الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَزْوِيجِ الْوَصِيِّ بِنْتِ أَوِ ابْنِ الْمُوصِي فَفِيهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: يَجُوزُ الإِْيصَاءُ بِتَزْوِيجِ الْبِنْتِ أَوِ الاِبْنِ، وَلِوَصِيِّ الأَْبِ إِجْبَارُ الْبِنْتِ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا كَالأَْبِ، لأَِنَّ نَائِبَهُ كَوَكِيلِهِ، وَهَذَا رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ (١) .
الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ الإِْيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ مَعَ وُجُودِ الْجَدِّ أَوْ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ الأَْوْلِيَاءِ وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ " (٣)، وَلأَِنَّ الْبَالِغِينَ لاَ وِصَايَةَ فِي حَقِّهِمْ، وَالصَّغِيرُ وَالصَّغِيرَةُ لاَ يُزَوِّجُهُمَا غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ (٤) .
_________
(١) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٧٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٥٨، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٨٥، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥١ - ٤٥٢، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ١٩٩.
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٣١١ - ٣١٢، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٩٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٦، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٨٦.
(٣) حَدِيث: " السُّلْطَان وَلِي مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٣ / ٣٩٩ - ط الْحَلَبِيّ)، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ. وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(٤) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٥، ٣٢٢، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٩٠.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف ١١١)
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ:
٢٩ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوِصَايَةَ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول.
كَمَا أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الإِْيجَابَ يَصِحُّ بِكُل صِيغَةٍ تَدُل عَلَى تَفْوِيضِ الْمُوصِي بِهِ إِلَى الْوَصِيِّ، مِثْل: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ أَمْرَ أَمْوَالِي وَأَوْلاَدِي بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ أَسْنَدْتُ أَمْرَهُمْ إِلَيْكَ بَعْدَ مَوْتِي، وَأَقَمْتُكَ فِيهِمْ مَقَامِي بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُل عَلَى تَفْوِيضِ الأَْمْرِ الْمُوصَى بِهِ إِلَى الْوَصِيِّ.
٣٠ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ عَقْدِ الْوِصَايَةِ بِلَفْظَيِ الْوَكَالَةِ، وَالْوِلاَيَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الإِْيجَابُ فِي الْوِصَايَةِ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ، كَأَنْ يَقُول الْمُوصِي لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ وَلَّيْتُكَ بَعْدَ مَوْتِي.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي انْقِضَاءِ الْوِصَايَةِ بِلَفْظَيِ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ وَجْهَانِ (١) .
_________
(١) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة ٣ / ٥١٢، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤٢٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧، وَأَسْنَى الْمَطَالِب مَعَ حَاشِيَة الرَّمْلِيّ ٣ / ٧٠، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٩٠.
أَمَّا الأَْخْرَسُ فَتَكْفِي إِشَارَتُهُ الْمُفْهَمَةُ وَكِتَابَتُهُ، وَكَذَا مُعْتَقَل اللِّسَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ وَالْحَنَابِلَةُ قَبُول إِشَارَةِ مُعْتَقَل اللِّسَانِ إِذَا كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُول مُوَافِقًا لِلإِْيجَابِ، لأَِنَّ الإِْيصَاءَ عَقْدٌ فَأَشْبَهَ الْوَكَالَةَ، وَلِذَا تَبْطُل بِالرَّدِّ كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: لاَ أَقْبَل، وَيَقُومُ التَّصَرُّفُ مَقَامَ اللَّفْظِ فَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول لَفْظًا (١) .
(ر: عَقْد ف ٦ - ٨، إِشَارَة ف ١١) .
وَقْتُ اعْتِبَارِ قَبُول الْوِصَايَةِ وَرَدِّهَا:
٣١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ قَبُول الْوِصَايَةِ أَوْ رَدِّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَصِحُّ قَبُول الْوِصَايَةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ) (٢) وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
_________
(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٣٤، الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيمِ ص٣٤٤، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٧، وَالْمُغْنِي ٦ / ٥٧٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦.
