الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ. (١)

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنِ اتَّجَرَ الْوَصِيُّ بِمَال الْيَتِيمِ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ فِي نَظِيرِ اتِّجَارِهِ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُوصَى عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ. (٢)

الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ (٣)، لِئَلاَّ يُحَابِيَ نَفْسَهُ بِزِيَادَةٍ مِنَ الرِّبْحِ. (٤)

وَفَسَّرَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الْجَوَازِ هُنَا بِالْكَرَاهَةِ. وَزَادُوا: أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا عَمِل بِمَال الْيَتِيمِ مَجَّانًا فَلاَ نَهْيَ بَل هُوَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. (٥)

ج - دَفْعُ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَعْمَل فِيهِ مُضَارَبَةً:

٤١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ مُضَارَبَةً أَوْ

_________

(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٥ / ٤٥٥، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٣٩٩، كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٩.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٩، وَالْمُغْنِي ٤ / ٢٦٥.

(٣) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٣٩٩، وَالْمُبْدِع ٤ / ٣٣٨ وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٥٥.

(٤) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥.

(٥) الْمَرْجِع نَفْسه.

بِضَاعَةً لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ. (١)

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِهِ.

وَالتَّفْصِيل فِي (إِيصَاء ف١٤، وِلاَيَة ف٦٣) .

ثَالِثًا: تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ الْمُوصَى عَلَيْهِ:

٤٢ - تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ الْمُوصَى عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ.

أَمَّا تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِلْغَيْرِ فَجَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ لأَِنَّ الْوَصِيَّ لَهُ اسْتِعْمَال الصَّبِيِّ بِلاَ عِوَضٍ لِلتَّهْذِيبِ وَالرِّيَاضَةِ فَبِالْعِوَضِ أَوْلَى.

أَمَّا اسْتِئْجَارُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ لِنَفْسِهِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى جَوَازِهِ. (٢)

٤٣ - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسْخِ الإِْجَارَةِ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا أَثْنَاءَ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ وَقَدْ

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٤٧ وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٣٩٩، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٧٤ - ١٧٥، وَالْمُبْدِع ٤ / ٣٣٨ - ٣٣٩، كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٩.

(٢) الْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٤٤٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٥٦٧، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٤ / ٣٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٢٥٠.

أَجَّرَهُ الْوَصِيُّ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى أَقْوَالٍ:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الصَّبِيَّ لَهُ فَسْخُ الإِْجَارَةِ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الصُّوَرُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ سِتٌّ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَظُنَّ الْوَلِيُّ بُلُوغَهُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ يَظُنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا، وَفِي كُلٍّ مِنَ الثَّلاَثَةِ إِمَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا كَثِيرٌ أَوْ يَسِيرٌ كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الأَْيَّامِ، فَلاَ خِيَارَ لَهُ فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا إِذَا ظَنَّ عَدَمَ الْبُلُوغِ فِيهَا وَبَلَغَ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ يَسِيرٌ، وَيُخَيَّرُ فِي الْبَاقِي وَهِيَ مَا إِذَا بَقِيَ كَثِيرٌ مُطْلَقًا ظَنَّ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الإِْجَارَةِ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا وَكَذَا إِنْ بَقِيَ يَسِيرٌ وَالْحَال أَنَّهُ ظَنَّ بُلُوغَهُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا. (٢)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْوَلِيَّ إِنْ أَجَّرَ صَبِيًّا مُدَّةً لاَ يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبَلَغَ بِالاِحْتِلاَمِ وَهُوَ رَشِيدٌ فَالأَْصَحُّ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ وَفِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ: تَنْفَسِخُ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْوِلاَيَةِ فِيمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ.

وَلَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ بَطَلَتِ الإِْجَارَةُ فِيمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ. (٣)

_________

(١) الْفَتَاوَى البزازية ٦ / ٤٤٤.

(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٣٢.

(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٥٦.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَجَّرَ الْوَصِيُّ الْيَتِيمَ مُدَّةً ثُمَّ بَلَغَ وَرَشَدَ قَبْل انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ يَعْلَمُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ أَجَّرَهُ سَنَتَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ وَقْتَ بُلُوغِ الْيَتِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَصِيُّ بُلُوغَ الْيَتِيمِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ تَنْفَسِخِ الإِْجَارَةُ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ لاَزِمٌ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَرِّفُ (١) .

رَابِعًا: تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ:

٤٤ - تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ نَفْسِهِ.

أـ أَمَّا تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ لِلْغَيْرِ فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢» .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ تَأْجِيرَ أَرْضِ الصَّبِيِّ إِجَارَةً طَوِيلَةً حَيْثُ قَالُوا: وَالْوَصِيُّ إِذَا أَجَّرَ أَرْضَ الْيَتِيمِ إِجَارَةً طَوِيلَةً رَسْمِيَّةً ثَلاَثَ سِنِينَ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الرَّسْمَ فِي الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ أَنْ يُجْعَل شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ مَال الإِْجَارَةِ بِمُقَابَلَةِ السِّنِينَ الأُْولَى وَمُعْظَمُ الْمَال

_________

(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٥٦٧ - ٥٦٨.

(٢) الْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْهِنْدِيَّة ٦ / ٤٤٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٥٦٧، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٢٥٤.

بِمُقَابَلَةِ السَّنَةِ الأَْخِيرَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الإِْجَارَةُ لأَِرْضِ الْيَتِيمِ لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ فِي السِّنِينَ الأُْوَل لأَِنَّهَا تَكُونُ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل فَلاَ تَصِحُّ.

وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلْيَتِيمِ بِمَال الْيَتِيمِ فَفِي السَّنَةِ الأَْخِيرَةِ يَكُونُ الاِسْتِئْجَارُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْل فَلاَ يَصِحُّ. (١)

ب - وَأَمَّا تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ. (٢)

٤٥ - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا أَثْنَاءَ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ وَكَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى مَال الصَّبِيِّ: فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. (٣)

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ عَقَدَ الْوَصِيُّ عَلَى سِلَعِ الصَّبِيِّ كَدَارِهِ وَدَابَّتِهِ وَغَيْرِهِمَا فَيَلْزَمُ فِيمَا إِذَا ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ سِنُونَ عَلَى الأَْرْجَحِ.

وَمُقَابِل الأَْرْجَحِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَشْهَبُ مِنْ

_________

(١) جَامِع أَحْكَام الصِّغَار ص ٢١٢.

(٢) الْفَتَاوَى البزازية ٦ / ٤٤٤.

(٣) الْمَرْجِع السَّابِق.

أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى سِلَعِ الصَّبِيِّ كَالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ إِذَا ظَنَّ الْوَصِيُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ. (١)

وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي فَسْخِ الصَّبِيِّ الإِْجَارَةَ عَلَى الْمَال بَعْدَ بُلُوغِهِ مِثْل قَوْلِهِمْ فِي فَسْخِ الصَّبِيِّ الإِْجَارَةَ عَلَى نَفْسِهِ خِلاَفًا وَتَفْصِيلًا. (٢)

خَامِسًا: إِجَارَةُ الْوَصِيِّ نَفْسَهُ لِلصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ:

٤٦ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِلْيَتِيمِ. (٣)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَجَّرَ الْوَصِيُّ نَفْسَهُ فِي عَمَل يَتِيمٍ فِي حِجْرِهِ فَيَتَعَقَّبُهُ الإِْمَامُ، فَمَا كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ أَمْضَاهُ وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ رَدَّهُ. (٤)

سَادِسًا: تَبَرُّعُ الْوَصِيِّ وَهِبَتُهُ:

٤٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَال الصَّغِيرِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالصَّدَقَةِ أَمْ بِالْهِبَةِ بِغَيْرِ

_________

(١) الشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٣.

(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٥٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٥٦٧ - ٥٦٨.

(٣) الْفَتَاوَى البزازية ٦ / ٤٤٤.

(٤) مَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٧١.

عِوَضٍ أَمْ بِالْمُحَابَاةِ (١)، لأَِنَّ التَّبَرُّعَ بِمَال الصَّغِيرِ لاَ حَظَّ لَهُ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُنَافِي مَقْصُودَ الْوِصَايَةِ مِنَ الْحِفَاظِ عَلَى الْمَال وَتَنْمِيَتِهِ وَالتَّصَرُّفِ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ يَعُودُ عَلَى الصَّغِيرِ، مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾) (٢) .

فَقَدْ نَهَى عَنْ قُرْبَانِ مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، وَالتَّبَرُّعُ بِالْمَال لاَ مَصْلَحَةَ لِلْيَتِيمِ فِيهِ، بَل هُوَ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا وَمَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٣)، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ (٤) .

_________

(١) مَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٧٢، وَشَرْح الْخَرَشِيّ ٥ / ٢٩٧، وَالشَّرْح الْكَبِير ٤ / ٥١٩، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٥ / ١٥٣، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٢٨، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٧.

(٢) سُورَة الأَْنْعَام ١٥٢.

(٣) حَدِيث: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. . . . " أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (٢ / ٧٤٥ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْمَازِنِيّ مرسلا، لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ مَوْصُولَةً يَتَقَوَّى بِهَا ذَكَرُهَا ابْن رَجَب الْحَنْبَلِيّ فِي جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَم (ص٢٨٦ - ٢٨٧ ط الْحَلَبِيّ)، وَحُسْنه النَّوَوِيّ.

(٤) حَدِيث: " لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا. . . . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٥ / ٣٢٣ - ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ عِبَادَة بْن الصَّامِتِ. وَحُسْن إِسْنَاده الْمُنْذِرِي فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١ / ١٤٩ - دَار ابْن كَثِير) .

