الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

لِصَاحِبِهِ، وَالْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي ضَمَانِ كُل وَاحِدٍ مَا تَلِفَ بِيَدِهِ.

وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُل وَاحِدٍ غَرِيمٌ إِمَّا بِمَا فِي قَبْضَةِ صَاحِبِهِ، وَإِمَّا بِجَمِيعِ الْمَال (١) .

وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ عِنْدَ مَنْ يُجْعَل الْمَال مِنْهُمَا، لَمْ يُجْعَل عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمَا فِي مَكَانٍ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا، لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَأْمَنْ أَحَدَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ وَلاَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. . ثُمَّ قَال: وَلَنَا أَنَّ حِفْظَ الْمَال مِنَ الْمُوصَى بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِهِ، كَالتَّصَرُّفِ.

وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِحِفْظِ بَعْضِهِ لَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِي بَعْضِهِ (٢) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا الْمَال بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إِنْ كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُمَا يَتَهَايَآنِ زَمَانًا أَوْ يُودِعَانِهِ عِنْدَ آخَرَ، لأَِنَّ لَهُمَا وِلاَيَةَ الإِْيدَاعِ، وَقِيل: يُودَعُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا.

_________

(١) شَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ٨ / ٢٠١.

(٢) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ٥٧٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٩٦.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوِ اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي حِفْظِ الْمَال، فَإِنِ احْتَمَل الْقِسْمَةَ يَكُونُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَإِلاَّ فَيَتَهَايَآنِ زَمَانًا أَوْ يَسْتَوْدِعَانِهِ، لأَِنَّ لَهُمَا الإِْيدَاعَ (١) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي حِفْظِ الْمَال وَالْمَقْسُومِ، قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي النِّصْفِ الْمَقْسُومِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَيَتَصَرَّفَانِ مَعًا فِي الْكُل، بِأَنْ يَتَصَرَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ فِيمَا بِيَدِهِ وَيَدِ صَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَال بِيَدِهِمَا كَانَ النِّصْفُ بِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَجَازَ أَنْ يُعَيَّنَ ذَلِكَ النِّصْفُ.

هَذَا إِذَا انْقَسَمَ الْمُوصَى فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ جَعَلَهُ الْحَاكِمُ تَحْتَ يَدِهِمَا، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِنَائِبٍ لَهُمَا فِي الْحِفْظِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِنَائِبٍ لَهُمَا حَفِظَهُ الْقَاضِي.

وَهَذَا التَّفْصِيل فِي وَصِيَّيِ التَّصَرُّفِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْحِفْظِ إِلَى وَقْتِ التَّصَرُّفِ.

أَمَّا وَصِيَّا الْحِفْظِ فَلاَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِحَالٍ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .

_________

(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ لاِبْنِ عَابِدِينَ ٦ / ٧٠٦، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٤٢.

(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٩.

مَرْتَبَةُ الْوَصِيِّ فِيمَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى الْقُصَّرِ:

٢١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَرْتَبَةِ الْوَصِيِّ بَيْنَ مَنْ يَتَوَلُّونَ أَمْرَ الصَّغِيرِ:

- فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْوِلاَيَةَ فِي مَال الصَّغِيرِ لِلأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ وَصِيِّ وَصِيِّهِ وَلَوْ بَعْدُ.

فَلَوْ مَاتَ الأَْبُ وَلَمْ يُوصِ فَالْوِلاَيَةُ لأَِبِي الأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ ثُمَّ وَصِيِّ وَصِيِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْقَاضِي وَمَنْصُوبِهِ.

وَوَصِيُّ الأَْبِ عِنْدَهُمْ أَحَقُّ بِمَال الطِّفْل مِنَ الْجَدِّ، وَذَلِكَ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْبِ تَنْتَقِل إِلَى وَصِيِّهِ بِالإِْيصَاءِ. فَتَكُونُ وِلاَيَةُ الْوَصِيِّ قَائِمَةً مَعْنًى وَتَتَقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ كَالأَْبِ نَفْسِهِ.

وَلأَِنَّ اخْتِيَارَ الأَْبِ لِلْوَصِيِّ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الْجَدِّ يَدُل عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ أَنْظَرُ وَأَحْسَنُ لأَِوْلاَدِهِ مِنْ تَصَرُّفِ الْجَدِّ (١) .

- وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى مَال الصَّغِيرِ تَكُونُ لِلأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ ثُمَّ لِلْقَاضِي، دُونَ الأَْجْدَادِ وَالأَْعْمَامِ وَالإِْخْوَةِ، لأَِنَّهُمْ يُدَلُّونَ لِلْمَيِّتِ بِوَاسِطَةٍ، بِخِلاَفِ الأَْبِ فَإِنَّهُ يُدَلِّي بِنَفْسِهِ.

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٦ / ٧١٤، ٧١٥، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢١٣.

غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ لِلأُْمِّ أَنْ تُوصِيَ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ: الأَْوَّل: أَنْ يَقِل الْمَال الَّذِي أَوْصَتْ بِسَبَبِهِ، وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ هُوَ الْعُرْفُ.

الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ لِلصَّغِيرِ وَلِيٌّ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّ الأَْبِ أَوْ وَصِيِّ قَاضٍ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَرِثَ الصَّغِيرُ ذَلِكَ الْمَال عَنْهَا بِأَنْ كَانَ الْمَال لَهَا وَمَاتَتْ (١) .

- وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلأَْبِ عَلَى الصَّحِيحِ نَصْبُ وَصِيٍّ عَلَى الأَْطْفَال وَنَحْوِهِمْ كَالْمَجَانِينِ وَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا وَالْجَدُّ حَيٌّ حَاضِرٌ بِصِفَةِ الْوِلاَيَةِ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ ثَابِتَةٌ شَرْعًا فَلَيْسَ لَهُ نَقْل الْوِلاَيَةِ عَنْهُ كَوِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْجَدُّ غَائِبًا فَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ أَرَادَ الأَْبُ الإِْيصَاءَ بِالتَّصَرُّفِ عَلَيْهِمْ إِلَى حُضُورِهِ، فَقِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْبُلُوغِ: الْجَوَازُ، وَيُحْتَمَل الْمَنْعُ، لأَِنَّ الْغَيْبَةَ لاَ تَمْنَعُ حَقَّ الْوِلاَيَةِ (٢) .

وَأَمَّا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا فَلِلأَْبِ نَصْبُ

_________

(١) شَرْح مَنَحَ الْجَلِيل ٤ / ٦٨٨، وَالشَّرْح الْكَبِير لِلدُّسُوقِيِّ ٤ / ٤٥٢، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٤ / ٥١٨.

(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب ٣ / ٧٥.

الْوَصِيِّ فِي حَيَاةِ الْجَدِّ وَيَكُونُ الْوَصِيُّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ، وَلَوْ لَمْ يَنْصِبْ وَصِيًّا فَأَبُوهُ أَوْلَى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَمْرِ الأَْطْفَال، وَالْحَاكِمُ أَوْلَى بِتَنْفِيذِ الْوَصَايَا. كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ (١) .

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُوصِي:

الْمُوصِي هُوَ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ أَمْرٌ لِغَيْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي أُمُورِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (٢)، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ وِصَايَتِهِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: التَّكْلِيفُ (وَهُوَ الْعَقْل وَالْبُلُوغُ):

٢٢ - أَمَّا الْعَقْل: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي عَاقِلًا، فَلاَ تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ مُبَرْسَمٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ قَبْل إِفَاقَتِهِ إِذْ لاَ عِبَارَةَ لِهَؤُلاَءِ وَلاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِمْ (٣) .

وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ إِذْ لاَ عِبَارَةَ لَهُ

_________

(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٦.

(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١١.

(٣) الْبَدَائِع ٧ / ٣٣٤، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص٣٩٨، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الرِّسَالَةِ ٢ / ٢٠٤ وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٩٧، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٨٥ - ١٨٧.

وَلأَِنَّهُ يُوَلَّى عَلَيْهِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ لاَ يَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ.

أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِصَايَتِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَتِ الْوِصَايَةُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ فَتَصِحُّ مِنْهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى صِحَّةِ وِصَايَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، لأَِنَّهَا تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَهُ فَصَحَّ مِنْهُ كَالإِْسْلاَمِ وَالصَّلاَةِ.

وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِصِحَّةِ الْوِصَايَةِ مِنَ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِل الْقُرْبَةَ كَمَا قَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ صِحَّةَ الْوِصَايَةِ مِنَ الْمُمَيِّزِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ (١) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْحُرِّيَّةُ:

٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي حُرًّا فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ

_________

(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٣٤، وَجَامِع أَحْكَام الصِّغَار ص٣٤٠، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٥ / ٥٢٠ - ٥٢١، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الرِّسَالَةِ ٢ / ٢٠٤ - ٢٠٥، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص٣٩٨، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٨٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٥، ٣٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٨٥ - ١٨٦.

وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) إِلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمُوصِي فَلاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ الْعَبْدِ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ غَيْرَهُمْ، لأَِنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْوِلاَيَاتِ الْمُتَعَدِّيَةَ كَوِلاَيَةِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَغَيْرِهَا لأَِنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ الْقُدْرَةِ الْحُكْمِيَّةِ، إِذِ الْوِلاَيَةُ تَنْفِيذُ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَالرِّقُّ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ.

كَمَا أَنَّ الأَْصْل فِي الْوِلاَيَاتِ وِلاَيَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ التَّعَدِّي مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ التَّعَدِّي وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ وِصَايَةِ الْعَبْدِ فِي غَيْرِ الْمَال لأَِنَّ لَهُ عِبَارَةً صَحِيحَةً وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً (٢) .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الرُّشْدُ:

٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصِي رَشِيدًا.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَيَصِحُّ إِيصَاءُ السَّفِيهِ عَلَى أَوْلاَدِهِ، لأَِنَّ السَّفَهَ

_________

(١) الْبَدَائِع ٧ / ٣٣٤، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٥ / ٤، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الرِّسَالَةِ ٢ / ٢٠٥، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص٣٩٨، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ الْحَوَاشِي ٧ / ٨٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٥، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٦٨ وَالْحَاوِي للماوردي ١٠ / ١٩٠، وَالتَّقْرِير وَالتَّحْبِير عَلَى التَّحْرِيرِ ٢ / ١٨٥، وَكَشَفَ الأَْسْرَار عَنْ أُصُول البزدوي ٤ / ٤٩١.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٨٣.

لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ، وَلاَ شَيْئًا مِنَ الأَْحْكَامِ سِوَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَال.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصِي رَشِيدًا، فَلَيْسَ لِلأَْبِ السَّفِيهِ أَنْ يُوصِيَ عَلَى وَلَدِهِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ لَهُ الْحَاكِمُ لأَِنَّ الأَْبَ السَّفِيهَ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَى وَلَدِهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى.

وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأَْصْحَابِ فِي بَابِ الْمُوصَى إِلَيْهِ صِحَّةُ وَصِيَّةِ السَّفِيهِ عَلَى أَوْلاَدِهِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَال (١) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْعَدَالَةُ:

٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُوصِي عَلَى قَوْلَيْنِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُوصِي، فَتَصِحُّ وِصَايَةُ الْفَاسِقِ (٢) .

_________

(١) التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٩١، وَالتَّقْرِيرِ وَالتَّجْبِيرِ ٢ / ٢٠١، وَالْحَاوِي للماوردي ١٠ / ١٩٠، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٢، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٦٨، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٨٥، شَرْح الْمُنْتَهَى ٢ / ٤٥٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦ - ٣٣٧.

(٢) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر ص٣٨٦ وَتَكْمِلَة الْبَحْرِ الرَّائِقِ ٨ / ٤٥٩ وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٤، وَالإِْنْصَافِ ٧ / ١٨٣.

وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ إِطْلاَقِ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُوصِي فَلاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ الْفَاسِقِ عِنْدَهُمْ لأَِنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةٌ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لاَ تَصِحَّ مِنْهُ تَوْلِيَةٌ (٢) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْوِلاَيَةُ:

٢٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصِي أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى مَنْ يُوصَى عَلَيْهِ.

وَلِلتَّفْصِيل فِيمَنْ لَهُ تَوْلِيَةُ الْوَصِيِّ (ر: ف ٦، وَإِيصَاء ف ٩) .

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ ضِمْنَ شُرُوطِ الْمُوصِي أَنْ لاَ يَكُونَ لِلطِّفْل مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوِلاَيَةَ، لأَِنَّ مُسْتَحِقَّ الْوِلاَيَةِ بِنَفْسِهِ أَقْوَى مِمَّنِ اسْتَحَقَّهَا بِغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى الأَْبُ بِالْوِلاَيَةِ عَلَى أَطْفَالٍ وَهُنَاكَ جَدٌّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً (٣) .

وَلَمْ يَشْتَرِطْ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ هَذَا الشَّرْطَ.

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٥٢، وَالْخَرَشِيّ ٨ / ١٩٢.

(٢) الْحَاوِي للماوردي ١٠ / ١٩٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٧٩.

(٣) الْحَاوِي ١٠ / ١٩١، مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٥ - ٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٨٩.

الشَّرْطُ السَّادِسُ: الإِْسْلاَمُ: ٢٧ - الأَْصْل أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوِلاَيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ فَلاَ يَصِحُّ إِيصَاءُ الْكَافِرِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى أَوْلاَدِهِ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا إِيصَاءُ الذِّمِّيِّ إِلَى ذَمِّيٍّ عَلَى أَوْلاَدِهِ الذِّمِّيِّينَ فَصَحِيحٌ.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا أَوْصَى الذِّمِّيُّ إِلَى الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ الذِّمِّيَّ مِنَ الْحَرْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمُ لَوْ أَوْصَى إِلَى الذِّمِّيِّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً (١) .

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى بِهِ:

٢٨ - الْمُوصَى بِهِ هُوَ التَّصَرُّفُ الَّذِي عَهِدَ بِهِ إِلَى الْوَصِيِّ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى بِهِ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفًا مَعْلُومًا يَمْلِكُ الْمُوصِي فِعْلَهُ، لأَِنَّ الإِْيصَاءَ كَالْوَكَالَةِ، وَالْوَصِيُّ يَتَصَرَّفُ بِالإِْذْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلاَّ فِي مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ الْمُوصِي، مِثْل الإِْيصَاءِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَوْزِيعِ الْوَصِيَّةِ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ، وَرَدِّ وَدَائِعَ إِلَى أَهْلِهَا، وَاسْتِرْدَادِهَا مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ وَرَدِّ مَغْصُوبٍ. . . . (٢)

_________

(١) الْحَاوِي ١٠ / ١٩٠، وَشَرْح الْمُنْتَهَى ٢ / ٤٩٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٣٨.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٩٨، وَشَرْح الْمُنْتَهَى ٢ / ٥٧٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ١٦٩، وَالدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٢ - ٤٢٣.