(٢) الْبَدَائِع ٧ / ٣٣٣، وَحَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٦ / ٧٠٠ وَمَا بَعْدَهَا، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢٠٦، وَالْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٤٤٢، وَالْمُغْنِي ٦ / ٥٧٤، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٢ / ٥٢٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: قَبُول الْوِصَايَةِ أَوْ رَدُّهَا عِنْدَ الْمُوصِي صَحِيحٌ لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ إِلْزَامِهِ التَّصَرُّفَ وَلاَ غُرُورَ فِيهِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُوصِيَ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عِنْدَ الْمُوصِي بَل رَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ لاَ يَرْتَدُّ، لأَِنَّ الْمُوصِيَ مَاتَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، فَلَوْ صَحَّ رَدُّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ لَصَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ فَيُرَدُّ رَدُّهُ فَيَبْقَى وَصِيًّا عَلَى مَا كَانَ، كَالْوَكِيل إِذَا عَزَل نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل، وَلَوْ لَمْ يَقْبَل وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَبِل وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْلْزَامِ فَبَقِيَ مُخَيَّرًا (١) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ لِلْوَصِيِّ عَزْل نَفْسِهِ مِنَ الإِْيصَاءِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لأَِنَّ عَقْدَ الْوِصَايَةِ غَيْرُ لاَزِمٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، فَلِلْمُوصِي عَزْل الْوَصِيِّ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَوْ قَبِل، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ رَدُّ الْوِصَايَةِ بَعْدَ الْقَبُول وَمَوْتِ الْمُوصِي بِمَعْنَى أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا قَبِل الْوِصَايَةَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، أَوْ مَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ قَبِل فَلَيْسَ لَهُ عَزْل نَفْسِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَصِيُّ بِالإِْيصَاءِ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَلَهُ عَدَمُ الْقَبُول ثُمَّ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولٌ (٢) .
_________
(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢٠٦.
(٢) شَرْح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ٢٠٢، وَالشَّرْح الْكَبِير بِحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٥.
قَال ابْنُ شَاسٍ: وَظَاهِرُ إِطْلاَقِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَشَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ مَنْعُ الْوَصِيِّ مِنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْقَبُول مُطْلَقًا إِلاَّ أَنْ يَعْجِزَ أَوْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِهَا.
وَقَال الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إِذَا قَبِل الْوَصِيُّ الْوِصَايَةَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ قَبُول الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، لأَِنَّهَا إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْوَكِيل بِخِلاَفِ الْوَصِيَّةِ لَهُ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُول قَبْل الْوَقْتِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَبُول إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لأَِنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ فَصَحَّ قَبُولُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْوَصِيَّةِ لَهُ (٢) .
الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّةِ قَبُول الإِْيصَاءِ وَلاَ رَدِّهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُ التَّصَرُّفِ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ بِالْمَال، فَلَوْ قَبِلَهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَغَا، أَمَّا لَوْ رَدَّهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ قَبِلَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَحَّ (٣) .
_________
(١) عَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٣ / ٤٣١.
(٢) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ٥٧٤، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٢ / ٥٢٢ - ٥٢٣، وَانْظُرِ الإِْنْصَاف ٧ / ٢٩٣.
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب ٣ / ٧٧.
تَعْلِيقُ صِيغَةِ الْوِصَايَةِ وَتَوْقِيتِهَا:
٣٢ - التَّعْلِيقُ وَالتَّأْقِيتُ فِي صِيغَةِ الْوِصَايَةِ جَائِزٌ بِالاِتِّفَاقِ، لأَِنَّ الْوِصَايَةَ تَحْتَمِل الْجَهَالاَتِ وَالأَْخْطَارَ فَكَذَا التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ، وَلأَِنَّ الإِْيصَاءَ كَالإِْمَارَةِ، وَقَدْ أَمَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنْ قُتِل زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِل جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ " (١) .
