الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
فَإِنْ أَخَل بِعُلُوفَةِ الْمَاشِيَةِ ضَمِنَهَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخَل بِتَلْقِيحِ الثَّمَرَةِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ وَجْهًا وَاحِدًا، لأَِنَّهَا إِنْ لَمْ تُثْمِرْ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ مَا لَمْ يُخْلَقْ، وَإِنْ خُلِقَتْ نَاقِصَةً فَالنُّقْصَانُ - أَيْضًا - مِمَّا لَمْ يُخْلَقْ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا كَانَ نَمَاؤُهُ بِالْعَمَل.
وَذَلِكَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: تِجَارَةٌ بِمَالٍ، وَالثَّانِي: اسْتِغْلاَلٌ لِعَقَارٍ.
فَأَمَّا التِّجَارَةُ بِالْمَال فَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَالُهُ نَاضًّا، فَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِلتِّجَارَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ آمِنًا فَإِنْ كَانَ مَخُوفًا لَمْ يَجُزْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ السُّلْطَانُ عَادِلًا فَإِنْ كَانَ جَائِرًا لَمْ يَجُزْ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْمُتَاجَرَةُ مُرْبِحَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُخَسِّرَةً لَمْ يَجُزْ.
فَإِذَا اكْتَمَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كَانَ مَنْدُوبًا إِلَى التِّجَارَةِ لَهُ بِالْمَال، فَلَوْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ لأَِمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ مِلْكٌ عَلَى رِبْحٍ مَعْلُومٍ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ بِالْعَقْدِ وَالْمَال تَبَعٌ، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا رِبْحَ الْغَاصِبِ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ لَهُ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
فَإِنِ اتَّجَرَ الْوَلِيُّ لَهُ بِالْمَال مَعَ إِخْلاَلِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، كَانَ ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ مِنْ أَصْل الْمَال.
وَأَمَّا اسْتِغْلاَل الْعَقَارِ: فَإِنَّمَا يَكُونُ بِإِجَارَتِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَاطِلًا لَمْ يُؤَجِّرْهُ فَقَدْ أَثِمَ.
وَفِي ضَمَانِهِ لأُِجْرَةِ مِثْلِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي تَعْطِيلِهِ وَجْهَانِ، لأَِنَّ مَنَافِعَهُ تُمْلَكُ كَالأَْعْيَانِ.
- وَأَمَّا النَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَيْهِ؛ فَلأَِنَّ فِي الزِّيَادَةِ سَرَفًا، وَفِي التَّقْصِيرِ ضَرَرًا، فَلَزِمَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ، وَكَذَلِكَ يُنْفِقُ عَلَى كُل مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ مِنْ وَالِدَيْنِ وَمَمْلُوكَيْنِ، ثُمَّ يَكْسُوهُ وَإِيَّاهُمْ فِي فَصْلَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ كِسْوَةً مِثْلَهُمْ فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ.
وَقَال بَعْضُ الأَْصْحَابِ: يَعْتَبِرُ بِكِسْوَةِ أَبِيهِ، فَيَكْسُوهُ مِثْلَهَا، فَإِنْ أَسْرَفَ الْوَلِيُّ فِي الإِْنْفَاقِ
عَلَيْهِ ضَمِنَ زِيَادَةَ السَّرَفِ، وَإِنْ قَصَّرَ بِهِ أَسَاءَ وَلَمْ يَضْمَنْ.
- وَأَمَّا إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ فَضَرْبَانِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ.
فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَكَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ.
وَأَمَّا الزَّكَوَاتُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ، وَأَعْشَارُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ: فَوَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا، وَأَمَّا زَكَاةُ الأَْمْوَال فَقَدْ أَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَمْ يُوجِبْهَا إِلاَّ عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: حَقٌّ وَجَبَ بِاخْتِيَارٍ كَالدُّيُونِ فَعَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهَا إِذَا ثَبَتَتْ وَطَالَبَ بِهَا أَرْبَابُهَا، فَإِنْ أَبْرَأُوا سَقَطَتْ، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ إِبْرَاءٍ نُظِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ نَاضًّا: أَلْزَمَهُمُ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ، أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتْلَفَ الْمَال وَيَبْقَى الدَّيْنُ، وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدُيُونِهِمْ إِذَا شَاءَ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا وَجَبَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَالْجِنَايَاتِ وَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى مَالٍ فَيَكُونُ غُرْمُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ كَالدُّيُونِ.
