الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
مُدَّةِ النَّفَقَةِ، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ (مِنْ تَارِيخِ مَوْتِ الْمُوصِي)، فَيَقُول الصَّبِيُّ: بَل مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ، أَوْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي تَارِيخِ مَوْتِ الْمُوصِي، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: مَاتَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَقَال الصَّبِيُّ: بَل مُنْذُ سَنَةٍ.
فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ اخْتِلاَفٌ فِي مُدَّةٍ، الأَْصْل عَدَمُهَا، وَيَسْهُل عَلَى الْوَصِيِّ الْقِيَامُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَصِيِّ (١) .
ثَالِثًا: الاِخْتِلاَفُ فِي دَفْعِ الْمَال إِلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ:
٦٠ - إِذَا وَقَعَ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ فِي دَفْعِ الْمَال إِلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير للدردير بِهَامِش حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٦، شَرْح مَنَحَ الْجَلِيل لِلشَّيْخِ عِلِيش ٤ / ٦٩٥، وَالْمَجْمُوع لِلنَّوَوِيِّ ٦ / ٤٣٧، ٤٣٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٢١، وَالْكَافِي فِي فِقْهِ الإِْمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل ٢ / ٥٢٣، وَحَاشِيَة رَدَّ الْمُحْتَارِ لاِبْنِ عَابِدِينَ ٦ / ٧١٩، ٧٢٠، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٥٥.
الْقَوْل الأَْوَّل: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الصَّبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ " (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْيَمِينِ لِقَبُول قَوْل الصَّبِيِّ فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: صَدَقَ الْوَلَدُ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدِ الْمَالِكِيَّةُ قَبُول قَوْل الصَّبِيِّ بِهَذَا الشَّرْطِ. (٢)
الْقَوْل الثَّانِي: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِل الْمَشْهُورِ - وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ وَهْبٍ - وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل فِي دَفْعِ الْمَال إِلَى الصَّبِيِّ قَوْل الْوَصِيِّ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي ذَلِكَ، فَيُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِ كَالْقَوْل فِي النَّفَقَةِ وَكَالْمُوَدَعِ (٣) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَصِيِّ بِجُعْلٍ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ الْمُتَبَرِّعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَقَالُوا: يُقْبَل قَوْل الْوَصِيِّ إِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لأَِنَّهُ أَمِينٌ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَصِيُّ مُتَبَرِّعًا بَل بِأُجْرَةٍ فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي دَفْعِهِ الْمَال إِلَيْهِ، بَل قَوْل الْيَتِيمِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّ
_________
(١) سُورَة النِّسَاء: ٦.
(٢) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٦، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل ٤ / ٦٩٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨.
(٣) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٦، وَمَنْح الْجَلِيل ٤ / ٦٩٥، وَرَوْضَة الْقُضَاة ٢ / ٧٠٧، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ٦٨.
قَبَضَ الْمَال لِحَظِّهِ فَلَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَعِيرِ (١) .
أُجْرَةُ الْوَصِيِّ وَانْتِفَاعُهُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ:
٦١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا فَرَضَ لَهُ الأَْبُ أَوِ الْقَاضِي أُجْرَةً فِي مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ مُقَابِل الْقِيَامِ بِالْوِصَايَةِ كَانَ لَهُ أَخْذُهَا سَوَاءٌ أَكَانَ غَنِيًّا أَمْ فَقِيرًا. (٢)
كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّ الْغَنِيَّ إِذَا لَمْ يُفْرَضْ لَهُ شَيْءٌ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ " (٤) . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ إِنْ كَانَ لِلْوَصِيِّ الْغَنِيِّ فِي الْوِصَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ خِدْمَةٌ وَعَمَلٌ، فَقِيل: إِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُل بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَخِدْمَتِهِ لَهُ، وَقِيل: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (٥) .
٦٢ - وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ أَخْذِ الْوَصِيِّ الْفَقِيرِ أُجْرَةً مِنْ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَفْرِضْ لَهُ الأَْبُ أَوِ الْقَاضِي شَيْئًا.
_________
(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٥٦، وَشَرْح الْمُنْتَهَى ٢ / ١٨٠.
(٢) حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٦ / ٧١٣، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص٣١٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨، وَالْمُقْنِع ص١٢٦، وَالْحَاوِي ١٠ / ٢١٢ - ٢١٣.
(٣) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(٤) سُورَة النِّسَاء: ٦.
(٥) مَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٣٩٩.
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ - فِي الاِسْتِحْسَانِ - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ الأَْجْرَ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ لِحَاجَةِ فَقْرٍ حَسَبَ ضَوَابِطَ تُحَدِّدُ مِقْدَارَ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَخْذُهُ، وَالْحَالاَتُ الَّتِي يَجُوزُ الأَْخْذُ فِيهَا يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي (وِلاَيَة ف ٥٩ - ٦٠، إِيصَاء ف١٧) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ - وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ - أَنَّ الْوَصِيَّ الْفَقِيرَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ مُقَابِل قِيَامِهِ بِمَهَامِّ الْوِصَايَةِ إِذَا لَمْ يَفْرِضْ لَهُ الأَْبُ أَوِ الْقَاضِي شَيْئًا. (١)
إِيصَاءُ الْوَصِيِّ:
٦٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ إِيصَاءِ الْوَصِيِّ إِذَا عَيَّنَ الْمُوصَى لَهُ مَنْ يُوصِيهِ (٢) وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَنْ يُوصِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل:
جَوَازُ إِيصَاءِ الْوَصِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ وَصِيَّ الْوَصِيِّ وَصِيٌّ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ لأَِنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِوِلاَيَةٍ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ، فَيَمْلِكُ الإِْيصَاءَ إِلَى غَيْرِهِ كَالْجَدِّ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْوِلاَيَةَ الَّتِي كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُوصِي تَنْتَقِل
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٦ / ٧١٣ ط الْحَلَبِيّ.
(٢) الدَّرّ الْمُحْتَار ٦ / ٦ - ٧، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل ٤ / ٦٩١، وَالْحَاوِي للماوردي ١٠ / ١٩٨، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٧٥.
إِلَى الْوَصِيِّ، وَبِهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ. (١)
الْقَوْل الثَّانِي:
عَدَمُ جَوَازِ الإِْيصَاءِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِالإِْذْنِ مِنَ الْمُوصَى فَلاَ يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ كَالْوَكِيل، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَإِسْحَاقَ لأَِنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ الثَّانِي، وَقِيَاسًا عَلَى الْوَكِيل (٢) .
إِقْرَارُ الْوَصِيِّ وَشَهَادَتُهُ:
أ) إِقْرَارُ الْوَصِيِّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ:
٦٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ إِقْرَارُ الْوَصِيِّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ تَرِكَتِهِ لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَالإِْقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ بَاطِلٌ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُقِرِّ لَهُ أَخْذُهُ حَتَّى يُقِيمَ بُرْهَانًا وَيَحْلِفَ يَمِينًا، وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لَوْ دَفَعَ لِلْمُقِرِّ لَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ وَارِثًا فَيَصِحُّ فِي حِصَّتِهِ. (٣)
_________
(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ للزيلعي ٦ / ٢٠٩ - ٢١٠، وَالدَّرّ الْمُخْتَار ٦ / ٧٠٦ - ٧٢٣، وَمَعَهُ حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ ٦ / ٧٠١، ٧٠٦، ٧٢٣، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل، لِلشَّيْخِ عِلِيش ٤ / ٦٨٨، ٦٩١.
(٢) الْحَاوِي للماوردي ١٠ / ١٩٨ - ٢٠٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٤، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ٥٧٤ - ٥٧٥، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٧٥، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٢ / ٥٢٢، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٤ / ٥٣٢، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٦.
(٣) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٦ / ٧١٤، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٣ / ٥٣٥، وَالْمُغْنِي ٦ / ١٤٦، وَالْمَنْثُور فِي الْقَوَاعِدِ ١ / ١٨٧.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لآِخَرَ وَلَمْ تَكُنْ مِنَ التَّرِكَةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا لِلصَّغِيرِ لاَ يُسْمَعُ إِقْرَارُهُ لِتَنَاقُضِهِ لأَِنَّ إِقْرَارَهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْضِي عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ يَمْضِي عَلَيْهِ هُوَ حَتَّى لَوْ مَلَكَهَا يَوْمًا أُمِرَ بِدَفْعِهَا لَهُ (١) .
ب) شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ لآِخَرَ بِالْوِصَايَةِ مَعَهُمَا:
٦٥ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِزَيْدٍ مَعَهُمَا لَغَتْ لإِثْبَاتِهِمَا لأَِنْفُسِهِمَا مُعَيَّنًا، وَحِينَئِذٍ فَيَضُمُّ الْقَاضِي لَهُمَا ثَالِثًا وُجُوبًا، لإِقْرَارِهِمَا بِآخَرَ فَيَمْتَنِعُ تَصَرُّفُهُمَا بِدُونِهِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنَ امْتِنَاعِ تَصَرُّفِ أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ وَحْدَهُ إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ زَيْدٌ أَنَّهُ وَصِيٌّ مَعَهُمَا، فَحِينَئِذٍ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّهُمَا أَسْقَطَا مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ عَنِ الْقَاضِي إِذْ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَضُمَّ ثَالِثًا إِلَيْهِمَا، وَهَذَا الثَّالِثُ لَهُ حُكْمُ وَصِيِّ الْقَاضِي لاَ حُكْمُ وَصِيِّ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُؤَثِّرْ سِوَى التَّعْيِينِ، وَكَذَا ابْنَا الْمَيِّتِ إِذَا شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِجَرِّهِمَا نَفْعًا لِنَصْبِ حَافِظٍ لِلتَّرِكَةِ لِقَوْل شُرَيْحٍ: لاَ أَقْبَل شَهَادَةَ خَصْمٍ وَلاَ قَرِيبٍ وَلَوْ يَدَّعِي زَيْدٌ هَذَا يُقْبَل اسْتِحْسَانًا (٢) .
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٦ / ٧١٤.
(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار ٦ / ٧١٦، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢١٣.
ج) شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ لِوَارِثٍ:
٦٦ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَارِثٍ صَغِيرٍ بِمَالٍ سَوَاءٌ انْتَقَل إِلَيْهِ مِنَ الْمَيِّتِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ، لأَِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ لأَِنْفُسِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَال، فَصَارَا مُتَّهَمَيْنِ أَوْ خَصْمَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَا لِوَارِثٍ كَبِيرٍ بِمَال الْمَيِّتِ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا أَيْضًا، لأَِنَّهُمَا يُثْبِتَانِ وِلاَيَةَ الْحِفْظِ وَوِلاَيَةَ بَيْعِ الْمَنْقُول لأَِنْفُسِهِمَا عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ.
أَمَّا إِنْ شَهِدَا لِوَارِثٍ كَبِيرٍ فِي غَيْرِ التَّرِكَةِ أَوْ فِي غَيْرِ مَال الْمَيِّتِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، لاِنْقِطَاعِ وِلاَيَتِهِمَا عَنْهُ فَلاَ تُهْمَةَ حِينَئِذٍ، وَلأَِنَّ الْمَيِّتَ أَقَامَهُمَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَرِكَتِهِ لاَ فِي غَيْرِهَا.
وَقَال الصَّاحِبَانِ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ): إِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَارِثٍ كَبِيرٍ جَازَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ فِيمَا تَرَكَهُ الْمُوصِي وَغَيْرُهُ، لأَِنَّ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ لاَ تَثْبُتُ لَهُمَا فِي مَال الْمَيِّتِ إِذَا كَانَتِ الْوَرَثَةُ كِبَارًا فَعَرِيَتْ عَنِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ صَغِيرًا. (١)
_________
(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢١٤، الدَّرّ الْمُخْتَار ٦ / ٧١٥ - ٧١٦.
وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ. (١)
د) شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِمُوَلِّيهِ وَعَلَيْهِ:
٦٧ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ وَصِيٌّ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَشْهَدَ بِغَيْرِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَصِيِّ لِمُوَلِّيهِ تُرَدُّ إِنْ كَانَ خَاصَمَ فِيهِ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى مَنْ فِي حِجْرِهِ فَتُقْبَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ. (٢)
تَوْكِيل الْوَصِيِّ غَيْرَهُ:
٦٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَوْكِيل الْوَصِيِّ غَيْرَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
_________
(١) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٦ / ٦٢٦.
(٢) رَوْضَة الْقُضَاة للسمناني ١ / ٢٥٢، وَالْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٢٢٦، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ١١ / ٢٢٤، ٦ / ٣٢٢، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٦ / ٤٣٠، والانصاف ١٢ / ٧٢.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - قَال عَنْهُ الأَْذْرُعِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْغَزَالِيِّ - وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ رَجَّحَهَا الْقَاضِي، وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: هُوَ الصَّوَابُ إِلَى جَوَازِ أَنْ يُوَكَّل الْوَصِيُّ بِكُل مَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ أَمْرِ الْيَتِيمِ، لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِلاَيَةِ. (١)
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ كَانَ لِلْيَتِيمِ وَصِيَّانِ فَوَكَّل كُل وَاحِدٍ رَجُلًا عَلَى حِدَةٍ بِشَيْءٍ قَامَ وَكِيل كُل وَاحِدٍ مِنَ الْوَكِيلَيْنِ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي مَال الصَّغِيرِ أَوِ الْمَجْنُونِ فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِمِثْلِهِ. لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيل عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ تَتَضَمَّنِ الْوَصِيَّةُ الإِْذْنَ لَهُ بِالتَّوْكِيل، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ، كَمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لَوْ نَهَاهُ عَنْهُ، أَمَّا مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِمِثْلِهِ فَيَجُوزُ. (٣)
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٣ / ٥٦٢، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧٣، وَالإِْنْصَاف لِلْمَرْدَاوَيَّ ٥ / ٣٦٢.
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٣ / ٥٦٢.
(٣) الْفُرُوق ٤ / ٣٩، وَالْمُهَذَّب ١ / ٤٦٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٦٦، وَالإِْنْصَاف ٥ / ٣٦٢.
إِقْرَارُ الْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ أَوِ الْمَجْنُونِ:
٦٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِقْرَارِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ لأَِنَّ إِقْرَارَهُ عَلَى الْغَيْرِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لِكَوْنِ الإِْقْرَارِ حُجَّةً قَاصِرَةً عَلَى الْمُقِرِّ لاَ تَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ. (١)
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى الْمُوَلَّى فِيهِ فَهُوَ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ بِالْمُوَلَّى عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٢)، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ عَالِمَنَا (٣)، وَالإِْضْرَارُ بِالصَّغِيرِ لَيْسَ مِنَ الْمَرْحَمَةِ فِي شَيْءٍ. (٤)
وَيَقُول الْمَوَّاقُ: الْوَصِيُّ لاَ يَلْزَمُ إِقْرَارُهُ عَلَى الْمَحْجُورِ، وَلَكِنْ يَكُونُ شَاهِدًا لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ عَلَى الْمَحْجُورِ
_________
(١) الْبَدَائِع ٥ / ١٥٣، وَالْفُرُوق ٤ / ٣٩، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٥ / ١٨٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٤ / ١٨٧، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٨.
(٢) حَدِيث: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (٥٠) .
(٣) حَدِيث: " لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (٥٠)
(٤) الْبَدَائِع ٥ / ١٥٣.