وَمِثَال التَّعْلِيقِ: أَنْ يَقُول: إِذَا مُتُّ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ أَوْ يُوصِي إِلَى شَخْصٍ وَيَقُول: إِنْ مَاتَ الْوَصِيُّ فَزَيْدٌ وَصِيٌّ بَدَلَهُ. وَمِثَال التَّأْقِيتِ: أَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ سَنَةً أَوْ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ إِلَى قُدُومِ زَيْدٍ (٢) .
وَاجِبَاتُ الْوَصِيِّ:
٣٣ - الْوَصِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا. فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا الْتَزَمَ بِمَا قُيِّدَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا وُصِّيَ عَلَيْهِ مِنْ
_________
(١) حَدِيث: " أَمْر رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْد بْن حَارِثَة ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٧ / ٥١٠) .
(٢) حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٦ / ٧٠١، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٥ / ١٤٨، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ١٩٩، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٤ / ٤٥١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٤، وَالْمُغْنِي ٦ / ٥٧٢، وَشَرْح الْمُنْتَهَى ٢ / ٥٧٤، وَالْكَافِي لاِبْنٍ قُدَّامِهِ ٢ / ٥٢٢.
صِغَارٍ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِمْ، وَيَشْمَل ذَلِكَ الْقِيَامَ بِحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَتَثْمِيرِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِخْرَاجِ مَا تَعَلَّقَ بِأَمْوَالِهِمْ مِنْ حُقُوقٍ لِلَّهِ أَوْ لِلنَّاسِ، عَمَلًا بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (١)﴾ .
" وَبِقَوْل عُمَرَ ﵁: ابْتَغُوا بِأَمْوَال الْيَتَامَى لاَ تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ " (٢) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الأَْصْل أَنَّ وِلاَيَةَ الْوَصِيِّ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ وِلاَيَةِ الْمُوصِي، وَأَنَّ وِلاَيَةَ الْحِفْظِ تَبَعٌ لِوِلاَيَةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا ثَبَتَتْ لِلْوَصِيِّ وِلاَيَةُ الْحِفْظِ ثَبَتَتْ لَهُ وِلاَيَةُ كُل تَصَرُّفٍ هُوَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ، نَحْوَ بَيْعِ الْمَنْقُول، وَبَيْعِ مَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ (٣) .
وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي النَّفَقَةِ لاَ عَلَى وَجْهِ الإِْسْرَافِ وَلاَ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيقِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِقِلَّةِ مَال الصَّبِيِّ وَكَثْرَتِهِ وَاخْتِلاَفِ حَالِهِ فَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا يَلِيقُ (٤) .
_________
(١) سُورَة الإِْسْرَاء: ٣٤.
(٢) أَثَر عُمَر ﵁: ابْتَغَوْا بِأَمْوَال الْيَتَامَى. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٢ / ١١٠ - ط دَارَ الْمَحَاسِن)، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (٤ / ١٠٧ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيّ إِسْنَاده.
(٣) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٤٥، وَالْبَحْر الرَّائِق ٨ / ٥٢٦.
(٤) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة ٣ / ٥٢٢ - ٥٢٣، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٤٥.
وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوَصِيِّ مَا يَلِي:
أ) تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَشِرَاءُ الْكَفَنِ لَهُ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ فَسَادَ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْجِيرَانُ أَيْضًا فِي الْحَضَرِ، وَالرُّفْقَةُ فِي السَّفَرِ.
ب) قَضَاءُ حَاجَةِ الصِّغَارِ وَالاِتِّهَابُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يَخَافُ هَلاَكَهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ.
ج) رَدُّ وَدِيعَةِ عَيْنٍ وَقَضَاءُ دَيْنٍ.
د) رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَرَدُّ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَكَذَا حِفْظُ الْمَال.
هـ) بَيْعُ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى وَالتَّلَفُ وَجَمْعُ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ.
و) تَنْفِيذُ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَعِتْقُ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ.