الثَّانِي: عَلَى نَفْسٍ وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لاَ فِي مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ قَوْلاَنِ، مِنَ اخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ فِي عَمْدِ الصَّبِيِّ هَل يَجْرِي مَجْرَى الْعَمْدِ أَوْ مَجْرَى الْخَطَأِ؟ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْعَمْدِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْخَطَأِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَفِي مَالِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا (١) .
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوَصِيِّ قَضَاءَ دُيُونِ الْمَيِّتِ وَتَفْرِيقَ وَصِيَّتِهِ، وَالنَّظَرَ فِي أَمْرِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ مِنْ طِفْلٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ، وَرَدَّ الْوَدَائِعِ إِلَى أَهْلِهَا وَاسْتِرْدَادَهَا مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ، وَرَدَّ الْغَصْبِ، وَحَدَّ قَذْفٍ (٢) .
إِخْرَاجُ الْوَصِيِّ الزَّكَاةَ عَنِ الصَّغِيرِ أَوْ عَنْ مَالِهِ:
أَوَّلًا: إِخْرَاجُ الْوَصِيِّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ:
٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ
_________
(١) الْحَاوِي الْكَبِير: الْمَاوَرْدِيّ ١٠ / ٢٠٣ وَمَا بَعْدَهَا.
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٩٨، وَالإِْنْصَاف ٧ / ٢٩٥.
الْوَصِيِّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى وُجُوبِهَا فِي مَال الصَّغِيرِ وَإِلْزَامِ الْوَصِيِّ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ " (١) .
فَعُمُومُ وُجُوبِهَا عَلَى الصَّغِيرِ يَشْمَل الْيَتِيمَ وَغَيْرَهُ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً فِي مَال الْيَتِيمِ وَلِلْوَصِيِّ إِخْرَاجُهَا عَنْهُ، وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً بَل فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَتِ الْعُشْرَ (٢) .
يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُخَاطَبُونَ بِهَا ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا، عَبِيدًا كَانُوا أَوْ أَحْرَارًا
_________
(١) حَدِيث: ابْن عُمَر ﵄ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٣ / ٣٦٧) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٦٧٧) دُونَ قَوْله: " وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ ".
(٢) الْبَدَائِع ٢ / ٦٩ - ٧٠، بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ١ / ٢٨٦، الْمَجْمُوع ٦ / ١٢٠، الْمُغْنِي ٢ / ٦٤٦، وَفَتْح الْبَارِي ٣ / ٣٦٧، وَشَرْح النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ٥٧.
لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِلاَّ مَا شَذَّ فِيهِ اللَّيْثُ مِنْ قَوْل مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى الْيَتِيمِ (١) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالأُْنُوثِيَّةِ فِي قَوْل أَهْل الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ وَيُخَرِّجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ. (٢)
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ إِخْرَاجُهَا لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الصَّغِيرِ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ (٣) .
ثَانِيًا: إِخْرَاجُ الْوَصِيِّ زَكَاةَ مَال الصَّغِيرِ:
٣٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الْوَصِيِّ زَكَاةَ مَال الصَّغِيرِ وَإِلْزَامِهِ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة ف١١) .
تَضْحِيَةُ الْوَصِيِّ عَنِ الصَّغِيرِ:
٣٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَضْحِيَةِ الْوَصِيِّ عَنِ الصَّبِيِّ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنِ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا لأَِنَّ الأُْضْحِيَّةَ لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً بَل فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَتِ
_________
(١) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ١ / ٢٨٦.
(٢) الْمُغْنِي ٢ / ٦٤٦.
(٣) الْبَدَائِع ٢ / ٧٠.
