الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ:

٦٠ - إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ الْمُوصِي، كَالْوَصِيَّةِ بِنِصْفِ مَنْفَعَةِ دَارِهِ، أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ عَدَدٍ مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ، كَالْوَصِيَّةِ بِمَنْفَعَةِ دَارٍ لِثَلاَثَةِ أَشْخَاصٍ، فَتُسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةُ عَنْ طَرِيقِ الْقِسْمَةِ بِإِحْدَى وَسَائِل ثَلاَثٍ:

الأُْولَى: أَنْ تُقَسَّمَ غَلَّةُ الْمَنْفَعَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ: فَتُؤَجَّرَ الدَّارُ أَوْ تُزْرَعَ الأَْرْضُ مَثَلًا، وَتُقَسَّمُ الْغَلَّةُ بِنِسْبَةِ حِصَّةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ تُقَسَّمَ الْعَيْنُ نَفْسُهَا بَيْنَهُمْ، فَيَأْخُذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ، بِشَرْطِ كَوْنِ تِلْكَ الْعَيْنِ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ، وَأَنْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ الْمَنْفَعَةِ الأَْصْلِيَّةِ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ تُقَسَّمَ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِهَا قِسْمَةً مُهَايَأَةً زَمَانِيَّةً أَوْ مَكَانِيَّةً. فَالزَّمَانِيَّةُ: أَنْ تُعْطَى لأَِحَدِ الشُّرَكَاءِ كُل الْعَيْنِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ يَأْخُذُهَا الشَّرِيكُ الآْخَرُ بِقَدْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا.

وَالْمَكَانِيَّةُ: أَنْ يَأْخُذَ كُل شَرِيكٍ جُزْءًا مِنَ الْعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ يَتَبَادَل

الشَّرِيكَانِ كُل جُزْءٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَحِل كُل وَاحِدٍ مَحَل الآْخَرِ فِيمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ.

وَإِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِحَقٍّ لاَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَلاَ الْمُهَايَأَةُ فِيهِ، أَوْ حَدَثَ اخْتِلاَفٌ اجْتَهَدَ الْقَاضِي فِي كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الْمَنْفَعَةِ بِحَسَبِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ (١) .

(ر: قِسْمَة ف ٦٠ وَمَا بَعْدَهَا)

انْتِهَاءُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ:

٦١ - تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:

أـ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلاِنْتِفَاعِ قَبْل وَفَاةِ الْمُوصِي.

كَمَا تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الاِنْتِفَاعِ الْمُحَدَّدَةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ دُونَ أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ كَمَنْ وَصَّى لِلْمُوصَى لَهُ بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ سَنَةً بِعَيْنِهَا فَلَمْ تَحْمِل تِلْكَ السَّنَةَ فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ (٢) .

ب - بِإِسْقَاطِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ حَقَّهُ فِي

_________

(١) حَاشِيَة الْجُمَل ٤ / ٦٣، وبدائع الصَّنَائِع ٧ / ٣٥٣ - ٣٥٤، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ٣٧١، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٤٢٦، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٩٨

(٢) الْمُغْنِي ٨ / ٤٦٠ ط هَجَرَ، وبدائع الصَّنَائِع ٧ / ٣٥٣ - ٣٥٤، وأسنى الْمَطَالِب ٣ / ٥٨

الْمَنْفَعَةِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي أَوْ تَنَازُلِهِ عَنْ حَقِّهِ فِيهَا.

ج - بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِلْمُوصِي.

د - بِتَمَلُّكِ الْمُوصَى لَهُ الْعَيْنَ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا.

هـ - بِوَفَاةِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُوصَى بِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْوَصِيَّةِ لاَ تُورَثُ وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَرَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ قَوْل الْمُوصِي أَنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ الْمُوصَى لَهُ فَلاَ تُورَثُ (١) .

زَمَنُ اسْتِحْقَاقِ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ الْمُوصَى بِهَا:

٦٢ - إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ دُونَ تَحْدِيدِ بَدْءِ الاِنْتِفَاعِ، اسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ مُنْذُ وَفَاةِ الْمُوصِي (٢) .

_________

(١) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص ٣٥٢، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤١٧، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٦٤ - ٦٥، والإنصاف ٧ / ٢٦٨، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٤٩٩

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٢١ - ١٢٢، وحاشية لِدُسُوقِيّ ٤ / ٤٢٤، والمدونة ٦ / ٣٢، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٥، ٦٤ - ٦٦، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٧٣ ومطالب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٩٨، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٦٥

مَنْعُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ:

٦٣ - هُنَاكَ حَالاَتٌ قَدْ يَحْدُثُ فِيهَا مَنْعُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ، ضَمِنَ لِلْمُوصَى لَهُ بَدَل الْمَنْفَعَةِ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَضْمَنُ نَتِيجَةَ تَعَدِّيهِ.

وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، ضَمِنُوا لَهُ بَدَل الْمَنْفَعَةِ أَيْضًا، لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ جَمِيعًا. وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ أَنْ يُطَالِبَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى لِلاِنْتِفَاعِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ (١) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ فَوَّتَ الْمَنْفَعَةَ يَضْمَنُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِل وَلَمْ يَسْتَغِل (٢) .

وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ كُل حَقٍّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ تَعَلَّقَ بِبَدَلِهَا إِذَا لَمْ يَبْطُل سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا، فَإِنْ قُتِل الْحَيَوَانُ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ يَشْتَرِي بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى بِهِ.

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٣٥٣ - ٣٥٤

(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٣ / ٤٥٥

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ تَجِبَ الْقِيمَةُ لِلْوَارِثِ أَوْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الْقِيمَةَ بَدَل الرَّقَبَةِ فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَمَا تَبْطُل الإِْجَارَةُ.

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الأَْمَةَ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا إِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا أَجْنَبِيٌّ فَقِيمَتُهَا غَيْرُ مَسْلُوبَةِ الْمَنَافِعِ لِلْوَرَثَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا الْوَارِثُ فَقِيمَةُ مَنْفَعَتِهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا غَيْرَ مَسْلُوبَةِ الْمَنْفَعَةِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِمَنْفَعَةِ دَارٍ سَنَةً مَثَلًا ثُمَّ أَجَّرَهُ سَنَةً وَمَاتَ عَقِبَ الإِْجَارَةِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهَا لِلْمُوصَى لَهُ السَّنَةُ الأُْولَى الَّتِي تَلِي الْمَوْتَ وَقَدْ صَرَفَ الْمُوصِي مَنْفَعَةَ تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِي النِّصْفِ الأَْوَّل وَاسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي.

وَلَوْ حَبَسَ الْوَارِثُ أَوْ غَيْرُهُ الْمَنْفَعَةَ السَّنَةَ بِلاَ عُذْرٍ غَرِمَ لِلْمُوصَى لَهُ أُجْرَةَ مِثْل الدَّارِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيَشْمَل ذَلِكَ مَا لَوْ غُصِبَ الْمُوصَى

_________

(١) الْمُغْنِي ٨ / ٤٦٣ - ٤٦٤ ط هَجَرَ، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤٠ - ٥٠١، وأسنى الْمَطَالِب ٣ / ٥٨، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٦٦

بِمَنْفَعَتِهِ فَإِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ أُجْرَةَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لأَِنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْمَنْفَعَةِ (١) .

نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا:

٦٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا مِنْ نَفَقَاتٍ، تَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْفَائِدَةِ مِنْهَا، وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ أَوِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، فَلَهُ نَفْعُهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ وَغُرْمُهُ.

وَإِذَا أَهْمَل صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ الْقِيَامَ بِمَا يَلْزَمُ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ صَالِحَةً لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا، فَأَدَّاهَا صَاحِبُ الرَّقَبَةِ، كَانَ مَا دَفَعَهُ حَقًّا لَهُ فِي غَلَّةِ الْعَيْنِ، يَسْتَوْفِيهِ مِنْهَا قَبْل الْمُوصَى لَهُ.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا كَأَرْضٍ بُورٍ، فَإِنَّ نَفَقَةَ إِصْلاَحِهَا وَنَوَائِبِهَا عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْعَيْنِ الْمُوصَى

_________

(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٧٩، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٧٣، وروضة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٠٩، وأسنى الْمَطَالِب مَعَ حَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ ٣ / ٥٦، ٦٦

(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٤٤، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤٢، والتاج وَالإِْكْلِيل ٦ / ٣٨٦، وشرح الْمِنْهَاج مَعَ حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ١٧٢، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٦٦، والفروع ٤ / ٦٩٥، وأسنى الْمَطَالِب ٣ / ٥٧

بِمَنْفَعَتِهَا لِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ كَالْمَأْجُورِ تَكُونُ نَفَقَاتُهُ عَلَى الْمَالِكِ، وَكَذَا الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا مُؤَبَّدًا تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ فِي الأَْصَحِّ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ مَذْهَبًا لأَِحْمَدَ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُؤُوسِ الْمَسَائِل (٢) .

والْوَصِيَّةُ بِالْحُقُوقِ:

٦٥ - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ الَّتِي تَنْتَقِل بِالإِْرْثِ، كَحَقِّ الشُّرْبِ وَالْمَسِيل وَالْمَجْرَى، وَالتَّعَلِّي، وَحَقِّ الْخُلُوِّ وَنَحْوِهَا (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ارْتِفَاق ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا) .

