الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَدْخُل فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى مِنْ أَوْلاَدِهِ وَأَوْلاَدِ أَبِيهِ وَأَوْلاَدِ جَدِّهِ وَأَوْلاَدِ جَدِّ أَبِيهِ، أَرْبَعَةُ آبَاءٍ فَقَطْ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِهِمْ ذَوِي الْقُرْبَى فَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا (١) وَيَسْتَوِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، لِعُمُومِ الْقَرَابَةِ لَهُمْ وَلاَ يَدْخُل فِي الْقَرَابَةِ كَافِرُهُمْ أَوْ مَنْ يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَهُمْ وَلاَ تَدْخُل فِي الْقَرَابَةِ أُمُّهُ وَلاَ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِهَا، لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يُعْطِ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى قَرَابَتَهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُل عَلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ أَهْل بَيْتِهِ وَقَوْمَهُ وَنُسَبَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَآلَهُ كَقَرَابَتِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ: قَرَابَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَبَوَيْهِ وَلَوْ جَاوَزُوا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، فَيُصْرَفُ إِلَى كُل مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ عُصْبَةٍ أَوْ بِالرَّحِمِ (٢) .
ج - الْوَصِيَّةُ لأَِقْرَبِ الأَْقَارِبِ:
٣٩ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى لأَِقْرَبِ أَقَارِبِهِ يَدْخُل فِيهِ الأَْصْل وَالْفَرْعُ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ
_________
(١) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِم. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ٦ / ٢٤٤) مِنْ حَدِيثِ جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٦٤، ٢٨٧
الشَّافِعِيَّةِ تَقْدِيمُ ابْنٍ وَإِنْ سَفَل عَلَى أَبٍ لأَِنَّهُ أَقْوَى إِرْثًا وَتَعْصِيبًا، وَتَقْدِيمُ أَخٍ سَوَاءٌ كَانَ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ أَوْ لأُِمٍّ عَلَى جَدٍّ لأَِبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ جِهَةِ الْبُنُوَّةِ عَلَى جِهَةِ الأُْبُوَّةِ وَلاَ يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ بَل يَسْتَوِي الأَْبُ وَالأُْمُّ وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ وَالأَْخُ وَالأُْخْتُ كَمَا يَسْتَوِي الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَصَّى لأَِقْرَبِ قَرَابَتِهِ فَالأَْبُ وَالاِبْنُ سَوَاءٌ، وَأَخٌ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ وَجَدٌّ سَوَاءٌ، وَالأَْخُ مِنَ الأَْبِ وَالأَْخُ مِنَ الأُْمِّ سَوَاءٌ، وَأَخٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْلَى مِنْ أَخٍ لأَِبٍ وَأَخٍ لأُِمٍّ - وَكُل مَنْ قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ قُدِّمَ وَلَدُهُ فَيُقَدَّمُ ابْنُ أَخِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ أَخٍ لأَِبٍ إِلاَّ الْجَدَّ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى بَنِي أُخْوَتِهِ وَإِلاَّ أَخَاهُ لأَِبِيهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ لأَِبَوَيْهِ: وَيُقَدَّمُ الاِبْنُ عَلَى الْجَدِّ، وَالأَْبُ عَلَى ابْنِ الاِبْنِ (٢) .
د - الْوَصِيَّةُ لِلأَْصْهَارِ وَالأَْخْتَانِ وَالآْل:
٤٠ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى لأَِصْهَارِهِ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ امْرَأَتِهِ (الْعَصَبَاتُ وَالأَْرْحَامُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " لَمَّا تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ﵂ أَعْتَقَ كُل مَنْ مَلَكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا إِكْرَامًا لَهَا، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَصْهَارَ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٦٤
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٦٣، والإنصاف ٧ / ٢٤٤
النَّبِيِّ ﷺ (١) .
وَكَذَا يَدْخُل فِيهِ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَزَوْجَةِ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، لأَِنَّ الْكُل أَصْهَارٌ بِشَرْطِ مَوْتِهِ وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ، أَوْ مُعْتَدَّتُهُ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، وَلَوْ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ لاَ يَسْتَحِقُّهَا.
