الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

سَوَاءٌ اتَّصَل بِالْمَوْتِ أَوْ لَمْ يَتَّصِل بِأَنْ أَفَاقَ قَبْل الْمَوْتِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ كَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الإِْنْشَاءِ كَالْوَكَالَةِ فَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، كَمَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الآْمِرِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَجْنُونُ غَيْرَ أَهْلٍ لإِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ فِي الاِبْتِدَاءِ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ، كَانَ طُرُوءُ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ مُبْطِلًا لَهُ.

وَالْجُنُونُ الْمُطْبِقُ: مَا دَامَ شَهْرًا فَأَكْثَرَ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: هُوَ مَا امْتَدَّ سَنَةً.

فَإِنْ لَمْ يُطْبِقِ الْجُنُونُ لاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُشْبِهُ الإِْغْمَاءَ، وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ يُزِيل الْعَقْل.

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ طُرُوءَ الْجُنُونِ الطَّارِئِ غَيْرِ الْمُمْتَدِّ عَلَى الْمُوصِي لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ.

قَال ابْنُ جُزَيٍّ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنَ الْمَجْنُونِ إِلاَّ حَال إِفَاقَتِهِ.

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ فِي إِفَاقَةِ مَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، لأَِنَّهُ فِي إِفَاقَتِهِ عَاقِلٌ (١) .

_________

(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٩٤، والدر الْمُخْتَار ٥ / ٤٦٩ - ٤٧١، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦ - ٣٣٧، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص ٤٠١ ومواهب الْجَلِيل ٦ / ٤٦٠ والشرح الصَّغِير ٤ / ٥٨٠

وَقَال ابْنُ النَّجَّارِ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَ أَنَّ الْمُبَرْسَمَ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا فَأَوْصَى حَال إِفَاقَتِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْعُقَلاَءِ فِي شَهَادَتِهِ وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ (١) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ طُرُوءَ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوصِي لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ، لأَِنَّهَا إِذَا لَمْ تَبْطُل بِالْمَوْتِ فَأَوْلَى أَنْ لاَ تَبْطُل بِمَا دُونَهُ (٢) .

ب - رِدَّةُ الْمُوصِي:

٧٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصِي.

وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا رَجَعَ لِلإِْسْلاَمِ بَعْدَ رِدَّتِهِ إِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً جَازَتْ وَإِلاَّ فَلاَ (٣) .

ج - رِدَّةُ الْمُوصَى لَهُ:

٧١ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ

_________

(١) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٣٠

(٢) قَوَاعِد الأَْحْكَامِ فِي مَصَالِحَ الأَْنَام ٢ / ٣٥٣ ط دَار الْقَلَم

(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٣٠٠، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٦، والشرح الصَّغِير ٤ / ٥٨٤، والخرشي ٨ / ١٧٠

الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصَى لَهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصَى لَهُ (١) .

د - الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ:

٧٢ - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا، لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، فَيَجُوزُ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ؛ لأَِنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الإِْيجَابُ فَقَطْ، وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْيجَابِ أَيُّ حَقٍّ لِلْمُوصَى لَهُ قَبْل ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الإِْمْضَاءِ وَالرُّجُوعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ ". وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَقَال الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلاَّ الْعِتْقَ لأَِنَّهُ إِعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ كَالتَّدْبِيرِ (٢) .

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٣، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٧، ومواهب الْجَلِيل ٢ / ٣٦٨

(٢) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٧١، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، ومواهب الْجَلِيل ٦ / ٣٦٩، الفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢

وَالرُّجُوعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً.

فَالرُّجُوعُ الصَّرِيحُ: مَا كَانَ بِلَفْظٍ هُوَ نَصٌّ فِي الرُّجُوعِ، مِثْل قَوْل الْمُوصِي: رَجَعْتُ عَنْ وَصِيَّتِي لِفُلاَنٍ، أَوْ تَرَكْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ نَقَضْتُهَا، أَوْ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلاَنٍ هُوَ لِوَرَثَتِي وَنَحْوُهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عُدُول الْمُوصِي عَنْ وَصِيَّتِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْعُدُول مَتَى شَاءَ (١) .