ز - الْوَصِيَّةُ بِمَا يَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ:

٦٦ - إِذَا أَوْصَى شَخْصٌ بِوَصِيَّةٍ تَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:

_________

(١) أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٥٧، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٦٦، والقليوبي ٣ / ١٧٢

(٢) الْفُرُوع لاِبْن مُفْلِح وَتَصْحِيح الْفُرُوع لِلْمَرْدَاوَيَّ ٤ / ٦٩٥

(٣) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١٨٩ - ١٩٠، وتبيين الْحَقَائِق ٦ / ٤١ - ٤٣، والقواعد لاِبْن رَجَب ص ١٨٣، ١٨٨

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِكُل وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ شَائِعًا مِنْ نِصْفٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ أَوْصَى لِكُلٍّ مِنْ بَنِيهِ الثَّلاَثَةِ بِثُلُثِ مَالِهِ فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لَغْوًا، لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ الْوَصِيَّةِ.

وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِكُل وَارِثٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ كَأَنْ أَوْصَى لأَِحَدِ ابْنَيْهِ بِدَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَلِلآْخَرِ بِبُسْتَانٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَهُمَا كُل مَا يَمْلِكُهُ فَصَحِيحَةٌ وَلَكِنْ تَفْتَقِرُ إِلَى الإِْجَازَةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاِخْتِلاَفِ الأَْغْرَاضِ بِالأَْعْيَانِ وَمَنَافِعِهَا، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ حُقُوقَهُمْ فِي قِيمَةِ التَّرِكَةِ لاَ فِي عَيْنِهَا (١) .

ثُبُوتُ مِلْكِيَّةِ الْمُوصَى بِهِ وَوَقْتُ الثُّبُوتِ:

٦٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:

ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنَ لاَ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ إِلاَّ بِالْقَبُول بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَإِذَا قَبِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُول.

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٤، والمغني ٦ / ٧، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٤٩

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى وَقَبْل الْقَبُول كَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ وَالْكَسْبِ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إِذَا قَبِل الْوَصِيَّةَ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِل الْحَاصِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى قَبُول الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ أَوْ رَدِّهَا.

فَإِنْ قَبِل الْمُوصَى لَهُ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ الْوَصِيَّةَ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَانَ أَنَّهَا لِلْوَارِثِ.

وَلَوْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَعَلَى الْقَوْل الأَْظْهَرِ لَهُ الثَّمَرَةُ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الآْخَرَيْنِ لاَ ثَمَرَةَ لَهُ وَلاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ (١) .

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٣٣٢، وحاشية الشلبي عَلَى الزيلعي ٦ / ١٨٤، وحاشية الدُّسُوقِيّ وَالشَّرْح الْكَبِير ٤ / ٤٢٤، والمغني ٦ / ٢٥، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٦٤، والإنصاف ٧ / ٢٠٢ - ٢٠٦، والشرح الصَّغِير ٤ / ٥٨٦، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٥٤

مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ:

٦٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّبَرُّعَاتِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الشَّخْصُ قَبْل مَوْتِهِ، وَمِنْهَا الْوَصَايَا، تَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْبَاقِي بَعْدَ أَدَاءِ نَفَقَاتِ التَّكْفِينِ وَالتَّجْهِيزِ، وَوَفَاءِ دُيُونِ الْعِبَادِ كَالدِّيَةِ وَالْقَرْضِ، لاَ مِنْ ثُلُثِ أَصْل الْمَال.

أَمَّا دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى كَنَفَقَةِ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ، فَتُخْرَجُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَقَطْ، وَتُؤَدَّى عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ رَأْسِ مَال التَّرِكَةِ، لاَ مِنَ الثُّلُثِ فَقَطْ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْث ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا)

مُبْطِلاَتُ الْوَصِيَّةِ:

تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِمَا يَأْتِي:

أـ زَوَال أَهْلِيَّةِ الْمُوصِي بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَنَحْوِهِ:

٦٩ - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَنَحْوِهِ كَالْعَتَهِ الطَّارِئِ عَلَى الْمُوصِي،

_________

(١) شَرْح السراجية ٣ / ٧، والشرح الصَّغِير ٤ / ٥٨٩، ٦١٧، ٦١٨، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٣ - ٤، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٥١ وَمَا بَعْدَهَا، ونيل الْمَآرِب ٣ / ٢٥٣، وابن عَابِدِينَ ٥ / ٤٢٣ - ٤٢٤، واللباب ٤ / ١٧٧