وَمَنْ أَوْصَى لأَِخْتَانِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِزَوْجِ كُل ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، كَزَوْجِ الْبِنْتِ وَالأُْخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ لأَِنَّ الْكُل يُسَمَّى خَتَنًا وَكَذَا مَحَارِمُ الأَْزْوَاجِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قِيل هَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَفِي عُرْفِنَا الصِّهْرُ أَبُو الْمَرْأَةِ وَأُمُّهَا وَالْخَتَنُ زَوْجُ الْمَحْرَمِ فَقَطْ (٢) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِكَذَا لآِلِهِ فَهِيَ لآِل بَنِيهِ وَقَبِيلَتِهِ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ قِبَل آبَائِهِ إِلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ، الأَْقْرَبُ وَالأَْبْعَدُ وَالذَّكَرُ وَالأُْنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيَدْخُل فِيهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَابْنُهُ وَزَوْجَتُهُ إِذَا كَانَتْ مِنْ قَوْمِ أَبِيهِ إِذَا كَانُوا لاَ يَرِثُونَهُ.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِجِنْسِهِ أَوْ أَهْل بَيْتِهِ
_________
(١) حَدِيث: " تَزَوَّجَ النَّبِيّ ﷺ جُوَيْرِيَّة. . . " أَخْرَجَهُ ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَةِ كَمَا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لاِبْن هِشَام (٣ / ٢٤٠ ٢٤١ ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ)
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٣٧، وتكملة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤٧٦، وتبيين الحقائق٦ / ٢٠٠
أَوْ أَهْل نَسَبِهِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا لَوْ أَوْصَى لآِلِهِ (١) .
(ر: آل ف٣) .
هـ - الْوَصِيَّةُ لِلْعُلَمَاءِ:
٤١ - لَوْ أَوْصَى لِلْعُلَمَاءِ أَوْ لأَِهْل الْعِلْمِ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهَا لأَِصْحَابِ عُلُومِ الشَّرْعِ وَهُمْ أَهْل الْفِقْهِ وَأَهْل الْحَدِيثِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَهْل التَّفْسِيرِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ تَشْمَل مَنِ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ (٢) .
الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ ٤٢ - لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُوصَى لَهُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ يَشْمَل الذِّمِّيَّ، وَالْمُسْتَأْمَنَ، وَالْحَرْبِيَّ، وَالْمُرْتَدَّ، وَنُفَصِّل أَحْكَامَ كُلٍّ فِيمَا يَلِي:
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٣٨، وتبيين الْحَقَائِق ٦ / ٢٠٠
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٢١، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٥٩ - ٦٠، والفروع ٤ / ٦١٧، ومطالب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٨١
أ - الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ:
٤٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصِي مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا (١)﴾ قَال مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ.
وَرُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ أَوْصَتْ لاِبْنِ أَخِيهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ وَكَانَ يَهُودِيًّا (٢) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ (٣) .
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ هَذَا الشَّرْطَ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعَامَّةِ النَّصَارَى أَوْ لِعَامَّةِ أَهْل الذِّمَّةِ أَوْ نَحْوِهِمْ (٤) .
_________
(١) سُورَة الأَْحْزَابِ: ٦
(٢) حَدِيث: " أَنَّ صَفِيَّة أَوْصَتْ لاِبْنِ أَخِيهَا. . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (٦ / ٢٨١ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)
(٣) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٣٢، وروضة الْقُضَاة ٢ / ٦٨٤، وبدائع الصَّنَائِع ٧ / ٣٤١، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٨٥ - ١٨٦، والإنصاف ٧ / ٢٢١٢، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٥٢ - ٣٥٣، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٢ - ٤٣، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٦، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش مَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٣٦٨
(٤) الْمَرَاجِع السَّابِقَة
وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ بِكَوْنِهَا ذَاتَ سَبَبٍ مِنْ جِوَارٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ يَدٍ سَبَقَتْ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ سَبَبٍ فَالْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ مَحْظُورَةٌ (١) .
ب - الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ:
٤٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ الْمُعَيَّنِ، وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقِيَاسِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْهِبَةِ، وَبِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُول اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَال: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ (٢)، وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: " أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً - تَعْنِي الإِْسْلاَمَ - فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ آصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ (٣)، وَهَذَانِ فِيهِمَا صِلَةُ أَهْل
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٦
(٢) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عُمَر حُلَّة مِنْ حَرِير. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٦٣٨) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر
(٣) حَدِيث أَسْمَاءٍ: أَتَتْنِي أُمَّيْ رَاغِبَة. . أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١٠ / ٤١٣) ومسلم (٢ / ٦٩٦)
الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالإِْمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ مُطْلَقًا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾) . (١) فَيَدُل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لاَ يَحِل بِرُّهُ (٢) .
