (٣) .
وَالطَّهَارَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ - أَكْبَرَ كَانَ أَوْ أَصْغَرَ، أَيْ زَوَال الْوَصْفِ الْمَانِعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا - وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَزَوَال النَّجَسِ أَوِ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ (٤) .
_________
(١) الْقَامُوس الْمُحِيط، والمصباح الْمُنِير، والمعجم الْوَسِيط
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٣٩
(٣) الْقَامُوس الْمُحِيط، والمعجم الْوَسِيط
(٤) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٢٤
وَالصِّلَةُ أَنَّ الطَّهَارَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ.
ج - التَّيَمُّمُ:
٤ - التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَخِّي وَالتَّعَمُّدُ وَالْقَصْدُ، يُقَال: تَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ تَيَمُّمًا وَتَأَمَّمْتُ أَيْضًا: قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: (﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) (١)، أَيِ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ: مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٣) .
وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ طَهَارَةٌ وَرَفْعٌ لِلْحَدَثِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَهُوَ طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ، أَمَّا التَّيَمُّمُ فَيَكُونُ مِنْ أَيٍّ مِنَ الْحَدَثَيْنِ: الأَْصْغَرِ أَوِ الأَْكْبَرِ، وَيُسْتَعْمَل فِيهِ الصَّعِيدُ الطَّاهِرُ.
الْوُضُوءُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ - إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ،
_________
(١) سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٣
(٢) الْقَامُوس الْمُحِيط، والمصباح الْمُنِير
(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٦٠
وَأَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بِدَلِيل مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ". . . ثُمَّ دَعَا - أَيِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَال: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَْنْبِيَاءِ قَبْلِي (١)، وَمَا ثَبَتَ لِلأَْنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَثْبُتُ لأُِمَمِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَّةُ ". . . أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتِ اللَّهَ ﷿ (٢)، وَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ " أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَال لِلْغُلاَمِ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَال: هَذَا الرَّاعِي " (٣) .
وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي هُوَ مِنْ خَصَائِصِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّمَا هُوَ الْكَيْفِيَّةُ الْمَخْصُوصَةُ، أَوْ أَثَرُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ بَيَاضُ مَحَلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُسَمَّى
_________
(١) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَْنْبِيَاءِ قَبْلِي " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (١ / ٨٠ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ)، وضعّفه ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (١ / ٢٣٦ - ط السَّلَفِيَّة)
(٢) حَدِيث قِصَّةِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلاَمُ: " وَأَنْ سَارَّة تَوَضَّأَتْ وَصَلَتْ. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٤ / ٤١٠ - ط السَّلَفِيَّة)
(٣) حَدِيث: قِصَّةٌ جريج الرَّاهِب أُخْرِجُهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٦ / ٤٧٧)، ومسلم (٤ / ١٩٧٧)
بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصَ هَذِهِ الأُْمَّةِ، (٢) مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَِحَدٍ مِنَ الأُْمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ (٣) .
مَكَانُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَزَمَانُهُ:
٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِ الصَّلاَةِ، وَالْمَعِيَّةُ هُنَا لِلْمَكَانِ لاَ لِلزَّمَانِ، فَلاَ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلاَةُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْل الاِفْتِرَاضِ بِلاَ وُضُوءٍ، وَقَدْ كَانَ يُصَلِّي قَبْل فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَطْعًا، وَلَمْ يُصَل قَطُّ إِلاَّ بِوُضُوءٍ، قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا مِمَّا لاَ يَجْهَلُهُ عَالِمٌ، وَلَمْ
_________
(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ٦١ـ٦٢، ومواهب الْجَلِيل ١ / ١٨٠، وحاشيتا الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة عَلَى شَرْح الْمُحَلَّى ١ / ٤٤ـ٤٥، وحاشية الرَّمْلِيّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٢٨، وحاشية الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ١ / ١٠٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٧، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٠٩، وفتح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ ١ / ٢٣٦
(٢) الْمَرَاجِع السَّابِقَة
(٣) حَدِيث: " لَكُمْ سِيَّمَا لَيْسَتْ لأَِحَدٍ مِنَ الأُْمَمِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢١٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
يُنْقَل وُقُوعُ صَلاَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِدُونِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُقْبَل صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ (١) أَيْ بِالْمَاءِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ (٢) فَأَطْلَقَ الشَّارِعُ عَلَى التَّيَمُّمِ أَنَّهُ وُضُوءٌ لِكَوْنِهِ قَامَ مَقَامَهُ.
وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْوُضُوءَ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الأُْصُول أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ نَسْخُهُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ نُزُول آيَةِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ بِمَكَّةَ: تَقْرِيرُ حُكْمِهِ الثَّابِتِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً، بَل تَابِعًا لِلصَّلاَةِ احْتُمِل أَنْ لاَ تَهْتَمَّ الأُْمَّةُ بِشَأْنِهِ، وَأَنْ يَتَسَاهَلُوا فِي شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ بِطُول الْعَهْدِ عَنْ زَمَنِ الْوَحْيِ وَانْتِقَاصِ النَّاقِلِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ
_________
(١) حَدِيث: " لاَ تَقْبَل صَلاَة مِنْ أَحْدَثِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٢٣٤)، ومسلم (١ / ٢٠٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢) حَدِيث: " إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوء الْمُسْلِمِ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٢١٢)، وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
الْمُتَوَاتِرِ الْبَاقِي فِي كُل زَمَانٍ وَعَلَى كُل لِسَانٍ.
وَمِنَ الْفَائِدَةِ كَذَلِكَ تَأَتِّي اخْتِلاَفِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِي هُوَ رَحْمَةٌ، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ، كَالنِّيَّةِ، وَالدَّلْكِ، وَالتَّرْتِيبِ، وَقَدْرِ الْمَسْمُوحِ، وَنَقْضِهِ بِالْمَسِّ، وَكَذَلِكَ اشْتِمَال الآْيَةِ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مَبْسُوطَةٍ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَبْل فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لاَ يُصَلُّونَ إِلاَّ بِالْوُضُوءِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ أَوِ النَّظَافَةِ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، كَمَا دَلَّتِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا.
وَكَانَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا فِي صَدْرِ الإِْسْلاَمِ لِكُل صَلاَةٍ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾) (١) ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ - إِلاَّ مَعَ الْحَدَثِ - وَصَارَ يُؤَدَّى بِهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ مَعَ بَقَاءِ طَلَبِهِ (٢) . (ر: شَرْع مَنْ قَبْلَنَا ف ٣) .
_________
(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٦
(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ٦١ـ٦٢، والتمهيد لاِبْن عَبْد الْبَرّ ١٩ / ٢٧٩، وفتح الْبَارِي ١ / ٢٣٣ـ٢٣٦، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٤٧، وحاشية الْجُمَل ١ / ١٠٠، وحاشية الْقَلْيُوبِيّ ١ / ٤٤ـ٤٥، والمستصفى مِنْ عِلْمِ الأُْصُول لِلْغَزَالِيِّ ١ / ٢٥١، وحاشية الشبراملسي مَعَ نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ إِلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ١ / ١٣٩، وفتح الْقَدِير لاِبْن الْهُمَام وَشَرْح الْعِنَايَةِ عَلَى الْهِدَايَةِ للبابرتي ١ / ٨
مَشْرُوعِيَّةُ الْوُضُوءِ:
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْل اللَّهِ ﵎: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾) (١) . قَالُوا: الآْيَةُ دَالَّةٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ، أَوْ هِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ، وَظَاهِرُهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَلَى كُل قَائِمٍ إِلَى الصَّلاَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْل الظَّاهِرِ - مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلاَفِهِ، قَالُوا: مَعْنَاهُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ. . وَإِنَّمَا أَضْمَرَ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ آيَةَ الطَّهَارَةِ بِذِكْرِ الْحَدَثِ كَمَا قَال: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾) (٢) وَلَمْ يَقُل هُدًى لِلضَّالِّينَ الصَّائِرِينَ إِلَى التَّقْوَى بَعْدَ الضَّلاَل، كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ بِذِكْرِ الضَّلاَلَةِ.
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: لاَ تُقْبَل صَلاَةٌ
_________
(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٦
(٢) سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢
بِغَيْرِ طَهُورٍ. (١)
وَأَجْمَعَ أَهِل السِّيَرِ أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِ الصَّلاَةِ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوُضُوءِ وَوُجُوبِهِ (٢) .
مُنْكِرُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ:
٨ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ لِلصَّلاَةِ يَكْفُرُ، لإِنْكَارِهِ النَّصَّ الْقَطْعِيَّ، وَهُوَ آيَةُ: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) (٣) وَلإِنْكَارِهِ الإِْجْمَاعَ.
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُنْكِرَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ إِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ وُجُوبَ الْوُضُوءِ لِغَيْرِ الصَّلاَةِ لاَ يَكْفُرُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ، لِوُقُوعِ الْخِلاَفِ فِي تَفْسِيرِ آيَتِهِ (٤) وَهُوَ قَوْلُهُ
_________
(١) حَدِيث: " لاَ تَقْبَل صَلاَة بِغَيْرٍ طَهُورٍ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢٠٤ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر
(٢) الْجَامِع لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ ٦ / ٨٠، وحاشيتا الشرواني وَالْعِبَادِيّ عَلَى تُحْفَة الْمُحْتَاج ١ / ١٨٦، ورد الْمُحْتَار ١ / ٦١، وشرح الْعِنَايَة عَلَى فَتْح الْقَدِير ١ / ٨، وشرح الْمَنْهَج مَعَ حَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٠٢
(٣) سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٦
(٤) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ١ / ١٠١، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش مَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ٤٢٠، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٣ / ٣٨٦
تَعَالَى: (﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾) . (١)
تَرَكَ الْوُضُوءَ عَمْدًا ثُمَّ صَلَّى مُحْدِثًا:
٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ كُل مَنْ يَسْتَخِفُّ بِالدِّينِ يَكْفُرُ - كَالصَّلاَةِ بِلاَ وُضُوءٍ عَمْدًا -.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ يُقْتَل بِهَا كَالصَّلاَةِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّى مُحْدِثًا، اسْتُتِيبَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل حَدًّا لاَ كُفْرًا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ تَرَكَ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ رُكْنًا كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَهُوَ كَتَارِكِهَا، حُكْمُهُ حُكْمُهُ، وَقَالُوا: مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ - جَاحِدًا أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ - دُعِيَ إِلَيْهَا فِي وَقْتِ كُل صَلاَةٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ قُتِل (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْوُضُوءِ بِحَسَبِ
_________
(١) سُورَةُ الْوَاقِعَةِ: ٧٩
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٢ / ٢٦٨، والبحر الرَّائِق ٥ / ١٢٩، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة ٢ / ٤٤٧، ٤٤٢، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٤٢١، والخرشي ١ / ٢٢٨، والغرر الْبَهِيَّة فِي شَرْح الْبَهْجَة الْوَرْدِيَّة ٢ / ٧٣، وحاشية الْجُمَل ٢ / ١٣١، وشرح الْبَهْجَة ١ / ٧٣