الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ أَسْهَل مِنَ الرَّفْعِ (١) .
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُوصَى بِهِ مَالًا كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَجِلْدِهَا قَبْل الدِّبَاغِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْوَصِيَّةَ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ قَابِلٍ لِلدِّبَاغِ، وَمَيْتَةٍ تَصْلُحُ طُعْمًا لِلْجَوَارِحِ (٢) .
(ر: ف٥٨)
ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مُتَقَوِّمًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ:
٤٨ - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُسْلِمٍ وَلاَ لِمُسْلِمٍ بِمَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، أَيْ لاَ يَجُوزُ شَرْعًا الاِنْتِفَاعُ بِهِ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، لِعَدَمِ نَفْعِهَا وَتَقَوُّمِهَا، وَلأَِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ أَصْلًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ لِمِثْلِهِ لِتَقَوُّمِهَا فِي اعْتِقَادِهِ. وَلاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا لاَ يَقْبَل النَّقْل كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ.
وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، لِتَقَوُّمِهَا وَلأَِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالإِْتْلاَفِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَبِهَذَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ.
_________
(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٥٢، وبداية الْمُجْتَهِد ٢ / ٣٦٢
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٤ - ٤٦
وَلأَِنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا، وَتُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهَا، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، فَصَحَّتْ فِي غَيْرِ الْمَال كَالْمَال.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ لِغَيْرِ مَسْجِدٍ، لأَِنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا، وَهُوَ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِمَسْجِدٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِيهِ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَحْوِ زِبْلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ كَسَمَادٍ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ حَال الاِسْتِعْمَال، بِجَعْلِهِ حُلِيًّا لِلنِّسَاءِ أَوْ بَيْعِهِ وَنَحْوِهِمَا (١) .
ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ قَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ:
٤٩ - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل بِالأَْصَحِّ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ قَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى بِعَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ مَالًا أَوْ نَفْعًا مَوْجُودًا لِلْحَال أَوْ مَعْدُومًا، فَالْوَصِيَّةُ بِمَا تُثْمِرُ نَخِيلُهُ الْعَامَ أَوْ أَبَدًا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَعْدُومًا؛ لأَِنَّهُ يَقْبَل التَّمْلِيكَ
_________
(١) البدائع٧ / ٣٥٢، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٦٨، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٥، وحاشية الْجُمَل ٣ / ٤٨١، والشرح الصَّغِير ٤ / ٥٨١
حَال حَيَاةِ الْمُوصِي بِعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِمَا تَلِدُهُ أَغْنَامُهُ فَإِنَّهَا لاَ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْسَانًا لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل التَّمْلِيكَ فِي حَال حَيَاةِ الْمُوصِي بِعَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ فِي الْحَال، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ أَجِيرِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ (١) .
وَقَال الْجُمْهُورُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْدُومِ مُطْلَقًا، كَالْوَصِيَّةِ بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ احْتُمِل فِيهَا وُجُوهٌ مِنَ الْغَرَرِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَتَوْسِعَةً فَتَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ كَمَا تَصِحُّ بِالْمَجْهُول، وَلأَِنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالإِْجَارَةِ فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ (٢) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُول كَشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَثَوْبٍ مِنْ أَثْوَابِهِ؛ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ شَبِيهٌ بِالْوَارِثِ مِنْ جِهَةِ انْتِقَال شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَيْهِ مَجَّانًا، وَالْجَهَالَةُ لاَ تَمْنَعُ الإِْرْثَ فَلاَ تَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَطَيْرِهِ الطَّائِرِ أَوْ بَعِيرِهِ
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ ٥ / ٤١٦، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٥
(٢) مَطَالِب أُولِي النهى٤ / ٤٩٠ - ٤٩١، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٥، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤٠٣
الشَّارِدِ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِي ثُلُثِهِ، كَمَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي ثُلُثِهِ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَخْلُفَ الْوَارِثُ الْمَيِّتَ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، جَازَ أَنْ يَخْلُفَهُ الْمُوصَى لَهُ.
وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ فَمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمُشَاعِ وَالْمَقْسُومِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ الإِْيصَاءَ تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَجَازَ فِي الْمُشَاعِ وَالْمَقْسُومِ كَالْبَيْعِ (١) .
وَالَّذِي أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِمَا يَقْبَل التَّمْلِيكَ، يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل لَكِنَّ وَقْتَ وُجُودِهِ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ نَوْعِ الْمَال:
فَإِنْ كَانَ الْمَال مُعَيَّنًا بِالذَّاتِ، كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَزْرَعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي كُل الْمَال، كَالْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ رُبُعِهِ، فَالشَّرْطُ وُجُودُهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّهُ وَقْتُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي بَعْضِ الْمَال، كَالْوَصِيَّةِ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤١٦، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤٠٣، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٤، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٦٩، والمغني ٦ / ٦٤
بِثُلُثِ غَنَمِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، اشْتُرِطَ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، كَالنَّوْعِ الأَْوَّل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ أَصْلًا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، فَهُوَ كَالشَّائِعِ فِي كُل الْمَال، يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا مُعَيَّنًا حَتَّى تَتَقَيَّدَ بِهِ الْوَصِيَّةُ (١) .
رَابِعًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي:
٥٠ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - قَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنُ مِلْكًا لِلْمُوصِي حِين الْوَصِيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَال الْغَيْرِ وَلَوْ مَلَكَهُ الْمُوصِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ بِإِضَافَةِ الْحَال إِلَى غَيْرِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ - وَقَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: هُوَ أَفْقَهُ وَأَجْرَى عَلَى قَوَاعِدِ الْبَابِ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا لِلْمُوصِي حِينَ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فُضُولِيًّا، وَوَصِيَّةُ الْفُضُولِيِّ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ؛ فَإِنْ أَجَازَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ٨ / ٤٣٥، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤١٦
سَلَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ كَالْهِبَةِ (١) .
وَصَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْكَافِرِ بِمَا لاَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لَهُ كَالْمُصْحَفِ وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَسَائِرِ السِّلاَحِ (٢) .
خَامِسًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَعْصِيَةً أَوْ مُحَرَّمًا شَرْعًا:
٥١ - الْقَصْدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ تَدَارُكُ مَا فَاتَ فِي حَال الْحَيَاةِ مِنَ الإِْحْسَانِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَعْصِيَةً (٣) .
مَا يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُوصَى بِهِ:
٥٢ - يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُوصَى بِهِ شَرْطَانِ:
أَوَّلًا: أَلاَّ يَكُونَ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ: لأَِنَّ الدُّيُونَ مُقَدَّمَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا عَلَى
_________
(١) الْخَرَشِيّ ٨ / ١٦٠، وشرح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ١٧٥، وروضة الطَّالِبِينَ ٦ / ١١٩، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٦٧، والفروع٤ / ٣٦، ومطالب أُولِي النهى٤ / ٤٨٩، والبحر الرَّائِق ٦ / ١٦٤، وابن عَابِدِينَ ٤ / ١٥٤
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٤، وتحفة الْمُحْتَاج ٧ / ٧٣، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٨٧
(٣) الْبَدَائِع ٧ / ٣٤١، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٤٥، حاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٧، مغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٠، أسنى الْمَطَالِب ٣ / ٤٣، مطالب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٩٦، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٧١
الْوَصِيَّةِ، بَعْدَ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ. إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ مِنَ الدَّيْنِ فَيَنْفُذُ، بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ لاَ تَنْعَقِدُ وَصِيَّتُهُ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي مَالِكًا (٢) .
ثَانِيًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ زَائِدًا عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ إِذَا كَانَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ " (٣) .
وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَنِ الثُّلُثِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ)، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَنِ الثُّلُثِ لأَِجْنَبِيٍّ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ رَدُّوا الزِّيَادَةَ بَطَلَتْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٣١٥، والبدائع ٧ / ٣٣٥، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٧
(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٢، الزرقاني ٨ / ١٧٥، والخرشي ٨ / ١٦٨
(٣) حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص: " الثُّلْث وَالثُّلْث كَثِير ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (ف٥)
فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ (١) .
وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي حِصَّةِ الْمُجِيزِ فَقَطْ، وَبَطَلَتْ فِي حِصَّةِ غَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي وَارِثٌ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، تَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ صَحِيحَةً نَافِذَةً، وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ جَمِيعَ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَلاَ تَنْفُذُ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَرَثَةٌ، لَمْ يَبْقَ حَقٌّ لأَِحَدٍ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ مَالَهُ مِيرَاثٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ مُجِيزَ لَهُ مِنْهُمْ فَبَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَرَدِّهِ، فَإِنْ رَدَّهَا رَجَعَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَهَا
_________
(١) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤١٥ - ٤٢٠، مواهب الْجَلِيل ٦ / ٣٦٩، والزرقاني ٨ / ١٦٩، والكافي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ٢ / ١٠٢٤، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٧، والإنصاف ٧ / ١٩٣ - ١٩٦
(٢) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ الصَّاوِي ٤ / ٥٨٥ - ٥٨٦، والإنصاف ٧ / ١٩٢، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٤٨، تكملة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤٥٤
صَحَّتْ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِالزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ بَاطِلَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَيُعْتَبَرُ الزَّائِدُ عَنِ الثُّلُثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَوْمَ التَّنْفِيذِ لاَ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ يُعْتَبَرُ يَوْمَ النَّذْرِ (٢) .
تَكْيِيفُ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ:
٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَكْيِيفِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تَنْفِيذًا لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي، أَوْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً مِنْ قِبَل الْمُجِيزِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ كُل مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَل الْمُوصِي، لأَِنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنَ الْمُوصِي وَالإِْجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَبْضِ
_________
(١) الشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨٦، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٧، والمهذب ١ / ٤٥٠، والمغني ٦ / ٤ - ٧، ١٢ - ١٥، والإنصاف ٧ / ١١٣ - ١١٤
(٢) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤١٥ - ٤١٩، والزرقاني ٨ / ١٦٩، ومواهب الْجَلِيل ٦ / ٣٦٩، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٧، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٧٧
فَصَارَ كَالْمُرْتَهِنِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّهْنِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ قِبَل الْوَارِثِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْهِبَةِ (١) .
أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى بِهِ:
هُنَاكَ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى بِهِ:
أ - الْوَصِيَّةُ بِسَهْمٍ مِنَ الْمَال:
٥٤ - مَنْ أَوْصَى بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ إِنْ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ.
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْمُوصَى لَهُ كَأَقَل سِهَامِ الْوَرَثَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ أُعْطِيَ الثُّلُثَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ الثَّلاَثِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
الْقَوْل الرَّابِعُ: لِلْمُوصَى لَهُ مِثْل نَصِيبِ أَقَل
_________
(١) الاِخْتِيَار ٥ / ٦٣ - ٦٤، والإنصاف ٧ / ١٩٥ - ١٩٦، والزرقاني ٨ / ١٦٩ ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٧