ج - الْوَصِيَّةُ لِلْمُسْتَأْمَنِ: ٤٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) سُورَة الْمُمْتَحِنَةِ ٨ ٩
(٢) رَوْضَة الْقُضَاة ٢ / ٦٨٤، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٣٨، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٦، والتاج وَالإِْكْلِيل عَلَى هَامِشِ مَوَاهِبَ الْجَلِيل ٦ / ٣٦٨، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤٠٠، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٣، وتحفة الْمُحْتَاج ٧ / ١٣، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٨٥ـ١٨٦، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٥٢، ٣٥٣، والإنصاف ٧ / ٢٢١، والمغني ٦ / ٤
وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ) إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُسْتَأْمَنِ.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ لِلْكَافِرِ بِمَا إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا (١) .
د - الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ:
٤٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ.
وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ لِلأَْمْرِ بِقَتْلِهِ فَلاَ مَعْنَى لِلْوَصِيَّةِ لَهُ.
وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ زَائِلٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ الْمُعَيَّنِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤١٩، ٤٢٠، والتاج وَالإِْكْلِيل ٦ / ٣٦٨، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤٠٠، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٣، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٥٣، والإنصاف ٧ / ٢٢١، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٨٥ - ١٨٦
مَا إِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَامْتَنَعَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ قَالُوا: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ قَطْعًا (١) .
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمُوصَى بِهِ:
الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَيُشْتَرَطُ لِلْمُوصَى بِهِ شُرُوطٌ هِيَ:
أَوَّلًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالًا.
٤٧ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالًا لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، وَلاَ يُمَلَّكُ غَيْرُ الْمَال. وَالْمَال الْمُوصَى بِهِ: يَشْمَل الأَْمْوَال النَّقْدِيَّةَ وَالْعَيْنِيَّةَ وَالدُّيُونَ الَّتِي فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ وَالْحُقُوقَ الْمُقَدَّرَةَ بِمَالٍ وَهِيَ حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ مِنْ مَالٍ وَشُرْبٍ وَمَسِيلٍ، وَالْمَنَافِعَ كَسُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الأَْرْضِ وَغَلَّةِ الْبُسْتَانِ الَّتِي سَتَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَل وَنَحْوِهَا مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ (٢) .
لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا مَلَكَ تَمْلِيكَهَا حَال
_________
(١) مَعُونَة أُولِي النُّهَى ٦ / ١٨٦، والإنصاف ٧ / ٢٢١، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٣، وتحفة الْمُحْتَاج ٧ / ١٣، وشرح الْخَرَشِيّ ٨ / ١٧١، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢
(٢) الْبَدَائِع: ٧ / ٣٥٢ - ٣٥٦، وتبيين الْحَقَائِق ٦ / ١٨٣، وتكملة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤٨٥ وَمَا بَعْدَهَا، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٥ / ٤٥٩، / ٤٠٢ ٢٥٥ / ٤٠٢ والشرح الْكَبِير للدردير ٤ / ٤٢٣، والشرح الصَّغِير ٤ / ٥٨٠ وَمَا بَعْدَهَا، وبداية الْمُجْتَهِد ٢ / ٣٢٩ وَمَا بَعْدَهَا، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص ٤٠٥، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٤ - ٤٦، والمهذب ١ / ٤٥٢، وكفاية الأَْخْيَار ٢ / ٥٦ وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٤٠٧، ٤١٨، وغاية الْمُنْتَهَى ٢ / ٣١٣، ونيل الْمَآرِب ٣ / ٢٥٢ وَمَا بَعْدَهَا، والمغني ٦ / ١٥١ وَمَا بَعْدَهَا
حَيَاتِهِ بِعَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ فَلأَنْ يَمْلِكَ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى لأَِنَّهُ أَوْسَعُ الْعُقُودِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا تَحْتَمِل مَا لاَ يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ عَدَمِ الْمَحَل وَالْخَطَرِ وَالْجَهَالَةِ، ثُمَّ لَمَّا جَازَ تَمْلِيكُهَا بِبَعْضِ الْعُقُودِ فَلأَنْ يَجُوزَ بِهَذَا الْعَقْدِ أَوْلَى (١) .
وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ: لاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةٌ بِمَال الْوَارِثِ، لأَِنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ تَحْصُل الْمَنَافِعُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ، وَمِلْكُ الْمَنَافِعِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَكَانَتِ الْمَنَافِعُ مِلْكَهُمْ لأَِنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةً مِنْ مَال الْوَارِثِ فَلاَ تَصِحُّ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ فِي مَعْنَى الإِْعَارَةِ إِذِ الإِْعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَذَلِكَ وَالْعَارِيَةُ تَبْطُل بِمَوْتِ الْمُعِيرِ، فَالْمَوْتُ لَمَّا أَثَّرَ فِي بُطْلاَنِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَلأَنْ يَمْنَعَ مِنَ الصِّحَّةِ أَوْلَى
_________
(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٥٢