وَالرُّجُوعُ دَلاَلَةً: كُل تَصَرُّفٍ أَوْ فِعْلٍ فِي الْمُوصَى بِهِ يُفِيدُ رُجُوعَهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ يَشْمَل مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ يُخْرِجُ الْعَيْنَ عَنْ مِلْكِ الْمُوصِي يُعَدُّ رُجُوعًا، كَأَنْ يَبِيعَ الشَّيْءَ الْمُوصَى بِهِ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ مَهْرًا أَوْ وَقْفًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ثَانِيًا: كُل فِعْلٍ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا يَدُل عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، كَذَبْحِ الشَّاةِ الْمُوصَى بِهَا، وَغَزْل الْقُطْنِ الْمُوصَى بِهِ،

_________

(١) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٧١، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٦٠، والخرشي ٨ / ١٧٢، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٧١، وأسنى الْمَطَالِب ٣ / ٦٣ وَمَا بَعْدَهَا

وَنَسْجِ الْغَزْل (١) .

أَمَّا لَوْ تَصَرَّفَ الْمُوصِي فِي الْمُوصَى بِهِ تَصَرُّفًا يُزِيل اسْمَهُ فَيُعَدُّ رُجُوعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

كَمَا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِهَذِهِ الْغِرَارَةِ الْحِنْطَةِ فَطَحَنَهَا فَصَارَ اسْمُهَا دَقِيقًا، أَوْ وَصَّى لإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ مِنْ غَزْلٍ فَنَسَجَ الْغَزَل فَصَارَ يُسَمَّى ثَوْبًا، أَوْ بَنَى الْحَجَرَ أَوِ الآْجُرَّ الْمُوصَى بِهِ فَصَارَ حَائِطًا أَوْ دَارًا، أَوْ غَرَسَ نَوًى مُوصًى بِهِ فَصَارَ شَجَرًا، أَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ الْمُوصَى بِهَا فَصَارَتْ بَابًا، أَوْ أَعَادَ دَارًا انْهَدَمَتْ، أَوْ جَعَلَهَا حَمَّامًا، أَوْ كَانَ سَفِينَةً فَتَكَسَّرَتْ وَصَارَ اسْمُهَا خَشَبًا فَرُجُوعٌ فِي الْجَمِيعِ (٢) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنِ الرُّجُوعِ دَلاَلَةً: كُل فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ الإِْنْسَانُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُوصِي كَانَ رُجُوعًا، وَكَذَا كُل فِعْلٍ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي

_________

(١) غَايَة الْمُنْتَهَى ٢ / ٣٥٣ - ٣٥٤، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢ - ٩٣، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٨، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٧١ـ ٧٢

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢ـ٩٣، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٧٢، وروضة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٠٧، وأسنى الْمَطَالِب ٣ / ٦٣، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٧٣ - ١٧٤، وغاية الْمُنْتَهَى ٢ / ٢٥٤

الْمُوصَى بِهِ لاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِهَا فَهُوَ رُجُوعٌ إِذَا فَعَلَهُ، وَكَذَا كُل تَصَرُّفٍ أَوْجَبَ زَوَال مِلْكِ الْمُوصِي فَهُوَ رُجُوعٌ (١) .

هـ - رَدُّ الْوَصِيَّةِ:

٧٣ - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا رَدَّهَا الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِيغَةِ الْوَصِيَّةِ (ر: ف ٩ - ١١) .

وـ مَوْتُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي:

٧٤ - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِوَفَاةِ الْمُوصِي وَقَبُول الْمُوصَى لَهُ.

وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْل الْقَبُول. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تَبْطُل؛ لأَِنَّ الْقَبُول مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الرَّدِّ.

(ر: ف ٩)

ز - قَتْل الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ:

٧٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢

بِقَتْل الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى بُطْلاَنِهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلاَنِ وَذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي شُرُوطِ الْمُوصَى لَهُ.

(ر: ف ٣٧)

ح - هَلاَكُ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنِ أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ:

٧٦ - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُعَيَّنًا بِالذَّاتِ، وَهَلَكَ قَبْل قَبُول الْمُوصَى لَهُ؛ لِفَوَاتِ مَحَل حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَيَسْتَحِيل ثُبُوتُ حُكْمِ التَّصَرُّفِ أَوْ بَقَاؤُهُ بِدُونِ وُجُودِ مَحَلِّهِ أَوْ بَقَائِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهَذِهِ الشَّاةِ، فَهَلَكَتْ، تَبْطُل الْوَصِيَّةُ؛ لأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وَقْتَ الإِْيصَاءِ، وَقَدْ فَاتَتْ بَعْدَئِذٍ، فَفَاتَ مَحَل الْوَصِيَّةِ.

وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا كَانَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي شَيْءٍ بِذَاتِهِ أَوْ مِنْ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَمْوَالِهِ، كَأَنْ يُوصِيَ بِنِصْفِ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ يُوصِيَ بِفَرَسٍ مِنْ أَفْرَاسِهِ الْعَشَرَةِ الْمَعْلُومَةِ، فَهَلَكَتْ، أَوْ بِنِصْفِ دُورِهِ فَهُدِمَتْ، فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، لِفَوَاتِ مَحَل الْوَصِيَّةِ.

وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ أَيْضًا بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الاِسْتِحْقَاقُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي أَمْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ بِالاِسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَ أَنَّ

الْوَصِيَّةَ كَانَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَتَبْطُل (١) .

(ر: اسْتِحْقَاق ف ٣٢)

ط - الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ:

٧٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى لَهُ.

(ر: ف ٣٥ - ٣٦)

الْمُحَاصَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ:

٧٨ - الأَْصْل فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ الْمَال إِنْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا بَطَلَتْ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (٢) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا تَزِيدُ عَلَى

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٣٩٤، وابن عَابِدِينَ ٥ / ٤٣١، وتكملة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤٥٦ وَمَا بَعْدَهَا، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤٦، والمغني ٦ / ١٥٤ - ١٥٥، وغاية الْمُنْتَهَى ٢ / ٣٦٨، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٤٠، والخرشي ٨ / ١٨٢، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٧٢

(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٣٦٩، والفواكه الدَّوَانِي ٢ / ١٨٩، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٦ - ٤٧، والمغني ٦ / ١٣

ثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَكَانَ الثُّلُثُ يَضِيقُ بِالْوَصَايَا فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ يَتَحَاصُّونَ فِي مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ بِنِسْبَةِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ فَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، فَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِالسُّدُسِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا فَيَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا كَمَا فِي أَصْحَابِ الدُّيُونِ الَّذِينَ يَتَحَاصُّونَ مَال الْمُفْلِسِ، وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (١) .

إِلاَّ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلًا بَيَانُهُ كَمَا يَلِي:

٧٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ إِذَا اجْتَمَعَ الْوَصَايَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعِبَادِ أَوْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ اعْتِبَارَ التَّقْدِيمِ مُخْتَصٌّ بِحُقُوقِهِ تَعَالَى لِكَوْنِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَاحِدًا، وَأَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ فَلاَ يُعْتَبَرُ.

فَمَا لِلْعِبَادِ خَاصَّةً لاَ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّقْدِيمُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لإِنْسَانٍ ثُمَّ بِهِ لآِخَرَ إِلاَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّقْدِيمِ، أَوْ يَكُونَ الْبَعْضُ عِتْقًا أَوْ مُحَابَاةً.

_________

(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٧٤ وتكملة فَتْح الْقَدِير ٩ / ٣٦٨ نَشْر دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ العربي والدر الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٢٧، والفواكه الدَّوَانِي ٢ / ١٩١، والمدونة ٦ / ٥١، ٥٤، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٨، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٤٠، والمغني ٦ / ١٥٩

وَمَا لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ فَرَائِضَ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ أَوْ وَاجِبَاتٍ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ تَطَوُّعَاتٍ كَالْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالصَّدَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ يَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ.

وَإِنِ اخْتَلَطَتْ يَبْدَأْ بِالْفَرَائِضِ قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا، ثُمَّ بِالْوَاجِبَاتِ وَمَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ حَقِّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الثُّلُثَ عَلَى جَمِيعِهَا وَيَجْعَل كُل جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرَبِ مُفْرَدَةً بِالضَّرْبِ وَلاَ يَجْعَل كُلَّهَا جِهَةً وَاحِدَةً، لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِجَمِيعِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي نَفْسِهَا مَقْصُودَةٌ فَتَنْفَرِدُ كَوَصَايَا الآْدَمِيِّينَ ثُمَّ تُجْمَعُ فَيُقَدَّمُ فِيهَا الأَْهَمُّ فَالأَْهَمُّ. فَلَوْ قَال: ثُلُثُ مَالِي فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَلِزَيْدٍ وَالْكَفَّارَاتِ قُسِّمَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَلاَ يُقَدَّمُ الْفَرْضُ عَلَى حَقِّ الآْدَمِيِّ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الآْدَمِيُّ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِأَنْ أَوْصَى بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَلاَ يُقَسَّمُ بَل يُقَدَّمُ الأَْقْوَى فَالأَْقْوَى لأَِنَّ الْكُل يَبْقَى حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ.

هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَصِيَّةِ عِتْقٌ مُنْفَذٌ فِي الْمَرَضِ، أَوْ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ كَالتَّدْبِيرِ وَلاَ مُحَابَاةٌ مُنْجَزَةٌ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ بُدِئَ بِهِمَا ثُمَّ يُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَى سَائِرِ الْوَصَايَا، وَإِنْ تَسَاوَتْ