الْعُشْرَ: وَقَال: لاَ يَتَصَدَّقُ الْوَصِيُّ بِاللَّحْمِ لَكِنْ يَأْكُل مِنْهَا الصَّغِيرُ وَيَدَّخِرُ لَهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ وَيَبْتَاعُ بِالْبَاقِي مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُضَحِّيَ عَنِ الْيَتِيمِ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ مَالِهِ لأَِنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ وَفَرَحٍ وَلِيَحْصُل بِذَلِكَ جَبْرُ قَلْبِهِ، وَإِلْحَاقًا بِمَنْ لَهُ أَبٌ وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَصِيِّ التَّصَدُّقُ وَالإِْهْدَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ، وَيُوَفِّرُهَا لِلْيَتِيمِ لأَِنَّ الْوَصِيَّ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّبَرُّعِ مِنْ مَال الْيَتِيمِ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُضَحِّيَ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ، وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ التَّضْحِيَةَ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ. وَإِنْ ضَحَّى الْوَصِيُّ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ يَضْمَنُ فِي قَوْل مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ (٤) .
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٥ / ٦٤، ٢ / ٧٠.
(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ١١٨.
(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٥٠، ٢٣.
(٤) الْمَجْمُوع ٨ / ٤٢٥، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٤٤، ٣٦٧، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٧٠، ٥ / ٦٤، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ وَحَاشِيَة الشلبي عَلَيْهِ ٦ / ٣.
تَصَرُّفَاتُ الْوَصِيِّ:
أَوَّلًا: بَيْعُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ وَشِرَاؤُهُ:
٣٧ - مَال الصَّغِيرِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا فَإِنْ كَانَ عَقَارًا فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُهُ إِلاَّ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ كَنَفَقَةِ الصَّغِيرِ وَكِسْوَتِهِ، وَأَدَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، أَوْ كَانَ فِي الْبَيْعِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ كَأَنْ يَرْغَبَ الْمُشْتَرِي فِي الْعَقَارِ بِضِعْفِ الثَّمَنِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِيصَاء ف١٤، وَعَقَار ف١٥) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ لأَِجْنَبِيٍّ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ. أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ فَلاَ يَجُوزُ.
(ر: إِيصَاء ف١٤، مَنْقُول ف٤، وِلاَيَة ف٥٣ وَمَا بَعْدَهَا) .
أَمَّا بَيْعُ الْوَصِيِّ وَشِرَاؤُهُ مَال الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ وَصِيِّ الْقَاضِي وَوَصِيِّ الأَْبِ؛ أَمَّا وَصِيُّ الْقَاضِي فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِكُل حَالٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مَال الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَبِيعَ مَال نَفْسِهِ مِنَ الصَّغِيرِ.
وَأَمَّا وَصِيُّ الأَْبِ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَال الصَّغِيرِ وَشِرَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ لاَ يَجُوزُ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لِلْوَصِيِّ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ مَال الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ وَإِذَا اشْتَرَى الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ تَعَقَّبَهُ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ فَيَمْضِي مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْيَتِيمِ وَيَرُدُّ غَيْرَهُ إِلاَّ مَا اشْتَرَاهُ مِنَ التَّرِكَةِ مِمَّا قَل ثَمَنُهُ وَانْتَهَتِ الرَّغَبَاتُ فِيهِ. (١)
ثَانِيًا: الْمُضَارَبَةُ وَالاِتِّجَارُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ:
٣٨ - الاِتِّجَارُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ يَكُونُ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الثَّلاَثَةِ: اتِّجَارُ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ، وَاتِّجَارُ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ، وَدَفْعُ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَقْبَل فِيهِ مُضَارَبَةً لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ.
_________
(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢١١ - ٢١٢، وَأَحْكَام الصِّغَارِ ص٣٥٥ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٤ / ٤٥٥ وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٦١٠ - ٦١١، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٤٠٢ - ٤٠٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٧٥ وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٢٢، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٦ / ٥٩٧.
أـ اتِّجَارُ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ:
٣٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ أَوِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَصِيرِ الرِّبْحِ إِذَا اتَّجَرَ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ وَرَبِحَ.
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَمَنْ وَافَقَهُمَا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَضْمَنُ رَأْسَ الْمَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُسَلِّمُ لَهُ الرِّبْحَ وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ. (١)
ب - اتِّجَارُ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ:
٤٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اتِّجَارِ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٤٧، وَالْفَتَاوَى الْخَانِيَة بِهَامِش الْهِنْدِيَّة ٣ / ٥٢٤، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٥٥، وَالْمُنْتَقَى ٢ / ١١١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ١٧٤ - ١٧٥، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٣٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤٩.