الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَبَوَانِ وَأَوْصَى بِثُمُنِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَبِخُمُسِهِ لِعَمْرٍو، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَمَخْرَجُ الْجُزْأَيْنِ أَرْبَعُونَ، لِزَيْدٍ خَمْسَةٌ وَلِعَمْرٍو ثَمَانِيَةٌ، وَيَبْقَى سَبْعٌ وَعِشْرُونَ تَصِحُّ عَلَى ثَلاَثَةِ بَنِينَ.
وَأَوْصَى بِرُبُعِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَبِنِصْفِ سُدُسِهِ لِعَمْرٍو، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ ثَلاَثَةٌ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّتَيْنِ اثْنَا عَشَرَ وَمَجْمُوعُ الْجُزْأَيْنِ أَرْبَعَةٌ، إِذَا أَخْرَجْنَاهَا يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ لاَ تَصِحُّ عَلَى ثَلاَثَةٍ:
فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل - الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ -: لاَ مُوَافَقَةَ، فَتَضْرِبُ ثَلاَثَةً فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَتَبْلُغُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ مِنْهَا تَصِحُّ.
وَعَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي: الْخَارِجُ بِالْوَصِيَّتَيْنِ نِصْفُ الْبَاقِي مِنْ مَخْرَجِهِمَا، فَتَزِيدُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ نِصْفَهَا تَبْلُغْ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا، تَبْسُطُهَا أَنْصَافًا تَكُونُ تِسْعَةً، لَكِنَّ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُمَا مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّتَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَحِصَّتَهُمَا مِنَ التِّسْعَةِ ثَلاَثَةٌ، لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغْ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ.
وَلَوْ كَانَ الْبَنُونَ سِتَّةً وَالْوَصِيَّتَانِ بِحَالِهِمَا: فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل: تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ لاَ تَصِحُّ
عَلَى سِتَّةٍ، لَكِنْ تَوَافِقُ بِالنِّصْفِ فَتَضْرِبُ نِصْفَ نِصْفِ السِّتَّةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ تَبْلُغْ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي كَمَا سَبَقَ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُمُنٍ وَتُسُعٍ أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهِيَ لاَ تَنْقَسِمُ فَاضْرِبْ ثَمَانِيَةً فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ، فَأَعْطَى لِصَاحِبِ الثُّمُنِ تِسْعَةً، وَلِصَاحِبِ التُّسْعِ ثَمَانِيَةً، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ تُدْفَعُ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ وَصَّى بِأَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْنِ كَثُمُنٍ وَتُسُعٍ وَعُشُرٍ تَأْخُذُ الْكُسُورَ مِنْ مَخْرَجِهَا الْجَامِعِ لَهَا، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَهِيَ لاَ تَنْقَسِمُ فَاضْرِبِ الثَّمَانِيَةَ فِي التِّسْعَةِ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ. ثُمَّ اضْرِبْ ذَلِكَ فِي عَشْرٍ تَبْلُغْ سَبْعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ، فَأَعْطِ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّمُنِ تِسْعِينَ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالسُّبْعِ ثَمَانِينَ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعُشْرِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَتَقْسِمُ الْبَاقِي - وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ - عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ.
هَذَا إِذَا انْقَسَمَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمِ الْبَاقِي بَعْدَ الثُّلُثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ ضَرَبْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ إِنْ بَايَنَهَا الْبَاقِي، أَوْ ضَرَبْتَ وَفْقَهَا إِنْ وَافَقَهَا
_________
(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٢١٦، والذخيرة ١٣ / ١١٠ - ١١٢
الْبَاقِي فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ (١) .
الاِحْتِمَال الثَّانِي - الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ:
الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِمَّا أَنْ تَسْتَغْرِقَ الْمَال وَإِمَّا أَلاَّ تَسْتَغْرِقَهُ.
أَوَّلًا: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْمَال:
٩٣ - إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِشَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ إِمَّا بِجُزْءٍ كَالنِّصْفِ، وَإِمَّا بِجُزْأَيْنِ كَالنِّصْفِ وَالرُّبُعِ، فَمَدَارُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَرَدِّهِمْ:
فَمَنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلآِخَرَ بِثُلُثِهِ، وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ قُسِّمَ الْمَال بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، وَأَصْلُهَا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ فِي هَذَا الْمِثَال لاِجْتِمَاعِ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَتَعُول بِسَهْمٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَكَانَ النَّقْصُ بِسَهْمِ الْعَوْل دَاخِلًا عَلَى جَمِيعِهِمْ كَالْمَوَارِيثِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٢) .
_________
(١) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٤ / ٥١٨ - ٥١٩
(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٢١٦ - ٢١٧، والحاوي للماوردي ١٠ / ٣١ - ٣٢، والذخيرة ١٣ / ١١٢، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٧، والممتع ٤ / ٢٦٧
وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا الزَّائِدَةَ عَلَى الثُّلُثِ فَقْدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الثُّلُثِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ بِتَقْدِيرِ الإِْجَازَةِ، وَيُقْسَمُ الثُّلُثَانِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُمْ مِنْ تَجَاوُزِ وَصِيَّتِهِ الثُّلُثَ أَوْ لاَ. وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا قَصَدَ التَّفْضِيل بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ فِي كُل الْمَال قَصَدَ التَّفْضِيل بَيْنَهُمْ فِي كُل جُزْءٍ مِنْهُ فَلَمْ تَجُزِ التَّسْوِيَةُ، وَلأَِنَّ كُل شَخْصَيْنِ جُعِل الْمَال بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاضُل، لَزِمَ عِنْدَ ضِيقِ الْمَال أَنْ يَتَقَاسَمَاهُ عَلَى التَّفَاضُل كَالْعَوْل فِي الْفَرَائِضِ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى
_________
(١) الْمُغْنِي ٦ / ٤٧، والبناية ١٠ / ٤٣٩، والحاوي للماوردي ١٠ / ٣٢، والذخيرة ١٣ / ١١٢ - ١١٣، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص ٤٠٠
أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ لاَ يَضْرِبُ إِلاَّ بِالثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ مُلْغَاةٌ (١) .
قَال الزَّيْلَعِيُّ فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَل لأَِبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَقَعَتْ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ نَفَاذُهَا بِحَالٍ فَتَبْطُل أَصْلًا؛ وَلاَ يُعْتَبَرُ الْبَاطِل، وَالتَّفْضِيل ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الاِسْتِحْقَاقِ فَيَبْطُل بِبُطْلاَنِ الاِسْتِحْقَاقِ، كَالْمُحَابَاةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ تَبْطُل بِبُطْلاَنِ الْبَيْعِ (٢) .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْخِلاَفُ فِي مَسَائِل عِدَّةٍ مِنْهَا:
أ - إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرُبُعِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى ثَلاَثَةٍ: لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ سَهْمٌ؛ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ يَضْرِبُ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ يَضْرِبُ بِالرُّبُعِ، وَالرُّبُعُ مِثْل نِصْفِ النِّصْفِ، فَيُجْعَل كُل رُبُعٍ بَيْنَهُمَا، فَالنِّصْفُ يَكُونُ سَهْمَيْنِ.
_________
(١) الْجَوْهَرَة النَّيِّرَة ٢ / ٣٩٥، والبناية ١٠ / ٤٣٩
(٢) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ١٨٧ ١٨٨
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجُوزُ مِنَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ (١) .
ب - لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلآِخَرَ بِنِصْفِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ وَرَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَصَايَا تَرْجِعُ إِلَى الثُّلُثِ، وَكَانَ الثُّلُثُ مَقْسُومًا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ بِالْحِصَصِ عَلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ يُرَدُّ مِنْ وَصِيَّةِ صَاحِبِ النِّصْفِ لِيَسْتَوِيَ فِي الْوَصِيَّةِ صَاحِبُ الثُّلُثِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ، وَيَكُونُ الثُّلُثُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا: لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ (٢) .
ثَانِيًا: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَقَدْ جَاوَزَتِ الْمَال:
٩٤ - إِنِ اسْتَغْرَقَتِ الْوَصَايَا الْمَال وَأُجِيزَتْ،
_________
(١) الْجَوْهَرَة النَّيِّرَة ٢ / ٣٩٥، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٧
(٢) الْحَاوِي للماوردي ١٠ / ٣١ ٣٢
قُسِمَ الْمَال بَيْنَ أَصْحَابِ الْوَصَايَا عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، مِثْل الْعَوْل، وَتُجْعَل وَصَايَاهُمْ كَالْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ أَنْصِبَائِهِمْ بِتَقْدِيرِ الإِْجَازَةِ، هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لاَ يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ، إِذْ لاَ نَفَاذَ لَهَا فَيَبْطُل أَصْلًا (٢) .
فَمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ فَإِنْ أَجَازُوا فَقَدْ عَالَتْ إِلَى أَرْبَعَةٍ: لِزَيْدٍ ثَلاَثَةٌ، وَلِعَمْرٍو سَهْمٌ.
وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا، قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَتَكُونُ قِسْمَةُ الْوَصِيَّةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ. هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: الثُّلُثُ بَيْنَ
_________
(١) الْمُغْنِي ٦ / ٤٩، روضة الطَّالِبِينَ ٦ / ٢١٨
(٢) الْبِنَايَة ١٠ / ٤٣٩ ٤٤٠، وتكملة فَتْح الْقَدِير ٨ / ٤٤٢
الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَانِ (١) .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ:
لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:
أ - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ وَارِثٍ وَبِجُزْءٍ مُضَافٍ إِلَى جَمِيعِ الْمَال:
٩٥ - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَأَوْصَى لآِخَرَ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَوْ نَصِيبِ ابْنٍ ثَالِثٍ - لَوْ كَانَ - فَأَجَازَا الْوَصِيَّتَيْنِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمَال، وَالْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا، وَالْحِسَابُ مِنْ تِسْعَةٍ: فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَيَبْقَى سِتَّةٌ بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا، لِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ أَيْضًا سَهْمَانِ مِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُجِيزَا يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَانِ.
وَلَوْ أَجَازَ الاِبْنَانِ الْوَصِيَّةَ لِصَاحِبِ الْمِثْل
_________
(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٢١٨، والحاوي ١٠ / ٣٣ ٣٤، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة ٦ / ٤٩، وتكملة فَتْح الْقَدِير ٨ / ٤٤١ - ٤٤٢
دُونَ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ - وَهُوَ السُّدُسُ - كَمَا لَوْ لَمْ تُوجَدِ الإِْجَازَةُ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ لِصِحَّةِ الإِْجَازَةِ فِي حَقِّهِ، وَاحْتَجْنَا إِلَى حِسَابٍ إِذَا رَفَعْنَا السُّدُسَ يَنْقَسِمُ الْبَاقِي مِنْهُ أَثْلاَثًا، وَأَقَل ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، يُعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ السُّدُسُ ثَلاَثَةً، وَيَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ تُقْسَمُ بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا لِكُل وَاحِدٍ خَمْسَةٌ.
وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ الْوَصِيَّةَ لِصَاحِبِ الْمِثْل دُونَ صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَلَمْ يُجِزِ الاِبْنُ الآْخَرُ الْوَصِيَّتَيْنِ أَصْلًا، فَنَقُول: لَوْ لَمْ يُجِيزَا كَانَ لِصَاحِبِ الْمِثْل ثَلاَثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلَوْ أَجَازَا كَانَ لِصَاحِبِ الْمِثْل خَمْسَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَتَفَاوُتُ مَا بَيْنَهُمَا سَهْمَانِ، مِنْ نَصِيبِ كَل وَاحِدٍ مِنَ الاِبْنَيْنِ سَهْمٌ، فَإِذَا أَجَازَ أَحَدُهُمَا صَحَّتِ الإِْجَازَةُ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الْمِثْل أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْمُجِيزِ خَمْسَةٌ، وَلِلَّذِي لَمْ يُجِزْ سِتَّةٌ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَزِدْ جُمْلَةُ الْمَال الْمُوصَى بِهِ عَلَى الثُّلُثِ اجْعَل الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ، فَتُصَحَّحُ مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٠٠
ثُمَّ يُؤْخَذُ مَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ وَيُخْرَجُ مِنْهُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ، وَيُنْظَرُ هَل يَنْقَسِمُ الْبَاقِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ: إِنِ انْقَسَمَ فَذَاكَ وَإِلاَّ فَلِلتَّصْحِيحِ طَرِيقَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَالْحِسَابُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى نِسْبَةِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ الإِْجَازَةِ.
مِثَالُهُ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ، وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلِعَمْرٍو بِعُشْرِ الْمَال، فَمَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ وَزَيْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَمَخْرَجُ الْجُزْءِ عَشَرَةٌ، يَبْقَى مِنْهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْجُزْءِ تِسْعَةٌ لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَلاَ تُوَافِقُ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي عَشَرَةٍ تَبْلُغْ أَرْبَعِينَ، لِعَمْرٍو أَرْبَعَةٌ، وَلِزَيْدٍ وَكُل ابْنٍ تِسْعَةٌ، وَجُمْلَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - لِصَاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الْمَال عِنْدَ الإِْجَازَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَصِيٌّ آخَرُ، وَلِلآْخَرِ الثُّلُثُ.
وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ
_________
(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٢٢١