وَالإِْضْرَارُ بِالصَّغِيرِ لَيْسَ مِنَ الْمَرْحَمَةِ فِي شَيْءٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ مَال الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ ضَرَرًا مَحْضًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَلاَ أَنْ يُوصِيَ بِهِ، لأَِنَّ التَّصَدُّقَ وَالْوَصِيَّةَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَالِيٍّ فَكَانَ ضَرَرًا فَلاَ يَمْلِكُهُ. (١)

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (وِلاَيَة ف ٥٣ - ٥٤) .

سَابِعًا: الْهِبَةُ بِعِوَضٍ:

٤٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ بِعِوَضٍ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَهَبَ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ بِعِوَضٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لأَِنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْقَبْضِ، وَهَذِهِ مِنْ لَوَازِمِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيُّ لاَ يَمْلِكُهَا، فَلاَ تَصِيرُ عِوَضًا انْتِهَاءً.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَعْلُومًا فِي الْهِبَةِ بِغِبْطَةٍ جَازَتْ لأَِنَّهَا إِذْ قُيِّدَتْ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ كَانَتْ بَيْعًا. (٢)

_________

(١) الْبَدَائِع ٥ / ١٥٣.

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٧٢، وَشَرْح الْخَرَشِيّ ٥ / ٢٩٧، الْبَدَائِع ٥ / ١٥٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٤ / ١٨٩، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٢ / ٢١٣.

الْقَوْل الثَّانِي: لِلْمُوصِي أَنْ يَهَبَ مَال الصَّغِيرِ بِعِوَضٍ، لأَِنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ مُعَاوَضَةُ الْمَال بِالْمَال، فَكَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَمَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (١) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلْوَصِيِّ هِبَةُ مَال الصَّغِيرِ بِعِوَضٍ إِذَا كَانَ الْعِوَضُ قَدْرَ قِيمَتِهِ فَأَكْثَرَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ. (٢)

وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ الشَّرْطَ وَلَمْ يُجِيزُوا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ أَقَل مِنْ قِيمَةِ الْمَال الْمَوْهُوبِ، لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الْمُحَابَاةِ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهَا.

ثَامِنًا: طَلَبُ الْوَصِيِّ الشُّفْعَةَ:

فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ كَوْنِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ فِي صَالِحِ الصَّبِيِّ، وَبَيْنَ كَوْنِ تَرْكِهَا فِي مَصْلَحَتِهِ، وَبَيْنَ اسْتِوَاءِ الطَّلَبِ وَالتَّرْكِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

الْحَالَةُ الأُْولَى: طَلَبُ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ فِيهِ حَظٌّ لِلصَّغِيرِ:

٤٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ حَقَّ الشُّفْعَةِ وَالأَْخْذَ بِهَا إِذَا كَانَ فِي الطَّلَبِ مَصْلَحَةٌ لِلصَّغِيرِ وَحَظٌّ

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٥ / ١٥٣.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٥٠، وَالْمُبْدِع ٤ / ٣٣٨.

لَهُ (١)، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْوُجُوبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الطَّلَبِ فِي حَقِّ الْوَصِيِّ بِأَنَّ تَرْكَ الطَّلَبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الصَّبِيِّ فَلاَ يَصِحُّ، كَالْعَفْوِ عَنْ قَوَدِهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ وَإِبْرَاءِ غَرِيمِهِ، وَبِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ نَظَرِيَّةٌ وَالنَّظَرُ فِي الأَْخْذِ مُتَعَيَّنٌ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَكَانَ فِي إِبْطَالِهِ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الطَّلَبِ بِأَنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ، بَل عَيْنِهَا، لأَِنَّ طَلَبَ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال، وَتَرْكُ الأَْخْذِ بِهَا تَرْكُ التِّجَارَةِ، فَيَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ كَمَا يَمْلِكُ تَرْكَ التِّجَارَةِ بِرَدِّ الْبَيْعِ، وَقَالُوا: الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ، فَيُحْمَل عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ أَنْفَعَ بِإِبْقَاءِ الثَّمَنِ عَلَى مِلْكِ الصَّغِيرِ فَيَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ كَالأَْخْذِ، بِخِلاَفِ الْعَفْوِ عَنِ الْقَوَدِ وَأَشْبَاهِهِ لأَِنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ غَيْرُ مُتَرَدَّدٍ، إِذْ هُوَ إِبْطَالٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُنَا بِعِوَضٍ يُعَدُّ لَهُ، وَهُوَ الثَّمَنُ فَلاَ يُعَدُّ ضَرَرًا. (٢)

_________

(١) الْبَدَائِع ٥ / ١٦، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ٢ / ١٠٠، وَشَرْح الْخَرَشِيّ ٥ / ٢٩٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٥ / ١٨٣، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٢٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ١٤٥.

(٢) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٥ / ٢٦٣.