الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْهَا فَلاَ يَمْلِكُ الأَْخْذَ بِهَا كَالأَْجْنَبِيِّ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِهَا الصَّبِيُّ إِذَا كَبُرَ. (١)
٥٠ - وَإِذَا لَمْ يَطْلُبِ الْوَصِيُّ الشُّفْعَةَ مَعَ أَنَّ مَصْلَحَةَ الصَّبِيِّ فِي طَلَبِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فِي طَلَبِهَا إِذَا بَلَغَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ) إِلَى أَنَّ لِلصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ طَلَبَهَا.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَكَانَ يُفْتِي بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّبِيِّ طَلَبُهَا (٢) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَرْكُ الْوَصِيِّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ التَّرْكُ فِي مَصْلَحَةِ الصَّغِيرِ:
٥١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ تَرْكَ الشُّفْعَةِ لِلصَّغِيرِ إِذَا كَانَ تَرْكُ الطَّلَبِ فِي مَصْلَحَتِهِ مِثْل أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ قَدْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ، أَوْ لأَِنَّ الثَّمَنَ
_________
(١) الْمُغْنِي ٥ / ٣٤٠.
(٢) الْخَرَشِيّ ٥ / ٢٩٨، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ١٩٢، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٥ / ٢٦٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٧٦، تُحْفَة الْمُحْتَاج ٥ / ١٨٣ - ١٨٤، وَالإِْنْصَاف ٦ / ٢٧٢، وَالْمُغْنِي ٥ / ٣٣٩.
يَحْتَاجُ إِلَى إِنْفَاقِهِ أَوْ صَرْفِهِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ، أَوْ لأَِنَّ مَوْضِعَهُ لاَ يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ أَوْ لأَِنَّ أَخْذَهُ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ مَا إِبْقَاؤُهُ أَوْلَى، أَوْ إِلَى اسْتِقْرَاضِ ثَمَنِهِ وَرَهْنِ مَالِهِ، أَوْ إِلَى ضَرَرٍ وَفِتْنَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ الأَْحْوَال، لاِنْعِدَامِ حَظِّ الصَّغِيرِ وَلُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ. (١)
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهَا مِثْل أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَبَنَ أَوْ كَانَ فِي الأَْخْذِ بِهَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَرْهَنَ مَال الصَّبِيِّ فَلَيْسَ لَهُ الأَْخْذُ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ فِعْل مَا لاَ حَظَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ. (٢)
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ لِلصَّغِيرِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ فِي مَصْلَحَتِهِ وَلَهُ فِيهِ حَظٌّ مُعَلِّلِينَ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الْوَصِيَّ يَشْتَرِي لِلصَّغِيرِ مَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى لَهُ مَعِيبًا لاَ يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَلأَِنَّ الْحَظَّ قَدْ يَخْتَلِفُ وَيَخْفَى، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَظٌّ فِي الأَْخْذِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل لِزِيَادَةِ قِيمَةِ
_________
(١) الْبَدَائِع ٥ / ١٦، وَالْخَرَشِيّ ٥ / ٢٩٨، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ٢ / ١٠٠، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٤ / ١٨٩، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٥ / ١٨٣، وَالْمُغْنِي ٥ / ٤٩٧، وَالإِْنْصَاف ٦ / ٢٧٣.
(٢) الْمُغْنِي ٥ / ٤٩٧.
مِلْكِهِ، وَلأَِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِأَخْذِ الْوَصِيِّ بِالشُّفْعَةِ كَثِيرٌ، فَلاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْحَظِّ بِنَفْسِهِ لِخَفَائِهِ. (١)
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهَا فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ الأَْخْذُ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ فِعْل مَا لاَ حَظَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ، فَإِنْ أَخَذَ فَهَل يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يَصِحُّ وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا لاَ يَمْلِكُ شِرَاءَهُ فَلَمْ يَصِحَّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ الأَْخْذُ لِلصَّبِيِّ، لأَِنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ فَصَحَّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا لاَ يَعْلَمُ عَيْبَهُ. (٢)
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتِوَاءُ الْمَصْلَحَةِ فِي الأَْخْذِ وَالتَّرْكِ:
٥٢ - لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يَحْرُمُ الأَْخْذُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ " (٣) .
فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْمَنْعِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ،
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير ٣ / ٤٦٨، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٥ / ٤٩٧.
(٢) الْمُغْنِي ٥ / ٣٤٠.
(٣) سُورَة الأَْنْعَام / ١٥٢.
لِوُرُودِهَا بِصِيغَةِ التَّفْضِيل.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ الأَْخْذُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُتَخَيَّرُ. (١)
تَاسِعًا: إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ:
إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَسْتَقْرِضَ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ وَإِمَّا أَنْ يُقْرِضَهُ لِلْغَيْرِ.
أ - اقْتِرَاضُ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ مَال الصَّغِيرِ:
٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اقْتِرَاضِ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْتَرِضَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَال الصَّغِيرِ لِلتُّهْمَةِ (٢) . وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ بِجَوَازِ اقْتِرَاضِ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ. (٣)
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٥ / ١٨٣.