ز) الْخُصُومَةُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْوَصِيِّ اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرُهُ بِالنَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَقَدْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ هُوَ الصَّوَابَ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الطِّفْل أَوِ السَّفِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، بِحَسَبِ قِلَّةِ الْمَال أَوْ كَثْرَتِهِ، وَبِحَسَبِ حَال الطِّفْل مِنْ أَكْلٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَنْظُرُ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا ذَكَرَ، وَفِي خَتْنِهِ وَعُرْسِهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ دَخَل فَأَكَل لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ٨ / ٥٢٦.
شَرْعًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَسْرَفَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ فَلاَ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ، وَعِيدِهِ فَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال.
وَأَمَّا مَا يَصْرِفُ لِلَّعَّابِينَ فِي عُرْسِهِ وَخَتْنِهِ فَلاَ يَلْزَمُ الْيَتِيمَ وَيَضْمَنُهُ الْوَصِيُّ. وَلِلْوَصِيِّ دَفْعُ نَفَقَةٍ لَهُ قَلَّتْ كَنَفَقَةِ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُتْلِفُهُ، فَإِنْ خَافَ إِتْلاَفَهُ فَنَفَقَةُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وَلَهُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ فِطْرِهِ مِنْ مَالِهِ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَزَكَاتُهُ الْمَالِيَّةُ مِنْ عَيْنٍ وَحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ.
وَيَرْفَعُ الْوَصِيُّ لِلْحَاكِمِ الَّذِي يَرَى زَكَاةَ الْمَال فِي مَال الصَّبِيِّ لِيَحْكُمَ بِإِخْرَاجِهَا، فَيَرْتَفِعَ الْخِلاَفُ خَوْفًا مِنْ رَفْعِ الصَّبِيِّ بَعْدَ رُشْدِهِ لِقَاضٍ حَنَفِيٍّ لاَ يَرَى الزَّكَاةَ فِي مَال الصَّبِيِّ فَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ يَرَى سُقُوطَهَا عَنِ الصَّبِيِّ.
وَلِلْوَصِيِّ دَفْعُ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَعْمَل فِيهِ قِرَاضًا وَبِضَاعَةً، وَلَهُ عَدَمُ دَفْعِهِ إِذْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْمِيَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الَّذِي يَلْزَمُ الْوَصِيَّ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير للدردير بِهَامِش الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٤ - ٤٥٥. /
أَحَدُهَا: حِفْظُ أُصُول أَمْوَالِهِ.
وَالثَّانِي: تَثْمِيرُ فُرُوعِهَا.
وَالثَّالِثُ: الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَالرَّابِعُ: إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ.
ـ فَأَمَّا حِفْظُ الأُْصُول فَيَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حِفْظُ الرِّقَابِ عَنْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدٌ، فَإِنْ فَرَّطَ كَانَ لِمَا تَلِفَ مِنْهَا ضَامِنًا.
وَالثَّانِي: اسْتِبْقَاءُ الْعِمَارَةِ لِئَلاَّ يُسْرِعَ إِلَيْهَا خَرَابٌ فَإِنْ أَهْمَل عِمَارَتَهَا حَتَّى عُطِّل ضَيَاعُهُ وَتَهَدَّمَ عَقَارُهُ: نُظِرَ فَإِنْ كَانَ لإِعْوَازِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ فَقَدْ أَثِمَ، وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ وَيَصِيرُ بِهَذَا كَالْغَاصِبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ خَرَابَهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ فَيَضْمَنُ بِهِ وَلاَ يَدُهُ غَاصِبَةٌ، فَيَجِبُ بِهَا عَلَيْهِ ضَمَانٌ.
وَأَمَّا تَثْمِيرُ فُرُوعِهِ: فَلأَِنَّ النَّمَاءَ مَقْصُودٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ كَالأُْصُول.
وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ نَمَاؤُهَا أَعْيَانًا مِنْ ذَاتِهِ كَالثِّمَارِ وَالنِّعَاجِ: فَعَلَيْهِ بِذَلِكَ مَا عَادَ بِحِفْظِهِ وَزِيَادَتِهِ كَتَلْقِيحِ النَّخْل وَعُلُوفَةِ الْمَاشِيَةِ،