(٢) فَتَاوَى قاضيخان ٣ / ٥٢١، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥، وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي ٥ / ١١١، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٥٠.
(٣) فَتَاوَى قاضيخان ٣ / ٥٢١، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥.
ب - إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ لِلْغَيْرِ:
٥٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِلْكِيَّةِ الْوَصِيِّ إِقْرَاضَ مَال الصَّغِيرِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ إِقْرَاضُ مَال الصَّغِيرِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ عِنْدِ الْحَنَفِيَّةِ وَلِحَاجَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١) فَإِنْ خَافَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ، أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ الإِْقْرَاضُ، وَلاَ يُقْرِضُهُ إِلاَّ ثِقَةً مَلِيئًا، لأَِنَّ غَيْرَ الثِّقَةِ يَجْحَدُ وَغَيْرَ الْمَلِيءِ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُ الْبَدَل مِنْهُ، وَعَلَّل هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ عَدَمَ جَوَازِ إِقْرَاضِ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ بِأَنَّ الإِْقْرَاضَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ يُعَدُّ تَبَرُّعًا فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ كَالْهِبَةِ. (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى
_________
(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٤ / ٣٤١، وَفَتَاوَى قاضيخان بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٣ / ٥٢٠ - ٥٢١، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٣٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٢٢، وَالْمُنْتَقَى ٥ / ١٤٩، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٢ / ٢١٤، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٤ / ١٩١، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٩، وَالْمُغْنِي ٤ / ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٤ / ٣٤١، وَفَتَاوَى قاضيخان بِهَامِش الْهِنْدِيَّة ٣ / ٥٢٠ - ٥٢١، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٣٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٢٢، وَالْمُنْتَقَى ٥ / ١٤٩، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٢ / ٢١٤، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٤ / ١٩١ وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٩، وَالْمُغْنِي ٤ / ٢٦٩ - ٢٧٠.
أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ تَسْلِيفُ مَال الْيَتِيمِ لأَِحَدٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَلَوْ أَخَذَ رَهْنًا، إِذْ لاَ مَصْلَحَةَ لِلْيَتِيمِ فِي ذَلِكَ. (١)
ج - اسْتِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالًا لِلصَّغِيرِ:
٥٥ - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالًا لِلصَّغِيرِ إِذَا دَعَتْ لِذَلِكَ حَاجَةٌ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ فِي كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ وَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ جَازَ، لأَنَّ الاِسْتِدَانَةَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ، وَالرَّهْنُ يَقَعُ إِيفَاءً لِلْحَقِّ فَيَجُوزُ. (٢)
عَاشِرًا: رَهْنُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ:
وَسَبَبُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَيْنِ الصَّغِيرِ، أَوْ بِدَيْنٍ لِلْوَصِيِّ.
أَوَّلًا: الرَّهْنُ بِسَبَبِ دَيْنِ الصَّغِيرِ.
٥٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رَهْنِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ: أ) ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ رَهْنُ مَال الْيَتِيمِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْيَتِيمِ، وَيَكُونَ عِنْدَ ثِقَةٍ. (٣)
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥، وَالإِْنْصَاف ٥ / ٣٢٨.
(٢) أَحْكَام الصِّغَار ص٣٤٨ مَسْأَلَة ١١٩٣.
(٣) مَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٤١٩، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٣ / ٢٣٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٤ / ٦٣، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٣٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٢٢، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٣٢٢، وَالْمُغْنِي ٤ / ٣٩٧.
ب) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَال الصَّغِيرِ عِنْدَ الأَْجْنَبِيِّ بِتِجَارَةٍ بَاشَرَهَا أَوْ رَهْنٍ لِلْيَتِيمِ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ بِالتِّجَارَةِ، لأَِنَّ لِلْوَصِيِّ التِّجَارَةَ بِمَال الصَّغِيرِ تَثْمِيرًا لَهُ، وَالرَّهْنُ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَيَمْلِكُهُ إِيفَاءً وَاسْتِيفَاءً، وَزَادُوا: لَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ جَازَ لاِشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ. (١)
ثَانِيًا: الرَّهْنُ بِسَبَبِ دَيْنٍ لِلْوَصِيِّ:
٥٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رَهْنِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ لِلْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ:
أ) فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى الصَّغِيرِ لأَِنَّ الرَّهْنَ إِيفَاءٌ حُكْمًا، فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ كَالإِْيفَاءِ حَقِيقَةً، وَلأَِنَّ الْوَاحِدَ لاَ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي الرَّهْنِ كَمَا لاَ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّ مُتَّهَمٌ فِي رَهْنِهِ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ لِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. (٢)
_________
(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٧٣، وَتَكْمِلَة الْبَحْرِ الرَّائِقِ ٨ / ٢٨١، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ٩ / ٩٠.
(٢) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٧٢، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٣، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٣ / ٢٣٢، أَسْنَى الْمَطَالِب ٢ / ١٥٥، كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٨.
ب) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ. (١)
اخْتِلاَفُ الْوَصِيِّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ:
قَدْ يَقَعُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ، وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ غَالِبًا مَا يَكُونُ حَوْل قَدْرِ النَّفَقَةِ، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: أَنْفَقْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَيَقُول الْمُوصَى عَلَيْهِ: بَل خَمْسِينَ فَقَطْ.
وَقَدْ يَكُونُ الاِخْتِلاَفُ فِي مُدَّةِ النَّفَقَةِ، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ عَشْرَ سِنِينَ، وَيَقُول الْمُوصَى عَلَيْهِ: بَل خَمْسًا فَقَطْ.
وَقَدْ يَكُونُ الاِخْتِلاَفُ حَوْل تَارِيخِ مَوْتِ الْمُوصِي، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: مَاتَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَيَقُول الْمُوصَى عَلَيْهِ: بَل مُنْذُ سَنَةٍ.
وَقَدْ يَكُونُ التَّنَازُعُ حَوْل رَدِّ الْمَال إِلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
وَنَذْكُرُ فِيمَا يَلِي أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي كُل حَالَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ عَلَى حِدَةٍ.
_________
(١) الْمُغْنِي ٤ / ٣٩٧، وَالإِْنْصَاف ٥ / ٣٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٥٠.
أَوَّلًا: الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل النَّفَقَةِ أَوْ فِي قَدْرِهَا:
٥٩ - إِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيُّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ أَوْ فِي أَصْلِهَا فَالْقَوْل قَوْل الْوَصِيِّ بِيَمِينِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ - وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الإِْسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ - وَلاَ يُصَدَّقُ فِي الْفَضْل، لأَِنَّهُ فِي قَدْرِ نَفَقَةِ الْمِثْل مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَالْفَضْل عَلَى ذَلِكَ إِسْرَافٌ فَلاَ يَكُونُ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ شَرْعًا، وَقَال الإِْسْتَرُوشَنِيُّ: إِنَّ الْوَصِيَّ مَتَى أَقَرَّ بِتَصَرُّفٍ فِي مَال الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَكَذَّبَهُ الصَّغِيرُ، إِنْ كَانَ تَصَرُّفًا هُوَ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِتَصْدِيقِ الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَل قَوْل الْوَصِيِّ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الإِْنْفَاقِ بِلاَ بَيِّنَةٍ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: ادَّعَى قَضَاءَ دَيْنِ الْمَيِّتِ، أَوِ ادَّعَى قَضَاءَهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْل قَبْضِ ثَمَنِهَا، أَوْ أَنَّ الْيَتِيمَ اسْتَهْلَكَ مَالًا آخَرَ فَدَفَعَ ضَمَانَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ بِتِجَارَةٍ فَرَكِبَهُ دُيُونٌ فَقَضَاهَا عَنْهُ، أَوْ أَدَّى خَرَاجَ أَرْضِهِ فِي وَقْتٍ لاَ يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ، أَوْ جُعْل عَبْدِهِ الآْبِقِ، أَوْ فِدَاءَ عَبْدِهِ الْجَانِي، أَوِ الإِْنْفَاقَ عَلَى مَحْرَمِهِ، أَوْ عَلَى رَقِيقِهِ الَّذِينَ مَاتُوا، أَوِ الإِْنْفَاقَ عَلَيْهِ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَا مِنْ
مَال نَفْسِهِ حَال غَيْبَةِ مَالِهِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ، أَوْ أَنَّهُ زَوَّجَ الْيَتِيمَ امْرَأَةً وَدَفَعَ مَهْرَهَا مِنْ مَالِهِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، أَوِ اتَّجَرَ وَرَبِحَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُضَارِبًا.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ، لِقَبُول قَوْل الْوَصِيِّ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الإِْنْفَاقِ دُونَ بَيِّنَةٍ شُرُوطًا ثَلاَثَةً وَهِيَ:
أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى عَلَيْهِ فِي حَضَانَتِهِ، وَأَنْ يُشَبِّهَ فِيمَا يَدَّعِيهِ، وَأَنْ يَحْلِفَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُوصَى عَلَيْهِ فِي حَضَانَتِهِ بِأَنْ كَانَ فِي حَضَانَةِ غَيْرِهِ وَتَنَازَعَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ الْقَوْل لَهُ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِذَا لَمْ يُشَبِّهْ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ (١) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى النَّفَقَةِ اللاَّئِقَةِ صُدِّقَ الْمُوصَى عَلَيْهِ وَضَمِنَ الْوَصِيُّ الزِّيَادَةَ لِتَفْرِيطِهِ. (٢)
ثَانِيًا: الاِخْتِلاَفُ فِي مُدَّةِ النَّفَقَةِ أَوْ فِي تَوْقِيتِ مَوْتِ الْمُوصِي:
٥٩ - إِذَا تَنَازَعَ الْوَصِيُّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ فِي
_________
(١) حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٦ / ٧١٩، وَأَحْكَام الصِّغَارِ ص٣٦٢، وَمَجْمَع الضَّمَانَات ٣٩٩ - ٤٠٠ وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٥٥، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ٨ / ٢٠٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٢٠، وَالْكَافِي فِي فِقْهِ الإِْمَامِ أَحْمَد ٢ / ٥٢٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٥٦، ٤٤٧.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨، وَالْكَافِي ٢ / ٥٢٣.